16 px
المحتويات

نشر الرواية في المجلة: الأجزاء 1–3. حُفظ الترقيم والفقرات وفق المصدر.

  1. الجزء 1
  2. الجزء 2
  3. الجزء 3

1

كانت التايغا تطبق بصقيعها على البيت، فلا يبقى سوى مربّع مصراع الموقد يلفح بحرارة قرمزية. وكانت التايغا تتدحرج بصخب جداول الربيع وجلبة الطيور. تفيض بزهر إكليل المستنقعات الوردي، وتقتحم النوافذ بهدير الريح المتعاظم، تلك التي تهزّ قمم الصنوبر الشعثاء وتكدّس سحب العواصف. وكانت تلك السحب تملأ أحلام أهل قرية نامخاي بدويّ مطر غزير وُلد بين السلاسل الجبلية، وراح يثير جداول لا تُحصى بأعراف من الزبد.

«راسخة لا تتزعزع تقف قريتنا نامخاي»، هكذا كان يفكّر أهلها. وحقًّا، كأنّ القرية نمت من تلقاء نفسها على ضفاف نهر تاشور السريع المتقلّب: نهضت البيوت، ونمت حولها الأفنية وحدائق الخضراوات، وجذورها الضاربة عميقًا تشرب ماء الينابيع من جوف الأرض. التصقت القريّة بجوانب تلال التايغا المكسوّة بالصنوبريات، التي كانت تزداد ارتفاعًا كلّما ابتعدت، وترتوي بزرقة القمم الصخرية للسلسلة الجبلية. وكان أهل القرية يغفون على دويّ الأمطار الغزيرة، وعلى صيحات الخريف من قوافل الطيور الراحلة جنوبًا، وعلى اندفاع الرياح والعواصف الثلجية المسعور، تعوي معها بصوت واحد قطعان الذئاب التي تكنس بذيولها الرمادية ثلوج الأطراف، وتثير نباح الكلاب المذعور.

في الأزمنة الغابرة، كان نهر تاشور، الذي لم يكن له اسم بالطبع، يهوي من الجروف، ويقلّب صخورًا هائلة، فتنتأ عضلات تيّاره من شدّة التوتّر. ولم يكن النهر قد شقّ بعدُ مجراه الحالي في القاعدة الصخرية. يومها جاء أناس السهوب إلى ضفافه. كانوا يرتحلون بحثًا عن أراضٍ جديدة، ويحتمون من النكبات، وقد أنهكتهم حروبهم الداخلية.

لم تكن الجروف الصخرية ولا أحراش التايغا التي يتعذّر اختراقها مألوفة لمن وُلدوا في رحابة السهوب. الصقيع ضارٍ، والعواصف والرياح الجليدية تباغت، وغشاوة البعوض تصيب بالجنون، والأمطار إذا انهمرت لم تنقطع. لكنّ الصيد لا يخلو من غنيمة، والسمك يتقافز عند المسارع، وعطايا الغابة كانت سخية.

لكنّ أهل السهوب الوافدين سرعان ما أدركوا أنّهم ليسوا أصحاب المكان أبدًا. بل هم ضيوف عند أحد، على ما يبدو. كانوا يجدون دروبًا واضحة، وحفر فخاخ تهدّمت جوانبها، وهياكل حيوانات قُطّعت لحومها. وفي الفسحات الواسعة انبطحت الأعشاب والشجيرات من رعي الرنّات المستأنسة. تسودّ مواضع النيران، وتنطبع دوائر بنّية حيث قامت المساكن، والموتى مدفونون على الأشجار، فوق منصّات مرتفعة.

مع أنّ الآثار التي صادفوها لم تكن كثيرة؛ أشياء كثيرة غطّاها النبات، وأشياء كثيرة زالت من تلقائها. حسنًا، لعلّ أناسًا كانوا هنا ثم ارتحلوا إلى مكان ما. ولم يكن لأبناء العشيرة متّسع لذلك. بالكاد نجوا في الشتاء: كلّ شيء هنا مختلف، والأماكن لا تلائم الخيل والماشية. كان الصيّادون يخرجون إلى الغابات البرّية، ويتسلّقون الممرّات الجبلية الشديدة الانحدار. لكنّهم لم يستطيعوا التفاهم، ولا أن يروي بعضهم لبعض: من ذهب إلى أيّ مكان، وماذا يوجد هناك؟ في أيّ جهة، وكم يستغرق الوصول؟ كلّ ما حولهم كان بلا أسماء.

خرج نفر من أبناء العشيرة في رحلة بعيدة: لا بدّ من العثور على مكان مناسب للإقامة الطويلة. استنزفوا قوى كثيرة وهم يهيمون في البراري النائية. وفي المقدّمة كان أشدّ الصيّادين جلدًا يتناوبون شقّ الأحراش الكثيفة. وفجأة سمعوا صوتًا حادًّا مدوّيًا… وردّت الأحراش بصدى بعيد يتلاشى في البعد. كان الأمر مباغتًا، فاضطرب الجميع! وسرعان ما خرجوا إلى أرض خلاء بلا أشجار. وكان الصيّاد الذي سبقهم بعيدًا يمسك دفًّا بين يديه. هو الذي ضربه قبل لحظة. أيّ دفّ هذا، ولِمَ ضربه؟

دفّ مشدود عليه بإحكام جلد رنّة اسودّ لونه، تغطّيه الرسوم كلّه. ومن الخلف، إذا ثنيت طرفه قليلًا، رأيت أنّ الجلد كان أبيض في الأصل. وفي الوسط رُسم ما يشبه سهمًا، وربّما كان شجرة تنّوب ذات غصنين. وفوقه طائر ما، يبدو كأنّه هيكل طائر بجناحين معوجّين مفرودين. وتحته، على جانبَي السهم الشجرة، إنسانان صغيران. مؤلّفان من خطوط، ورأساهما دائرتان صغيرتان. وأحاطت بالرسم سمكتان كبيرتان نصف مقوّستين. وحول السمكتين علامات غامضة، كأنّ عصافير ضئيلة وطئت المكان وتركت آثارًا ثلاثية الأصابع. ويمكن تمييز أشكال تتتابع على الحافة. حصان، وأيل، وخنزير برّي، وأفعى، وفأر، وثور، وديك، وكلب…

— مضيت أبعد، قال الصيّاد، هناك صنوبرة تتفرّع إلى ثلاثة جذوع. وفي أعلاها منصّة من العصيّ الطويلة، إنّه مدفن. كانت الحدآت تحوم فوقه وتمزّق فريستها. انتزعت إحداها شيئًا من الأخرى، وأمسكته وطارت. أطلقت صفيرًا حادًّا كما أنادي جوادي في السهوب، فمن فزعتها أسقطت الدفّ.

— هذا مدفن، وفيه دفّ، قال شيخ حكيم من أهل السهوب. دُفن فيه شامان، إذن، مع دفّه الشاماني. نذير شؤم. دفّ شامان رحل. ما كان ينبغي أن تلتقطه، وفوق ذلك ضربته… لن تجلب إلا البلاء!

— تلك كانت القوانين في السهوب، اعترض الصيّاد. أمّا هنا فكلّ شيء مختلف. لا نعرف ما حولنا، ولا أين نحن. من هؤلاء المجهولون الذين كانوا هنا؟ إذا ظللنا نجرّ وراءنا سهوب الماضي، فكيف نستقرّ في المكان الجديد؟

فكّر الجميع أنّ الشيخ الحكيم يقول حقًّا. لكنّ للصيّاد وجه حقّ أيضًا. لقد شقّ الطريق أمامهم طوال الرحلة، وكم حمل من أحمال. عضلاته مفتولة، وعينه لا تخطئ، ولا يكلّ في الصيد. سيخلّف هو وزوجته ذرّيّة ويواصلان النسل. أفينصتون إلى شيخ محترم، لكنّ الأسفار البعيدة أنهكته؟

كان الجميع متعبين، ألقوا صررهم وارتموا منهكي القوى. وفي الأسفل كان جدول يخرخر. ينبغي أن يجلبوا الماء ويوقدوا نارًا، ويغلوا الشاي، ويأكلوا اللحم المقدّد. لم يستطع أحد أن يتحرّك من مكانه. حتى الأفكار كانت متعبة، وكان القلق من الغابة التي لا حدّ لها يمزّقهم بمخالبه.

قبض الصيّاد على الدفّ بقوّة، كأنّ أحدًا يريد انتزاعه منه. تهيّأ، وملأ صدره بالنفَس… وضرب بكفّه! ضرب على هذا النحو، ثم على ذاك. وكأنّ الجبال المحيطة التي تدحرج نحوهم أمواج تلال تكسوها الأشجار التي صرعتها الريح قد دبّت فيها الحياة داخل الدفّ. كان صوت الدفّ مهيبًا هادرًا، فردّ الصدى وتدحرج صيحات. وانشرح صدر أبناء العشيرة! كأنّ أحدًا يدعوهم، وهم حائرون خائفون، إلى السير بلا وجل، وتسلّق المرتفعات الوعرة، ورؤية الأراضي المجهولة من فوق.

اندمج الصيّاد في الإيقاع، يدبّ بقدميه ويتمايل، كأنّ ريحًا لا يشعر بها سواه تحرّكه. وفي الضربات الهادرة على الجلد المشدود كان يُسمع صفير السهام، ودويّ حوافر جيوش الفرسان بالآلاف على طبول السهوب الحارّة، وصرير السيوف في المعارك وصيحات المحتضرين، وانقضاض العقاب الذهبي القاتل، وعواء الذئاب في كون الليالي القارس.

زال عن أهل السهوب خوف المجهول، وتشجّعوا، وانبعثت فيهم العزيمة. واشتعلت النار، وشربوا الشاي حتى ارتووا، وأكلوا ما لديهم. وأخذوا يصعدون نحو قمم السلسلة الجبلية، حيث الشيوخ ذوو الرؤوس البيضاء يدخّنون غلايينهم أبدًا، ويلتفّون بخصل الضباب.

في منخفض فسيح رأوا ما يشبه بُسطًا زرقاء داكنة، كان ذلك عنب الأحراج. فسمّوا المنخفض: منخفض عنب الأحراج. وفي وادٍ صغير آخر كثر التوت الأزرق، وكلّ شيء يترقرق بزرقة خفيفة. سيكون وادي التوت الأزرق. والمنخفض التالي مغطّى بعنب الثور: أحمر زاهٍ ناضج. منخفض عنب الثور، إذن. وهكذا حفظوا كلّ شيء.

وحين خاضوا نهرًا مضطربًا، كانت أفعى ملتفّة تتشمّس على صخرة. علامة أخرى، على ما يبدو. ومضى النهر يجري، لكنّه صار نهر الأفعى. وفوق ممرّ عالٍ كان نسر يحوم. فوق ممرّ النسر، إذن. نزلوا إلى الأسفل، فإذا ببحيرة تمتدّ، وعلى ضفافها غابة صنوبر. وكانت أيائل مرهفة الحسّ ترعى في فسحة. في فسحة قرب بحيرة لم تعد مجرّد بحيرة، بل بحيرة الأيل الآن. وصعدوا من جديد، وهناك انتظرهم ممرّ الخنزير البرّي: كلّ شيء موطوء بآثار الخنازير البرّية. وعبر مضيق الأيل الأحمر، واجتياز جدول الأرنب وحطام أشجار الذئب، بلغوا غابة الدبّ الغنية.

أحيانًا كانت الوحشة تستبدّ بهم من البراري النائية، ومن الجروف المعلّقة بثقلها فوقهم، تسدّ الطريق كالحراس… وأحيانًا كانوا يتجادلون ويتشاجرون: أيمضون أبعد، وأين الاتجاه الصحيح؟ لعلّ الأفضل أن يتوقّفوا ويعودوا أدراجهم؟.. عندها يضربون الدفّ، فينساب إيقاعه على وتيرة دقّات القلوب. وتتراجع المخاوف مطرودة بعيدًا. ويقف أبناء العشيرة في دائرة، ويمسك بعضهم بأيدي بعض، يتبادلون القوّة والدفء. يدبّون بأقدامهم ويرقصون على الإيقاع، وتمتلئ نفوسهم بالأمل وبأنّ التراجع لا سبيل إليه.

صاروا يعرفون الآن أين يجمعون عنب الأحراج، وفي أيّ منخفض. وأين تقع، قبل السلسلة الجبلية التي سمّوها سلسلة المكسّرات، السفوح ذات أشجار الأرز العالية الغنية بالمخاريط. وكيف يبلغون نهر الأفعى، ويخرجون إلى بحيرة الأيل ويصطادون السمك. وأصبح الصيّاد يستطيع أن يقول: كنت في المكان الفلاني، وهناك مرابع صيد طيّبة!

لم يعد الرحيل طويلًا مخيفًا إلى ذلك الحدّ، ولم تعد الأحراش المحيطة ترعبهم، فقد غدت كالأقارب تقريبًا، إذ صارت لها أسماء. وأرواح السهوب الطليقة أخذت شيئًا فشيئًا تألف المكان الجديد وتستقرّ فيه. لا، لم تنعقد بينها وبين الأرواح الحارسة لبلاد الجبال والتايغا قرابة، بالطبع… لكنّها شرعت تعيش معها عيش الجيران، ما دام الأمر كذلك.

بعد حين التقى أهل السهوب بأناس الغابة نحاسيّي الوجوه. كأنّهم كانوا يتجلّون من كثافة التايغا، من أزيز البعوض الغليظ. وكان يمكنهم أن ينقلبوا حيوانًا ما، أو مخلوقًا غامضًا يبعث الرعب. ثم يختفون بالصمت نفسه. ذُهل أبناء العشيرة، ولا عجب! لكنّهم حين اعتادوا قليلًا سلّموا بالأمر. نعم، ظهروا من مكان ما… لكنّهم كانوا يرتحلون هنا من قبل أيضًا، فقد صادفوا آثارهم. ومع ذلك ظلّ القلق: ماذا لو طالبوا باسترداد دفّهم؟ أو هجموا وطردوهم من أراضيهم؟!

قد يتعب صيّاد في الأحراش، فيعلّق جرابه على غصن، ويجلس ليستريح ويمدّ ساقيه المثقلتين بالتعب. وفجأة، بحفيف ممتدّ يتعاظم، يمرق سهم مريّش ذو سنّ عظمي! بمهارة تقطع الغصن نفسه. ويسقط الجراب على رأسه مباشرة! يهبّ الصيّاد واقفًا، ويتصبّب عرقًا من هول الموت. انتهى الأمر يا فتى، هلكت! السلاح جاهز للدفاع، والسكّين إلى جانبه، في متناول اليد. لن يسلّم حياته هكذا، لقد أخطأوا الرجل! لكنّ الوقت يمضي… جلبة الطيور تتلاعب في كلّ مكان، وبقع الشمس المرحة تجري على الأوراق. ما هذا، أأراد أحدهم أن يلهو ويُظهر مهارته؟ أين؟ وما الذي سيظهر؟ ومن يتسلّل؟ وها هو: خشخشة بين الأغصان، وومض ظلّ رمادي. خرج ذئب من وراء شجرة! متحفّز كلّه، وقد نفش شعر كاهله. وبين أسنانه السهم المريّش نفسه. أالتقطه لصاحبه؟ خَـهْ! ووثب وثبتين حتى الأجمة، واختفى، ولم يعد هناك. لكن بدا أنّه سمع… أتناثر في البعيد، أم خُيّل إليه؟ رنين ضحك يتردّد بنغمات متعاقبة.

كان يحدث شيء من هذا القبيل. أمّا عمومًا، فلم يُبدِ أهل الغابة اهتمامًا. وكان يمكن رؤيتهم، ونادرًا جدًّا، من بعيد، وفي لحظة خاطفة. كأنّهم يستشعرون الحركة، فيغادرون مضاربهم قبلها بوقت طويل. حتى لو كان أحدهم يسير نحوهم، أو لم يفعل سوى التفكير في السير إلى ناحيتهم.

وجوههم ضاربة إلى الحمرة، تضيق نحو الأسفل كوجوه الثعالب، وعيونهم مائلة. كانوا أبناء الغابة. خفاف الخطى، فلا غصن ولا عود يطقطق؛ يتكلّمون لغة واحدة مع أمّة الحيوان، ويزقزقون ويقلّدون الطيور بأصوات شتّى. كانوا يرتحلون بقطعان رنّاتهم في دورة أزلية. ودورانهم ذاك، أي تبديل المراعي وأماكن الصيد والانتقال إلى غيرها، وفق ترتيب بعينه، وبعد عدد بعينه من السنين، كان يجري كأنّ أحدًا أدار نابضًا في داخلهم. وبدا أنّ أهل الغابة هؤلاء، في ترحالهم الذي لا ينتهي، يبليهم المشي، فيصغرون ويصغرون. وكان لولب مسالكهم الدائرية الآخذة في الضيق ينكمش نحو نقطة مجهولة في المركز نفسه. وبقيت لهم هنا وهناك علامات مشطوبة في لحاء الأشجار. وتلك الشطوب، إذا تتبّعت ما شُطب منها أوّلًا، وما جاء بعده، وما جاء بعد ذلك، كانت تنخفض أكثر فأكثر قياسًا إلى العلامة الأولى. كأنّ طفلًا ضغط بكفّه وترك أثرًا وهو يرحل. أو لعلّه يعود إلى الرحم الأولى للأمّ الكبرى، التايغا؟ لكن تتبّع تلك الشطوب، الأفضل ألّا تفعله. فمن يصادفها ويسلك وراءها، سيضيع ويفنى في الأحراش المعتمة.

كان البقاء عسيرًا على أبناء العشيرة. حين يطبق الصقيع الضاري، كانوا يقاسون الشدائد بلا مؤن. وبلغ بهم الأمر ذات مرّة، في مجاعة قاسية، أن نزعوا جلد الرنّة عن الدفّ… غلوه، وأعطوا الأطفال شرائط منه يمضغونها، كي لا يموتوا من الجوع. أشكال الحيوانات، والسمكتان الكبيرتان، والسهم والإنسانان، والطائر فوقهم… إن كانت قد حفرت البطون الضامرة بألمها، فقد انحفرت أيضًا في الذاكرة برائحة البلاء المرّة، رائحة الرنّة والتايغا. لكنّها انحفرت في ذاكرة صبيّ واحد فقط، صبيّ نجا.

تشتّت أهل السهوب وهلك منهم كثيرون. سنوات وباء وجدب. ثم حرائق تشعلها العواصف الرعدية… عندها تختفي الطرائد، وتفرّ من النار إلى أبعد مكان. وارتحل كثير من أبناء العشيرة بحثًا عن أيّ حياة، ما دام فيها ما يسدّ الرمق. أمّا من لم يبقَ له خيار… فكان عليه أن يولد من جديد إنسانًا من أهل التايغا. وصار دمهم عنبَ ثور وتوتًا أزرق وعنبَ أحراج، وجرى أسرع، يسابق الأنهار الفوّارة في المضائق.

لكنّهم ظلّوا يذكرون سهوبهم. كأنّ السهوب بأعشابها العطرة، ورحابة سمائها، والعقاب الذهبي المنزلق فيها، محفوظة في وعاء من لحاء البتولا كأنّه علبة صغيرة. فإذا نثرت الأعشاب وأشعلتها… تصاعدت الحكايات والمأثورات والأساطير القديمة: متعة للأطفال والأحفاد، وسكينة للشيوخ. وعندها كان أهل التايغا يعودون إلى موطن أجدادهم السهبي القديم، عقابًا ذهبيًّا محلّقًا، في الأحلام، كأنّه في اليقظة.

وجاء صيّادو فراء آخرون، من أنساب وقبائل أخرى. نصبوا أكواخًا مغطّاة باللحاء، وصنعوا مخازن مرتفعة، وأقاموا مواضع للتدخين والتجفيف، وحفروا مساكن أرضية للأيّام الأولى، ثم أخذوا يبنون أكواخ الشتاء من الجذوع. وكان بينهم المحظوظ، والعاثر الحظّ، ومن تمرّغ في الشقاء. وكانوا، على ما يبدو، يصلّون للأب جذم الشجرة وللأمّ البتولا. مع أنّهم قد يقطعون رأس رفيقهم على الجذم نفسه، إن اختلّ أمر بينهم. أو يعدّ أحدهم حبلًا على غصن بتولا ويدخل في الأنشوطة. الأفضل أن يخنق المرء نفسه، كي لا يغرق في الكآبة التي اجتاحته… وهي أوسع بلا حدّ من هذه التايغا اللعينة كلّها وهي تطوّقه! تلك عادات بينهم. أحيانًا لم يتذكّروا قرابة ولا حتى أسماءهم، ولم يوقّروا الأب والأمّ، مخالفين وصيّة الله.

كان كثيرون هاربين من الأشغال الشاقّة. لقد تغلغلت فيهم حتى العظام التي نخرتها برودة الفيافي الجليدية. لكنّها كانت لبعضهم لعنة، ولبعضهم بمنزلة الأمّ التي ولدتهم. وبعد أعوام طويلة رنّت بقيود العواصف الثلجية، لم يكن ثمّة أحيانًا مكان يعودون إليه ولا أحد يعودون إليه. واضطرّ آخرون إلى شراء حرّيّتهم بذهب طبيعي بنّي متواضع المنظر. انتقل من كيس صغير مخبّأ بأمان على الصدر، إلى جوار صليب يُحمل على الجسد بهت ولم يفقد قوّته، إلى علبة سرّية لدى مدير شرطة هذه الأراضي النائية المعزولة عن عالم الله.

ومنهم من تأجّج الدم في عروقه من نظرة حسناء ساحرة. أكانت نظرة من التايغا، أم من البحيرات، أم من السهوب؟ اجتذبه الليل الداكن في عينيها… وومضات بعيدة في السحب تنذر بالعاصفة، وحصان كميت وآخر أشقر مائل إلى الحمرة، اندفعا ممدودي الجسد جنبًا إلى جنب فوق الأعشاب. ودويّ الحوافر يتردّد في القلب الذي أخذ يخفق بعنف! ريح الشيح تطير للقائه، وغبار طلع ذهبي مرّ استقرّ على الجلد، حملته الرايات التي أحرقتها الشمس وتركها أغسطس المتقهقر…

التحمت شرايين الدم الممتدّة من أنهار السهول الروسية التي لا نهاية لها، بمجاري مياه كثيرة تندفع فوق الحجارة، وتفور عند المسارع، وتهوي من الجروف شلّالات شابت برذاذ الماء. وهكذا التصق القلب بهذه الزاوية الصغيرة التي صارت شيئًا بلا حدود، لا يتّسع له القلب كلّه.

كان الذهب القليل قد وقع في أيدي شتّى الوافدين المستقرّين هنا بطرق شتّى، وتراكم الرمل المنشود المغسول بالدم والعرق بسبل مختلفة. لكن شاع أنّ الكتل الذهبية الطبيعية ملقاة في كلّ مكان على أنهار هذه الديار وجداولها. من الذي ثرثر بذلك، لعلّه من حمقه أو سكره؟ أم نشر حكايات كاذبة بسوء نيّة ليدفع الناس إلى أثر مضلّل؟.. كان هذا ممكنًا وذاك ممكنًا. لكنّ الأرجح أنّ رجال الأعمال الذين يديرون رؤوس أموال ضخمة كانت لهم يد في الأمر. تتحرّك أموالهم عبر الشركات والجمعيات والأوراق المالية. يستدرجون أموال المساهمين إلى ما يُرتقب منه ربح في المستقبل. حسنًا، أيُرتقب منه ربح أم لا، يصعب التنبّؤ. كانت خطّة هؤلاء أن يبعثروا تلك الأموال على مشاريع شتّى، يُزعم أنّها انطلقت لتدرّ الربح. وأن ينالوا لأنفسهم منها نصيبًا دسمًا.

وهكذا جرى الأمر، على نحو ما: وصلت إلى هنا جماعات المنقّبين الذين طافوا أنحاء سيبيريا بحثًا عن الذهب، ودخلوا التايغا. كانت أعمال الاستكشاف لديهم منظّمة، ويتتبّعون العرق الحامل للذهب من العيّنات. وظهر آخرون أيضًا، باحثون عن الذهب كيفما اتّفق، دفعت بعضهم الحاجة وبعضهم ظروف الحياة. لكنّهم تجمّعوا في زمر ومضوا هم أيضًا يجرّبون حظّهم. ثم أخذ يتوافد أناس تركوا أماكنهم فجأة، لا يفقهون في الاستخراج إلا القليل جدًّا. وكان يراقب هؤلاء وأولئك، يراقب الجميع، من يبيّتون الإجرام في نواياهم المظلمة. اغسلوا الذهب واستخرجوه، كما يقولون. وحين تحملونه عائدين، سنكون في انتظاركم!

وهكذا جاء إلى ضفاف تاشور المجدّون والهائمون، أناس على كلّ حال. جاءوا إلى الضفاف، ومنها، من مواضع المخاضات عبر النهر، صعدوا في دروب الخيل المطروقة إلى ما وراء الممرّات الجبلية. خلف السلسلة انبسطت أكفّ الوديان، تتلوّى فيها خطوط حياة الأنهار. تتلوّى على نحو لا يُتوقّع، فقد يكون أحدهم وجد غنيمته على الضفاف البعيدة، أمّا آخرون فصارت لهم تلك الضفاف بعيدة كلّ البعد، لا عودة منها، فبقوا هناك. ثم عثر الناس على مساكنهم المحفورة… جحر نصف منهار في السفح، وأخشاب هابطة متراكمة، وعشب النار يلفّ المكان كلّه بزهره الوردي، كأنّه يذرف الدموع على المثوى الأخير لمتشرّد مجهول. وحفر التنقيب أيضًا، فجوات غائرة غطّاها النبات. منقار معول صدئ في القاع، وبقايا عربة يد ملتوية، وأحيانًا عظام بشرية نهشتها الوحوش وبعثرتها. وفي بعض المواضع جماجم ملقاة. واحدة تختبئ في حفرة، وأخرى تدحرجت بين جذور شجرة مقتلعة، وثالثة تطلّ من تحت سرخس مزخرف. في بعضها ثقب رصاصة وسط الجبهة، وبعضها نسف الرشّ نصفه: أُطلقت النار من مسافة ملاصقة، على ما يبدو. أو شقّ في قمّة الرأس من فأس أو معول أو مجرفة. وأحيانًا جمجمة وحدها فوق جذم شجرة، كأنّها تُركت عبرة لأحد. قُطع الرأس، والهيكل مبعثر في مكان قريب. وقد يكون حبل بأنشوطة على غصن، وتحته هيكل عظمي انفلت فسقط. لعلّ صاحبه شنق نفسه من كآبة لا حدّ لها. أو لعلّ شركاءه أعانوه، إذ لم يرق لهم المسكين في أمر ما.

إلى أين كان يقودهم هذا الطريق، وهل كُتب لهم هذا المصير، فنفّذوا مشيئة مُنحت لهم برحمة الله؟ لكنّهم لم يهجروا كلّ شيء لمجرّد أن يعيشوا في يسر، أليس كذلك؟.. بعضهم دعاه إلى الارتحال الخطر أيضًا ذلك الشعور الذي يشبه الطيران، والتحرّر من صراع الحياة الأرضية. حين تعرف في اليقظة ما بدا أنّك عرفته من قبل: رأيته في الأحلام، وكُتب في الدم، وفي إيقاع القلب. أنّ وراء القمم الزرقاء قممًا زرقاء أخرى، وأنّ الأفق ابتعد أكثر. ومحيط التايغا يتنفّس تحتك، وينهض أمواجًا. ركام حجري بنّي، وكتل داكنة من الشجر الزاحف. تعاريج سوداء للشعاب، طُرّز بها رداء التايغا. كلّ هذه القوّة، كلّ هذا الفضاء الذي لا حدّ له! تشعل أشعّة الشمس الآفلة الوداعية جذوع الصنوبر العسلية بالأرجوان والذهب، وتصعد كسناجب صهباء مشعّة نحو التيجان الشعثاء التي تطنّ تحت الريح. ويغشاك حزن موجع، وكآبة لا تزول… لأنّ كلّ هذا لحظة قصيرة ستلتهمها ظلمة الليل المقبل التي تبتلع كلّ شيء. ولعلّك لا تنجو منها، ولا تستطيع السباحة إلى برّ الأمان.

من رأى في لحظته الأخيرة هذه الصورة بالذات؟ لا اللمعة الصفراء المشؤومة في عيني سجين جانٍ ضخم يحدّق بهما مضيّقتين، ترصّده بفأس ثم خرج فجأة من وراء شجرة، ولا الشرارات المجنونة التي راحت تتراقص في عيني رفيقه، حين سدّد إليه فجأة، من مسافة ملاصقة، سواد فوّهة بندقية لا قرار له؟

لكن كيفما كان الأمر، كانت الأرض الوعرة التي ظلّت مهملة قرونًا تُطهّر باقتلاع أشجارها من ضفة تاشور إلى أعماق التايغا. وتسقط تحت الفؤوس والمناشير أشجار الصنوبر ذات الجذوع النحاسية الصالحة للصواري. وصفًّا فوق صفّ رُصّت تلك «الصواري» في أسس بيوت متينة من الجذوع. وها هي البيوت تطفو في الضباب، وفي الغشاوة الصقيعية الشهباء. وتجعد الدخان من المداخن، وتوهّجت النوافذ بضوء خافت، وصرخ مزلق الزلّاجة، وصرّ محور العربة.

في البداية، لا بدّ أنّ أوّل من تعب من حياة التشرّد وفكّر في بناء بيت راسخ قال لنفسه: «ها هي التايغا من كلّ جهة. لو صار شي، أهرب. أختبئ في الشعاب والمنخفضات. عندي بندقيّة وذخيرة. ننسج شباك، وننصب فخاخ. بسيطة، ما نضيع».

صار أيسر على صيّادي الوحوش والفراء أن يصعدوا وراء الممرّات الجبلية، ويمضوا أبعد في أثر الطرائد. ومشّط المنقّبون عن الذهب الأنهار والجداول من أعلاها إلى أسفلها. لكنّ عرق الذهب، عرق الحظّ، شأن السمكة المنشودة التي تحقّق الأمنيات، لم يفعل سوى أن لمع بألوان ساحرة متغيّرة. ثم اختفى عن الناس كأنّه لم يكن.

ومع ذلك… يحدث، حين يتسلّل الخريف، وتحمرّ أوراق توت العلّيق، وتتساقط من الصفصاف أوراق ضيّقة تدور، وحين تبدأ أشجار البتولا البيضاء، وهي تغفو، بإسقاط نقود أوراقها الصفراء ذات الخمسة كوبيكات على الأرض… عندها، في ساعات الصباح، تطير قوافل الإوزّ جنوبًا بصيحات وداع قلقة. وفي مكان بعيد فوق السلسلة الجبلية ترتفع عاليًا، فتفقد تشكيلها الإسفيني برهة. لكنّها تواصل الطيران في نصف دائرة متموّج، وتتحوّل شيئًا فشيئًا إلى نسيج عنكبوت شبحيّ تكاد العين لا تميّزه. وينظر أحد أهل نامخاي إلى السماء، فيوجعه قلبه ولا يدري لِمَ. ويستدرجه شيء… أإلى الفرار يا ترى؟ ها هي التايغا خلف حديقة الخضراوات! نداء أبدي إلى مكان مجهول، ولأيّ شيء؟ لا اسم لذلك أصلًا. لكنّ ذلك النسيج الأشيب يستقرّ على الشعر، عند بعضهم دون أن يُلحظ بعد، وبعضهم ينضمّ إلى كثرة أمثاله.

2

منذ وعى تسوكتو نفسه، كان كلّ ما حوله تايغا. تايغا الفراء الكثيف لكلبة كبيرة اندسّ في جنبها الدافئ، وراح يدفع بكلّ قوّته، مرتكزًا على أربع، كي يزيحها. لكنّه يغفو… ثم يستيقظ أيضًا ملاصقًا لجبل أسود أشعث، تشارا الغافية. وها هي مكسوّة بالصقيع، عالقة بها جليدات متجمّدة، ترقص أمامه. تندفع بقوائمها كلّها، وتطرحه أرضًا، ولا تعرف كيف تعبّر عن فرحها. تدحرج تسوكتوشكا إلى الفناء ملفوفًا بأثوابه، أخرق الحركة. ضباب وردي في صباح صقيعي باكر. يجرّ لكلبته الحبيبة سطلًا من الحساء الدافئ. أو جبل أسود من حصان يتنهّد كأنّه سيسحب الهواء كلّه إلى جوفه في هذه اللحظة! وينحني الجبل إلى كفّه التي تحمل طرف رغيف من خبز الجاودار.

تايغا الغسيل المتجمّد كالصفيح، الذي جلبته الأمّ من البرد وألقته قرب الموقد ليذوب عنه الجليد. تايغا ماسورتَي البندقيّة الباردتين المكسوّتين بالصقيع، وهي تدفأ في دهليز البيت وتطلق رائحة بارود حامضة قليلًا. تايغا الحفر الصغيرة الغائرة في الثلج، وحلقات آثار مخلوقات مجهولة جاءت ليلًا. فيها رسالة ما، لم تُقرأ، ولم تُعرف، لكن… فيها فرح دفين بأنّك بعد لحظة، بعد لحظة فقط، ستعرف ما حملته علامات خاطفة واسعة الخطوط إلى بياض الحلم الساطع المبهِر.

أختاه كالتايغا. صريخهما الرنّان، ورذاذ معلّق لحظة بلمعان متساقط. صبّ عليهما تسوكتو ماءً مثلجًا من المغرفة عند البئر. وهما تطاردانه، وتوشكان أن تدركاه لتجلداه بالقضبان. لكنّه يعرف لسبب ما أنّهما لن تدركاه أبدًا، وأنّ هذا كلّه سيدوم ويدوم… صيفًا طويلًا حارًّا بأكمله. تجلد سيقان النبات ساقيه، وتوخزه الرمال، وتحرق الريح الحارّة جسده.

أناس تايغا صاخبون، حارّون، متعدّدو الألوان جميعًا. كانوا أناسًا أعيادًا. على مفرش ناصع كالثلج تتورّد عجلات الفطائر، ولحم مسلوق فوّاح، وشرائح نيّئة مجمّدة، وجبال من عنب الثور. يطلق الناس صيحات غليظة وهم يرقصون، وتصيح النساء صيحات حادّة. وترتطم أغنية لهم بالأركان رنّانة، وترتدّ عن لمعان الأواني وعن جانبي الساموفار المصقولين وهو ينفث بخاره.

أو أخوه الأكبر بولات، الضخم أيضًا. يشقّان طريقهما معًا بين أجمة الصفصاف، في غابة القصب المتموّجة، وتغوص أقدامهما إلى الركبتين في عجين الطمي الدافئ اللزج، وتعلق قصبات الصيد التي قطعاها بالأغصان التي تشطب لمعان النهر القريب جدًّا، حيث يُسمع خفق مياهه وهدير تيّاره المنتظم.

وها هو يسير مع أخيه في الدرب، والدرب ينزلق ويتلوّى بين الأعشاب. يهبط عبر شِعب، وحيث يصعد السفح يلتفّ حول جلاميد عند الجدول نفسه، تدحرجت وسدّت مجراه. يقودهما الجدّ جامبال إلى عنق المضيق، إلى عبق منقوع الأعشاب والأوراق، اللاذع المسكر. ويزداد السفح المقابل انحدارًا، ويدنو أكثر، وتضيق فسحة السماء، وتتلاقى قمم الصنوبر. في هذا المضيق شلّال، وتحته ينابيع حارّة. تغطّي الشجيرات المتشبّثة الدرب، وتطويه تحتها، وتُضيع معالمه بين الأحراش. وفي الأسفل يقفز الجدول بوثبات مرنة، ويرشق الحجارة بمائه، ويرنّ بأصوات شتّى؛ ويشتدّ دويّ التيّار إذ يردّده الصدى.

كلما نزلوا، ازداد التنفّس صعوبة، وغشّاهم العرق من الرأس إلى القدمين. كانوا يقافزون فوق الحجارة ويتسلّقون الجذوع الساقطة. كثير منها مكسور، وبعضها مبتور عند موضع التشظّي، متفحّم بضربات البرق. وقد راكمت العواصف التي مرّت سدودًا من الأشجار المتساقطة. أنياب صخرية بعروق وردية وبنفسجية. وعلى الجباه الشديدة الانحدار للحجارة التي تسدّ الطريق، تلبّد الطحلب كثيفًا. طنين حشرات، وحفيف وزفرات، ورعشة أوراق من نسمة مرّت ثم سكنت. وثرثرة الجدول التي لا تنقطع وتسحر السمع، وتموّجات فضّية عند الجنادل، ونوافذ مائية — تجاويف وأحواض تحيط بها أضلاع الغرانيت. جمعت في انعكاساتها عالم المضيق كلّه…

كان الدويّ المتزايد ينبئ بأن الشلّال قريب. تنبسط الجداول الصغيرة ذات اللمعات البرّاقة كأشرطة سوداء وفضّية، وتُسرع جريانها. بلغوا فتحة المجرى: كان التيّار يهوي من حافّة صخرية ويتكسّر على مصاطب الصخور. وفي الأسفل، تحت دفعات الماء، كان حوض النحر يغلي، مشكّلًا بحيرة صغيرة. ويمكن تخيّل البحيرة عينَ تنّين ملتفّ في حلقات من الركام الحجري والصخور المكشوفة. يحرس التنّين أعماق المضيق، ويلتهم ذاكرة من يطلّ في عينه التي ينكسر فوقها ستار قزحي من الرذاذ.

نزلوا في مكان يكاد يستحيل اجتيازه، يتشبّثون بالجذور البارزة وبجذوع البتولا والحور الرجراج الصغيرة الرفيعة. وفي الأسفل، بين الأحراش، بضعة أحواض حجرية؛ تراصّت حولها الجلاميد، وغطّت أسافلها قشرة رمادية. كان الماء في أحد الأحواض دافئًا، وفي الآخر أسخن قليلًا، وفي التالي ساخنًا بالكاد يُحتمل. وفي فسحة صغيرة، كان واضحًا أن أناسًا نزلوا هنا من قبل، فقد كانت تتميّز عمّا حولها. كأن العشب في بعض المواضع مدعوس، وقد قُطعت شجيرات وأغصان من أشجار كبيرة، وفي الوسط ما زالت تظهر دائرة مسودّة خلّفتها نار. وحيث ينبجس الماء، صُفّت أعواد خشبية قصيرة، مكسوّة بالطحلب، يكاد الطمي الفاتر يغمرها. أشعلوا في قصعة خلطة الجدّ لطرد البعوض: فقد حضر من فوره وبدأ يضايقهم. اختار الجدّ موضعًا مريحًا يحلو فيه الجلوس. نقع قدميه في الماء الساخن، ولا يصدر عنه إلا همهمات التأوّه.

— وكيف جئت إلى الينبوع أوّل مرّة؟ أكنت تعرف أنه هنا؟ أم كان أناس آخرون يأتون إلى هنا… وهم أخبروك، أليس كذلك؟ — سأل بولات.

— حسنًا، كيف جئت… — يتمهّل الجدّ في الجواب. لا بدّ من الانتظار حتى يدكّ التبغ في غليونه، ويبدأ بمصّه قبل أن يشعله، مستشعرًا فيه طعمًا يعرفه وحده. — جئنا هكذا، شيئًا فشيئًا، أنا والجدّ يومجان آنذاك، أذكر ذلك. كنت مثلكما. أكبر قليلًا، ربّما. كنّا نصيد هنا أيضًا، في هذه النواحي. وكان كثيرون يأتون آنذاك. الجدّ دوشي، والجدّ لودوب أيضًا. هذا تؤلمه ساقاه، وذاك أصابه البرد في أسفل ظهره، والمصيبة واحدة عند الجميع. كان ذلك قديمًا، وكنّا نكثر المجيء وقتها. تجلس في الماء الساخن، فيزول الألم.

— والذي جاء إلى هنا أوّل واحد، هل… عثر على هذه الينابيع مصادفة؟ ثم أخبر الآخرين؟

— ربّما هكذا… من كان الأوّل ومن لم يكن، كيف نعرف؟ فقد كان هنا أناس منذ البداية. أناس الغابة. أناس لا تكاد تلحظهم.

«حسنًا، — يتخيّل تسوكتو، — لا بدّ أنهم أولئك الذين يخطون بخفّة، ويظهرون ويختفون في الأجمة بلا صوت. وكانوا يتكلّمون لغة الوحوش. وجوههم كوجوه الثعالب. وحين يخرجون للصيد، كانت تحلّق فوقهم حدأة أيضًا — ترى كلّ شيء. أين خرج الأيل الأحمر إلى السفح، وأين التفّ قطيع الذئاب حول اليحمور السارح في المرعى. وكيف يعبرون الممرّات، ويشقّون دربًا، ويصعدون إلى الأيائل، فأناس الغابة كانوا يرتحلون معها في دائرة أزلية. وفي الدائرة الكبيرة دوائر أصغر فأصغر. وكانت في البداية أوسع من أن تحيط بها حتى عين الحدأة، ثم تضيق إلى دروب دائرية تتلاقى في نقطة واحدة. وهكذا انسحب قوم الغابة مع أيائلهم إلى دوّامة، إلى جحر في الأرض، تحت جذور أرزة عمرها مئة عام. كان أبوهم — ملك الغابة — ينتظرهم هناك».

— لكن موتاهم معلّقون على الأشجار! — يبدي تسوكتو ملاحظته. — كانوا يدفنون موتاهم فوق الأشجار!

— آه يا فتى، يا للمصيبة!.. متى كان ذلك، لم يعد أحد يذكر! نعم، كانوا يدفنونهم. لكن في أماكن كهذه، مهلكة، على العموم… أماكن سيّئة هناك، سيّئة جدًّا. الأفضل ألّا تقترب منها أصلًا. يخاف الحصان هناك، لا يمشي، يتسمّر هكذا، ويجذب زمامه بعنف. والكلاب تجثم وتعوي وتتلاصق. أماكن خبيثة. ولذلك فإن منصّات أناس الغابة هؤلاء علامة منهم، هذا معناها. أن السير في تلك الجهة ممنوع، فقد تقع مصيبة. وأناس الغابة أولئك لم يكونوا يخرجون إلى الناس مباشرة. لا حاجة بهم إلى ذلك. لكنهم تركوا إشارات كثيرة مختلفة.

أمّا بولات فيريد أن يدير السؤال وجهة أخرى:

— فموتاهم قد ينزلون فجأة من فوق! من حيث هم معلّقون على الصنوبرة. ويأخذون يطاردون الناس. لهذا تكون الأماكن خبيثة.

— إييه، حسنًا، هذا… لا، ليس هكذا، لا، — يثير هذا المنحى أيضًا اهتمام الجدّ جامبال، فثمّة ما يستحقّ التفكير فيه. — كانوا يفعلون كلّ شيء وفق طقوسهم. وأمّا لماذا الأماكن خبيثة… فهي خبيثة. هكذا في ذاتها.

— لكن مع ذلك، — لا يكفّ بولات عن الإلحاح، — فهناك موتى آخرون يركضون، إذن. الذين لم يُدفنوا. ضاعوا في التايغا، أو تُركوا، أو شيء من هذا القبيل.

— وكيف يركضون؟ — يتعجّب الجدّ.

— يتعلّقون بالناس ويعبثون بهم بشتى الطرق، ويؤذونهم. فالصينيون، مثلًا، الذين قتلوهم ثم أحرقوهم، يخرجون ليلًا إلى النار، كما يقولون… لا تستطيع تمييزهم من الأحياء!

— ما إن تختلق حكاية حتى لا تستطيع الالتفاف حولها ولو على فرس عرجاء!.. أيّ صينيين تعني؟ أولئك الذين كانوا يحملون الكحول؟

— نعم، كانوا يبتلعون الذهب، ثم يقتلونهم ويحرقونهم حتى الرماد، ليستخرجوا رمل الذهب.

— حسنًا، الصينيون… كثيرون كانوا يعيثون هنا، ومن يدري من أيّ أصل وفصل هم. لكن هنا… أدرك الموت غيرهم أيضًا، وبقوا متروكين. كانوا يتبادلون الرصاص حتى الموت، تارة البيض وتارة الحمر وتارة المجرمون، لا تفهم من أيّ صنف. هناك أماكن يخيفك دخولها. ولعلّ أحدًا يهيم فيها بلا مستقرّ…

— ووجود الينبوع هنا، هل هم أيضًا… أعني أناس الغابة، دلّوا عليه؟ — فما زال تسوكتو أشدّ اهتمامًا بمعرفة شيء عن أناس الغابة الأقدمين.

— همم… — لا يتعجّل الجدّ جامبال الجواب، ينبغي أن يفكّر جيّدًا، ويستعيد شيئًا من ماضيه. يلفّ ساقيه ليجلس قليلًا، ويدع الدفء «يعجن عظامه». لكن حان وقت جمع شيء من الحطب، وإيقاد النار، وغلي الشاي. ثم إعداد شيء يؤكل، وتهيئة المبيت، فسيحلّ الظلام قريبًا. يصدر أوامره للصبيّين: هيّا، أسرعا في الاستعداد! لكنه لم ينسَ السؤال، بل تركه إلى ما بعد:

— أجل، — ها قد حضر الجواب، — هنا، في مكان ما، كان عند الجدّ يومجان… نعم، أظنّه كان عنده… لم أعد أذكر الآن كيف كان الأمر في الحقيقة. روح غابة مخبّأ عنده في مكان ما، كأنه يعيش هنا. حسنًا، يعيش، بمعنى… يحرس كلّ شيء، هذا معناه. خوندروغور، هكذا يسمّونه.

— أهناك روح غابة هنا؟.. وهو حتى كأنه حيّ، أليس كذلك؟ هل يمكن أن نراه؟ — يشعر تسوكتو وبولات معًا بأن سرًّا حقيقيًّا قريب جدًّا، مختبئًا في مكان ما خلف الأشجار.

— لا، حسنًا… كيف يكون حيًّا؟ لا يصحّ أن تقول ذلك تمامًا. منحوت من قطعة خشب، وثُبّتت فيه عيدان، يشبه إنسانًا صغيرًا. لعلّ يومجان كان يتركه هناك، في تجويف شجرة ما. لا أدري، لن أجده الآن، على كلّ حال. ومن أين جاء، حسنًا… كأنه كان هنا دائمًا، ولعلّ الأناس السابقين هم الذين تركوه. كان الجدّ يقرأ عليه الرقى، على الخوندروغور، فإذا آلمه شيء حكى له عنه كلّه، هناك رقية من رقى الغابة لهذا. ثم ينتقل كلّ شيء إلى الخوندروغور. وكان يقدّم له العطايا: يعطيه قليلًا من التبغ أو أرزًّا أو غير ذلك. هكذا كانا كأنهما صديقان.

نعم، بالطبع… بالطبع كانا صديقين! وجامبال في الحقيقة صديقه هو أيضًا، ويعرف جيّدًا أين يسكن الخوندروغور، فهو نفسه من هناك، من تشابك الأغصان الكثيف، من ظلمة المساء، وما إن تتكاثف حتى يخرج إليه.

كلما خرج تسوكتو مع الجدّ، وحده أو مع أخيه، كان الأمر يجري دائمًا هكذا: بالكاد يصمد حتى الغسق، فإذا بالتعب يجثم عليه ويطرحه في النوم وهو يمشي. لا يستطيع مقاومته، فيجرفه في الحال. لكن إذا فتح عينًا قليلًا من خلال النوم، أمكنه أن يرى أن الجدّ جامبال لا يجلس وحده عند النار، بل ثمّة أحد إلى جانبه… هائل، كلّه من لفائف الدخان، ومن شرر النار ولمعاتها، ومن الظلال التي تدور في حلقات وترقص، تبتعد حينًا وتتكتّل متراصّة حينًا. إنه ذاك الذي من الغابة. إنه هو، خرج وجلس إلى النار ليتدفّأ أيضًا، ويتحدّث في شيء مع الجدّ، وينفث الدخان من غليون صغير. كائن عظيم جدًّا، ملتفّ متصاعد، منسوج من جذوع غليظة داكنة، تشدّه عروق الأنهار والجداول، وتنتفخ عضلاته كمنحدرات الجبال الوعرة. يُسمع حديثهما: تتطقطق الجمرات، ويهسّ الدخان وهو يلتفّ حول الأغصان، وتحفّ قمم الأشجار الكبيرة مشاركة في الحديث، وفي مكان قريب يتمتم نهر صغير ويلعب عند الجنادل.

وهكذا تغذّي تلك القوّة — قوّة كائن الغابة الهائل — الجدّ، فيحملها معه، أو… بل قد يكون لهذا الخوندروغور الذي هنا أخ أصغر. قريب ما، على العموم. فقد أخذه جامبال معه ذات يوم — هكذا أرشده شيخ كان قد أنقذه — وساعده الخوندروغور الأصغر حين انقضّت عليه ثلاثة… لا، بل يقولون خمسة كلاب شرسة من كلاب صيد الذئاب! كسر الجدّ رقابها واحدًا تلو الآخر، هكذا تمامًا، بيديه العاريتين. مزّق العروق المكوّنة للدم في أعناقها، وشرب الدم. ومع كلّ مرّة كان يزداد هو نفسه شراسة وشراسة. كان الجدّ جامبال يروي ذلك كأنه لم يفعله بنفسه، بل كأن أحدًا خرج من وراء ظهره ومزّق تلك الكلاب. لكن الغضب كان عارمًا إلى حدّ أنه لا يذكر كيف جرى كلّ شيء، فكأنه أُصيب بالعمى.

حدث ذلك منذ زمن بعيد، بالطبع، وكان يومها فتى جريئًا. وقد ساق… أي اختطف تويانا من تحت أنف الغني غومبو! كانا قد شرعا في إقامة عرسها على ذلك الغني، فقد كانوا يزوّجونها إياه رغمًا عنها. توافد الأقارب، وامتلأ الفناء، وكلّ ما يكون قبل العرس. وإذا بجامبال يقفز على جواده الكميت فوق السياج، ويقتحم المكان، ويختطف الفتاة، وينطلقان في السهب أسرع من الريح! بلغا مطلع الجبل عدوًا، وكان عليهما أن يهربا صعودًا في مجرى الجدول، فوق الحجارة. وفي مكان بعيد متّفق عليه، كان صديق جامبال ينتظر منذ وقت مبكّر. صرفوا الجواد الكميت بعيدًا، وأخذوا يصعدون سيرًا.

اندفع وراءهما الأشدّاء العاملون في خدمة الغني. المطاردون على وشك اللحاق بهما! لكن لا يسهل التقدّم هناك، ولا يمكن العدو على الخيل. فأطلقوا كلابًا هائلة على أثرهما. توقّف جامبال وحده… وكسر عنق كلب صيد ذئاب منغولي لحق بهما! كلب بهذا الحجم، بحجم عجل، شرس. ثم آخر، ثم آخر. وهكذا فعل بها كلّها.

أولئك الأشدّاء المطاردون كادوا يموتون رعبًا! ظنّوا أن شيطان الليل نفسه — خاري — قد تلبّس الفتى! لااا، يا فتى. حكّوا قرعات رؤوسهم وفكّروا: إنه خاري، لا شكّ! علينا الفرار إلى ديارنا. وثبوا مذعورين على خيولهم، وأطلقوا صيحات حادّة وصاحوا لحثّها، وداروا كزوبعة ثلج سوداء تزحف على الأرض، ثم انطلقوا بأقصى سرعتهم بعيدًا عن المكان المهلك.

هرب جامبال والجدّة تويانا يومها. تويانا التي كانت حسناء شابّة آنذاك، بالطبع. ومنذ ذلك الحين يعيشان في سعادة وهناء.

كم من سفوح شديدة الانحدار جابها مع الجدّ جامبال، وكم من غابات محترقة تناثرت فيها الأشجار الساقطة، ومنبسطات حجرية… جرّب أن تتعقّب هذا الفطر! تشويدوب — فطر الأشجار — ينمو على البتولا. يشبه فطر التشاغا، لكن يمكن تمييزه بالزوائد المنتفخة في أعلاه، وقبعته أفتح لونًا، رملية تقريبًا. وتنمو البتولا في التايغا أكثر ما تنمو في البقاع، بمحاذاة الأنهار، وقرب المستنقعات الصغيرة، وعلى أعراف السلاسل الجبلية، وفي السفوح المكشوفة المشمسة.

كانوا يخرجون دائمًا جماعة، مع أحد الإخوة وأبناء الإخوة والأخوات. يجمعون الثوم البرّي والسرخس، ثم ينضج التوت وتمتلئ الأكواز. وخرجوا للصيد مع الجدّ ستيبان والجدّ ماكار والعمّ دورجو، فلهؤلاء حسّ بتعقّب الحيوان وخبرة، ومعهم لن تهلك. أمّا الجدّ تيموفييف والعمّ غالسان والعمّ داشينيما، فهم صيّادو سمك مولعون، لا يعتدّون إلا بصيد السمك.

بحلول المساء يرتّبون مخيّمهم الصغير جيّدًا، ويكون كلّ شيء مهيّأ لليل. أو يحتشدون في كوخ الشتاء، وفيه مكان يتّسع للجميع. يُنهك تسوكتو مع أخيه أو مع أحد الصبيان، فلا يريدون إلا بلوغ المصطبة ليناموا! أمّا الرجال فدعهم يجلسون عند النار، عند الموقِد الصغير الهادر. يفتحون الأحاديث على الشاي، وبالكاد يلاحقون إعداد إبريق وراء إبريق. تتدحرج الأصوات مثل ثرثرة نهر التايغا التي لا تهدأ، وهو كثيرًا ما يجاورهم ويفور قريبًا عند الجنادل. ما إن تُروى واقعة صيد حدثت لأحدهم حتى تجرّ وراءها أخرى. ثم تنتظم حكايات صيد السمك في خيط السرد المتمهّل. وكأنها تتلألأ وتلعب في الشمس، وتفوح منها رائحة النهر وأعماق الماء والطمي، كأسماك اصطيدت للتوّ.

كثير من الأمور حدث لهم في صيد البرّ وصيد السمك. تكون التايغا رحيمة أحيانًا، وأحيانًا أسوأ من زوجة أب شرّيرة. تطلق على هذا دبًّا أسمر حانقًا يهيم خارج سباته، وتقرص ذاك بالصقيع، وتسحب آخر تحت الجليد، وتُضلّ غيره، فتنهكه أسابيع ولا تفلته من أحضانها المتشبّثة.

ولذلك لم يعرف تسوكتو أباه سايان معرفة كبيرة. انقضّ عليه وعلى رفيقه انهيار ثلجي في الجبال. «سحقهما الثلج»، كما كانوا يقولون.

كان سايان يكدّ حتى الإنهاك، في صيد السمك في البحيرات، وفي جمع التوت والأكواز، حاملًا أكياس ظهر ثقيلة تزن البودات. كان يصيد السمّور والسناجب، ويخرج مع رفاقه إلى العملاق الأسمر. لكن كلّ شيء تغيّر بعد ذلك، وصارت الأنظمة مختلفة تمامًا. أخذوا يفرضون على الصيّادين خطّة: سلّم هذا القدر من هذا الصنف في هذا الموعد. مكتب التوريد والصيد هو الذي يفرضها. ومضى الصيّادون والخطّة تقيّد أيديهم وأرجلهم. الحياة في التايغا رقع متناوبة: هنا قحط وهناك وفرة. يصعب التنبّؤ بها وحشرها في خطّة ما. لكن الأفضل ألّا تعارض أولئك الوافدين الذين استبدّوا بالأمر، بأحذيتهم من الجلد المدبوغ بالكروم وسراويل الركوب، ومسدّس ناغان على الخاصرة. ففي لمح البصر سيزجّون بك إلى مكان لم يسق إليه حتى ماكارهم ذاك عجوله.

حين يعود الأب من التايغا، كان يأتي حتمًا بهدايا لبولاتكا وتسوكتوشكا كليهما. لكلّ واحد نصيب: هديّة «من الأرنب» مرّة، و«من الثعلب» مرّة، و«من السنجاب» مرّة. فالأرنب، مثلًا، كان يهديهما دائمًا قطعة مسطّحة من شحم الخنزير، تغطّيها فتات الخبز، وقد انضغطت عليها شريحة خبز وانبسطت. والثعلب يرسل قطعة خبز يابس متفتّتة الأطراف وحسب. أمّا السنجاب، فكان يأتي منه أحيانًا كوز راتنجي، وأحيانًا قطعتا سكّر.

كان رفاقه من أهل التايغا يحبّون الخروج معه لطلب الرزق. سيعودون دائمًا بصيد: سايان، كما يقولون، يجذب الحظّ إليه! كانت لديه مقدرة على فكّ أيّ أثر لحيوان، وعلى اختيار الشِّعب الذي لن يضلّوا فيه من بين شعاب كثيرة متشابهة. كان يعثر بحدسه على معابر الأنهار، حيث سيجتازونها خوضًا بلا شكّ. ويعرف أين يترصّد الحيوان، ويقيم مكمنًا يضمن الصيد. وداوى أمراض كثيرين، فكأنما يسحبها بيديه، لا يفعل إلا تمرير كفّيه فوق الموضع المريض. كان يعرف الأعشاب الشافية والعقاقير، وأيّها ينفع لأيّ داء.

ذات مرّة خرجوا، بضعة صيّادين، إلى بقاع بعيدة وراء السلسلة الجبلية طلبًا للصيد. وبقوا يصيدون حتى الربيع. ثم مضى الأب وصديقه لتفقّد مناطق الصيد البعيدة. وفي الجبال، في مكان ما أثناء نزولهما على الزلّاجات، قطعا أسفل طبقة من الثلج غدت غير متماسكة مع الربيع. فدوّى انهيار الثلج إذ انفصل. طمرهما في الحال، ولا نجاة منه. وفي الأسفل، تحت ذلك الجبل المهلك، بحيرة متجمّدة. جثّتاهما، وقد جرّهما الثلج الثقيل إلى أسفله — فقد انهار هناك نصف الجبل — اندفعتا إلى سطح الجليد. فزع الرجال حين غابا يومًا أو يومين. أين اختفيا؟ انطلقوا يبحثون. أثر الزلّاجات ينقطع. رأوا ذلك اللسان الميّت وقد امتدّ إلى البحيرة. ظهرت زلّاجة مقذوفة، أو كيس، فشرعوا يحفرون. وكانوا يقولون إن الأب لم تفصله عن الجليد المكشوف إلا ساجين واحد، مقدار ما بين كفّي رجل بالغ إذا مدّ ذراعيه. يبدو أنه ظلّ يزحف، محاولًا النجاة، وهكذا تجمّد وذراعه ممدودة إلى الأمام، ويده مقبوضة. وفي قبضته، حين فتحوها، كوز راتنجي. كأنه تحيّة أخيرة من السنجاب.

لم يكن بعيدًا ذلك الزمن الذي كانت فيه عصابات اللصوص تجوب أودية التايغا النائية. مرّة المئة المتوحّشة، ومرّة المفرزة السوداء. ومقاتلون من الأنصار البيض، وآخرون من الحمر، وأناس لا تدري من هم، ولا تستطيع تمييزهم. كانوا ينهبون جميعًا على السواء. وإذا اصطدمت جماعة بأخرى، أو تعقّبتها عمدًا وترصّدتها في كمين، قتل بعضهم بعضًا. كانوا يخرّبون أكواخ الشتاء، ويحرقون المخيّمات والعزب. وإذا بلغوا المخابئ، نهبوا مؤن الصيّادين.

وقعت حوادث شتّى في وادي بولدين، وعند جدول ماكار، وبحيرة سولتيم. وحدث شيء أيضًا عند صخرة غونزون، وفي عزبة ستيبانتشيك، وكوخ شتاء غارما. وهناك ممرّ شوغدو، وينابيع تشولتيم أيضًا. في زمن ما، أولئك الناس — بولدين وماكار وسولتيم وغونزون — هم الذين شيّدوا أكواخ الشتاء من الجذوع، ونصبوا العرائش، وأقاموا الحظائر الصغيرة، وهيّأوا مواضع الملح للحيوانات، وخبّؤوا مكامن سرّية للصيد. بقيت منهم بقع المواقد السوداء، وقد كاد النبات يغمرها الآن، وبقيت حزوز صنعوها في الجذوع، تقود من يتبعها ولا تدع الدرب يضيع. وأشجار صغيرة قطعوها حيث مُدّ معبر فوق الجدول، وقطع حطب نشروها، وينبوع يفور في حوض حجري نظّفوه وأحاطوه بدعائم. لعلّ رجع طلقاتهم ورنين ضربات فؤوسهم ما زالا يتردّدان صدى بعيدًا تائهًا؟

الأسماء التي استقرّت في هذه الأماكن من أسمائهم لا يعرفها إلا من يطلبون رزقهم فيها. كيف لا يردّدونها ويجدّدونها في الذاكرة؟ وإلا فستُمحى كلّيًّا، وتضيع، ويغمرها النبات، وتختفي. والناس الآخرون… من أين سيعرفون إلى أين يمضون، وأين تلك الأودية والجداول والبقاع والبحيرات؟

أحيانًا لا يُفهم عمّن يدور الحديث. فغارما وبولدين وسودنوم وشوغدو وسولتيم وسوندا وغونزون لهم إخوة وأبناء إخوة وأخوات. وعمّات وخالات وأعمام وأخوال. ولهم أولاد. وللأولاد الذين كبروا وصاروا بالغين أولادهم. فتسوكتو، مثلًا، كان يعرف جيّدًا أناسًا حقيقيين من آل غارما وبولدين وسودنوم وسولتيم، لا أشخاصًا ما عاشوا قبل مئة سنة. وكم بين هؤلاء من أصدقائه الصبيان؟

ثم إن الأشياء تتناقلها الأيدي في دورة دائمة. عند هذا كبر الفتيان، فصغرت عليهم الثياب والأحذية. خذ يا تسوكتوخا، سروالًا جيّدًا! أو: هاك صديريًّا من الفرو! وما أدفأه! والصديري كان لسوندا نفسه. لا ذاك الذي مات منذ زمن، بل هو من ابنه، إذن. أو من أخ له أو ابن أخ، أو من شخص آخر. وأحذية اللبّاد من شوغدو. من ابن حفيد شوغدو ذاك الذي يُسمّى الممرّ باسمه.

بقيت أشياء كثيرة متينة جيّدة من المنقّبين عن الذهب، فقد كانت تجري مبادلات معهم. ثياب عمل، وسترات مبطّنة، ومعاطف قصيرة ثقيلة، وسراويل وسترات من «جلد الشيطان»، مخبّأة في صناديق كثير من أهل القرية. ثم أخذ الزيّ العسكري يظهر. يتبادلونه ويأتون به. حتى الجديد تمامًا، كأنه مسروق من المخازن. لأيّ جيوش، ولمن كان؟ لا أحد يعرف، فقد اختلط كلّ شيء.

وهكذا تجمّع لتسوكتو شيئًا فشيئًا عتاده الخاصّ للتايغا. ليكون معه كلّ ما يحتاج إليه من عنده حين يخرج لطلب الرزق. بطّانية دافئة من وبر الجمل، وقطعة من القماش المشمّع تقي المطر، وكيس متين بحمّالتين مريحتين. واقتنى فأسًا صغيرة أيضًا. وأهداه رجال الغابة الشيوخ سكاكين. شاخت السكاكين مع أصحابها، وأكلها الشحذ جميعًا. لكنها موثوقة، طيّعة، مريحة في القبضة. حافظ عليها أنت أيضًا، يا تسوكتوشكا. ففي التايغا قد يحدث أيّ شيء، وهي هنا، في متناول اليد دائمًا. لن تخذلك في أيّ عمل، وستعينك.

…يختبئ تسوكتو تحت غطاء جلد الدبّ. تحته أمان، ولا خوف، ولن يصل إليه أحد. وهناك أيضًا بطّانية من جلد الأيل، وجلد ذئب، ورداء من جلود الأرانب. تحت كلّ واحد منها أحلام خاصّة، وحتى الأحاديث تُسمع على نحو مختلف.

وأحيانًا قد يخال أنه نام في مخيّم، عند نار الليل أو في كوخ شتاء ما، ثم استيقظ فإذا مخيّم آخر تمامًا، وكوخ آخر، وصيّادون آخرون، صيّادو برّ أو سمك، يتحدّثون. والبخار نفسه فوق أكواب الشاي، ودخان الغلايين يتلوّى. كانت بداية حكاية ما… تعلّقت بخيط بذلك المكان السابق. والآن انسحبت إلى هنا…

— وذات مرّة يا فتى كنّا نصعد في مجرى أولزيخا…

— أتعني النهر؟ حيث بقعة أولزيخا؟

— نعم، هذا هو.

سُمّيت بقعة أولزيخا هكذا لأن الجدّ أولزي كان له كوخ شتاء هناك، في أعالي أولزيخا — فالنهر اسمه أيضًا أولزيخا. وكان الجدّ يمكث فيه طويلًا. لعلّ الكوخ قد اندثر… أو لعلّ أحدًا أقام كوخ شتائه في تلك النواحي، لكن اسم الجدّ ما زال يُذكر مع تلك البقعة حتى الآن. والجدّ أولزي أبو سايان، أي إنه جدّ تسوكتو وبولات. أمّا جامبال فجدّهما من جهة أمّهما أيون.

كانوا يروون عن أولزي أنه يرقي الناس من أمراض مختلفة. وأنه رقى حتى ذئبًا لينقذه. فالذئب أخرج أولزي من التايغا حين كسر ساقه ولم يستطع المشي. لكن هذه حكايات مختلقة، على الأرجح.

إذا عذّب أحدًا ألم أسنان، أو أخذ طفل صغير يصرخ بلا انقطاع، أو أصاب النساء بعد الولادة ما يصيبهنّ — حمّى أو استسقاء — جاءوا إليه. ويأخذ يتمتم، حتى لكأنه يتحدّث مع شخص خفيّ. ثم يصرخ فجأة، ويسبّ، ويلوّح بذراعيه! ويدبّ بقدميه حين يستقرّ الداء ويأبى أن يُطرد.

ذات مرّة شفى أولزي رجلًا غنيًّا من أصحاب مناجم الذهب. وتنبّأ له بشيء… أو لعلّه أنقذ ابنته — فقد جاءت ابنته لزيارته — من مصيبة. وامتنانًا له، أهداه صاحب المناجم بندقية بلجيكية. لم يُرَ مثلها في تلك النواحي، وكانوا يسمّونها «أولنبيري».

وكانت هناك حكاية أخرى، رواها الشيوخ، حدثت منذ زمن بعيد جدًّا، بالطبع… كان أولزي يسير على الضفّة، هناك نهر وركام حجري، والشتاء على الأبواب، والصقيع قد غشّى كلّ شيء. انزلقت قدمه بين الحجارة، وأخذ يهوي من العلوّ، فالتوت ساقه عند موضع انحشارها حتى الانكسار. لا يستطيع أن يديرها أو يسحبها. صخرة ثقيلة حبستها، وكلما شدّها انحشرت العظمة بالعرض. وقُذفت البندقية والكيس بعيدًا. ثيابه مبتلّة، وتتجمّد في الريح فورًا. لا حيلة له. استعدّ للموت. لكن ذئبًا جرّ نفسه إليه. كان هرمًا جدًّا، لا يلحق بأبناء جنسه، فانفصل عنهم. رقد إلى جانبه وأخذ ينظر، ويا له من هول. لكن حين يدنو الموت، تحدّث حتى الصخرة. طلب أولزي من الذئب أن يأتيه بغصن. غصن غليظ مكسور. لا بدّ من رفع الحجر به وإزاحته بطريقة ما. فكّر الذئب… وماذا عسانا نفعل؟ سنموت على كلّ حال. جاء بالغصن، جرّه بفمه. حرّر أولزي ساقه. ثم أخذا يزحفان، هو وذلك الذئب. يتلاصقان ليدفّئ أحدهما الآخر.

لم يحدث ذلك للجدّ مصادفة. الشامانة السوداء شوّشت عليه بسحرها، واختارت اللحظة. مع أن أولزي كان يعرف ذلك كلّه ويحترس: يتلو رقى الغابة والطيور والوحوش والأوراق، ويتعرّج في سيره هنا وهناك ليضلّل من يتعقّبه، ويتبخّر بالدخان دفاعًا عن البليّة الشرّيرة. لكن لا يمكن الاحتراس من كلّ شيء، وقد فقد بصيرته. كأن أحدًا دفعه على الصخور، فسقط.

…تقف العجوز راجان، الشامانة، عند أحد أطراف القرية، وتحدّق في السهوب البعيدة. «النهر، — تفكّر الشامانة. إنها ترى نهرًا أحمر بعيدًا. — النهر هو البداية والنهاية، والقاع والعلوّ. والطيور تزقزق في الأحراش، والمطر ينهمر من السماء، والشمس تسطع. وتفوح رائحة الرطوبة والانتعاش. على الضفّة حجارة حادّة وجذوع ملتوية، وفي الماء تنعكس الصخور البنّية. في قاع النهر يقف المحاربون الجنكيزيون، حرّاس الإمبراطورية الزائلة. ومن النهر الأحمر زحف رضيع أحمر إلى الضفّة».

تشرع راجان في قرع دفّ شُدّ عليه جلد تيس أسود. تتحوّل — إلى الخريف، وتحمرّ بأوراق العلّيق، وتُسقط الأوراق الصفراء كقطع نقد من فئة الخمسة، وتنادي بالصيحات القلقة لقوافل الإوزّ المتّجهة جنوبًا. تتوارى الطيور ببطء، وتصير خيط عنكبوت شفّافًا. وتلك الخيوط، واحدًا إلى جانب واحد، تحطّ على رأس العجوز منذ مئة سنة، على الأرجح.

وتسوكتو — وقد حدث ذلك ذات مرّة — حين صعد مع الجدّ إلى الممرّ، كان عليهما أن يصعدا من السرج على امتداد العرف. برزت الحجارة عارية كالأنياب، وغشّاها شيء من الثلج. والريح هبّات، وفي الأسفل جباه صخرية تنحدر منها ألسنة جليدية. وفجأة ترنّح تسوكتو… كأن الريح دفعته. انزلق على صخرة، وجذبه الكيس الثقيل بتأرجحه. طار، ولا يذكر كيف. ضربة على الرأس: كأنه صار داخل دفّ شاماني. ضربه أحدهم بكلّ قوّته بعصا القرع، هكذا دوّى في أذنيه. ارتطم بالصخور هنا، وقُذف هناك — وانزلق فوق الجليد. تمكّن من التشبّث، وانتزع سكّينه. انحشر النصل في شقّ، فتماسك. وبشقّ الأنفس أخرجه الجدّ. لم يستطع المشي في البداية، فقد رضّت الضربات جسده كلّه.

كان رأسه يدور — وضوء أبيض مبهر. ضربة! دار كلّ شيء أمام عينيه. خبطة رطبة في الأنف — وبلل دموي تحته. ثم فجأة، بحدّة، يد تحمل سكّينًا، كأنها هائلة، ليست يده، يد غريب. تظهر اليد ومقبض السكّين بوضوح شديد. حجمهما لا يُصدّق! كلّ شظيّة جليد، ورذاذ الدم، وفتات الحجر. يضرب، يضرب بالسكّين. يصيب قطنًا. قطن أبيض. كلّ شيء بطيء. الحلم مستمرّ. أخدود من النصل. شرارات الجليد أعمت عينيه. وخزت وجهه.

ثم بقيا، هو والجدّ، طويلًا حتى عادا إلى حالهما. كان الغثيان يصيب تسوكتو، ورأسه يدور. لكن لو «عمل المرء عمل الشامان قليلًا قليلًا»، ولو رأى بعض الأشياء… فهناك شيء آخر وراء هذا، ولم يقع كلّ شيء هكذا بلا سبب.

وهن تسوكتو كلّه آنذاك، ولازمته العلل. فاضطرّوا إلى استدعاء العجوز داغبا لتتغلّب على البليّة. طلبت داغبا أن يأتوا بسمكة اصطيدت للتوّ. مسحت جسده كلّه بالسمكة. رموا السمكة في النهر، وعندها خفّ عنه ما به.

تقف داغبا ووجهها نحو السلسلة الجبلية. تنظر إلى القمم الجرداء المكسوّة بالثلج التي تعكس الزرقة، وإلى هوّات الشعاب الداكنة، والخضرة الساطعة على سفوح الجبال الأولى. وجهها من لحاء الصنوبر، تلمع فيه ومضات نحاسية. تضرب دفّها المشدود عليه جلد أيل أبيض. فينساب بخرير جدول، ويرنّ بصخب الطيور، ويفيض بورديّة أزهار إكليل المستنقعات، ويخيّم كسحابة رعد، ويزأر بهدير المطر المنهمر.

لكن لا… ليس هذا كلّ شيء بعد. في مكان ما وسط نامخاي، يخرج العجوز يودين صباحًا من كوخه ذي المئة عام، المبنيّ من جذوع لاركس عمرها مئة عام، وهو نفسه أيضًا ابن مئة عام. يحفظ عنده أيقونة عجيبة، بالكاد تلوح الصورة عليها. يرفع العجوز الأيقونة، ويرسم بها إشارة الصليب على كلّ ظاهر وخفيّ في الجهات الأربع. يتلو صلاة ويقول: «المجد لله! المجد لله على كلّ شيء!» ولعلّ القدّيس نيقولا الدبّي، المرسوم على الأيقونة في الأزمنة القديمة، ينظر من علٍ إلى البيوت المتناثرة عند النهر الصاخب. حسنًا، الله رحيم. لتظلّ الحياة تتّقد في سلام.

— …أيّ بندقية، وأيّ «أولنبيري»؟ من اخترع هذا؟ — هكذا قال العجوز يودين حين استرسل ذات مرّة في الحديث. — لعلّها من فالنبرغ؟ كان اسم ذاك المستثمر فالنبرغ. أتراهم يسمّون البندقية باسمه؟ فالبندقية أصلها من عنده.

…كان فالنبرغ هذا يتردّد على هذه الأنحاء. حين بدأ البحث عن الذهب، تقاطر كثير منهم، من أولئك المتكسّبين. كلّهم عندهم «شركات» و«جمعيّات» وما شابه. يحسبونها: أيؤسّسون منجمًا، أم يكتفون بتجهيز فرق المنقّبين؟ بيرغ هذا، الذي هو فالنبرغ، كان يدبّر الألاعيب. يعطي فريقًا من العمّال مبلغًا، ثم يعطي غيرهم لقاء العمل نفسه أكثر منه بكثير. لكي يحقدوا بعضهم على بعض، ويصبحوا أعداء متناحرين. ثم يغرقون جميعًا، أولئك الشغّيلة، في الديون. متورّطون، ومدينون، فأين تذهب؟ عد واعمل أجيرًا في التنقيب من جديد.

وجاءت إليه، إلى بيرغ هذا، ابنته. لماذا جاءت؟ كانت هكذا… 2* كما يقولون، ليست من هذا العالم. لا بدّ لها من معرفة شيء. وحمل «مشعل المعرفة»، عمومًا. تقول: سأدوّن التاريخ! ثم يصدر كتاب في العواصم. يقرأه الجميع. وأيّ تاريخ؟ حسنًا. كان مدير أعمال فالنبرغ تيموفييف، أي تيموخا. يستميل عجوزًا أو أيّ شخص هناك. سأعطيك خمرًا! احكِ، يقول، ما تعرفه عن عادات أهل الغابة. لقاء الخمر؟.. أيّ واحد سيهذي بما هبّ ودبّ، فقط واصل الصبّ.

…أمّا العجوز أولزي، فنعم، كانوا يعرفونه. معالج شعبي، على ما يبدو. كان أعرج، معطوب الساق. يرقي الأمراض ويتنبّأ. مصائب الناس وأوجاعهم لا يمكنك أن تحمّل نفسك منها الكثير، ففي ذلك خطر أيضًا. كان يغيب طويلًا في التايغا، في مكان ما عند منابع الأنهار، في بقعة نائية. لكنه كان موجودًا يومها. لعلّ تيموفييف تقرّب منه بطريقة ما. قال له: احكِ التاريخ لابنة فالنبرغ. فحكى لها أولزي شيئًا.

لكن أولزي قال لتيموخا بعد ذلك: سيأتيكم الليلة مجرمون ليحرقوا البيت. فلان دفع لهم، وثمّة قاطع طريق يحوم هنا. لم يكن الأمر أنّ العجوز أشفق على ذلك التاجر… لكن ابنته؟ فتاة غير عادية، كشمعة صغيرة بيضاء، تكاد ترى من خلالها. روح بريئة. ما ذنبها حتى تهلك؟

لم يعرف تيموخا: أيصدّق أم لا؟ حسنًا. وضع عمّاله ببنادقهم في الليلة المحدّدة، وأخفاهم للحراسة. ثم في أشدّ العتمة حلكة، أخذ أولئك المجرمون يتسلّلون. كانوا قد رشّوا كلّ شيء بالكيروسين. عندها تدارك العمّال الأمر، وأطلقوا دفعة واحدة! فردّ الآخرون. واشتعل إطلاق النار. أصابوا أولئك المجرمين وقبضوا عليهم.

استبدّ الغضب بفالن-ذاك-برغ. اندفع خارجًا وانتزع البندقية البلجيكية من الحائط. صاح: من هذا الذي أراد إحراقي؟ قال تيموخا: هذا ما جرى. فاستدعى التاجر العجوز. وتنبّأ له العجوز بشيء آخر أيضًا. عندها هبّ بيرغ، وألقوا ما كان لديهم من متاع وحملوه. ورحل فورًا مع ابنته، واختفى أثرهما.

وقبل ذلك أهدى العجوز البندقية البلجيكية. وقال: وهذه البندقية، لن يستطيع أحد حتى أن يأخذها منك! لا تُمنح إلا هديّة من صميم القلب. لأنّ الصنّاع البلجيكيين من مدينة لييج أودعوا فيها سرًّا كهذا. إن أخذها أحد رغم إرادتك، قتلت البندقية المعتدي من تلقاء نفسها بعد ذلك. ثم أعادت تلقيم نفسها. وقتلت رميًا بالرصاص جميع المقرّبين من ذلك اللصّ. خذها واحفظها!

كانت بندقية كهذه تساوي ثروة كاملة. ثم صارت في يد الجدّ جامبال.

…كان الأنصار الحمر يطاردون عصابة كراشينّيكوف ويذيقونها الويلات. قضوا على نواتها الأساسية من الحرس الأبيض، ولم يبقَ سوى حثالة من قطّاع الطرق. كانوا ينوون شقّ طريقهم نحو سهوب منغوليا. لكن الطرق كلّها قُطعت في وجوههم. ومن بقي منهم ذهب إلى ما وراء النهر الأحمر. أرادوا الاحتماء بالسلاسل الجبلية حتى تهدأ الأمور. صعدوا بمحاذاة تاشور. طريق عسير، لكنهم لم يعرفوا المنطقة، فساروا على غير هدى. وخرجوا بالضبط إلى المروج التي يغمرها النهر عند فيضانه. هناك، في أراضي الحشّ، بعيدًا عن القرية، كان رجال ونساء روس. أقاموا مخيّمًا وكانوا يلمّون التبن. احتاج اللصوص إلى خيل يهربون عليها. أخذوا يطوّقونهم، كأنهم ألقوا أنشوطة وشرعوا يشدّونها. انفلتت الكلاب واندفعت، فقتلوها على الفور. وأخذ المجرمون يسوقون الخيل بعيدًا ويمسكون النساء، كانوا متوحّشين. أمسك الرجال، هذا مذراة، وذاك فأسًا، وآخر أخرج بندقية. فأطلق اللصوص النار، وقتلوا بعضهم بالسيوف.

صادف أن كان الجدّ جامبال والجدّ ماكار والجدّ ستيبان هناك. كانوا عائدين من الينابيع. وعلى الطريق امرأة تركض، وثيابها منفرجة مبعثرة، كأنها جُنّت… تقول: هناك يقتلون الناس! انطلق ستيبان بخيله إلى القرية يطلب النجدة. وقرّر جامبال وماكار أنّ اللصوص سيعبرون النهر على أيّ حال عند فرارهم. وإن عبروا، فمن موضع بعينه: فالمخاضة واضحة هناك، وعلى الضفة الأخرى درب مطروق يصعد إلى الأعلى. اختصرا الطريق، ونصبا كمينًا.

وهكذا كان!.. دخل أولئك المجرمون السبعة جميعًا إلى النهر، يقودون الخيل ويجرّون المتاع. وظهر زعيمهم يختال على جواده. سدّد جامبال إليه، والتقطه على شعيرة البندقية البلجيكية. لكن كيف له أن يقتل إنسانًا للمرّة الأولى؟ غير أنّ ذاك كان بلا وجه، أسود كلّه. تتلوّى منه خصل من الدخان. ولم يكن ذلك وحده… حيث الرأس، ظهر فجأة، فيما يبدو، خطّ صغير فاتح، بل ذهبيّ، جذب الرصاصة. سقط الشيطان، ولمعت جزمتاه وحدهما من تحت الماء حين جرفه التيار. وهنا عاونه ماكار من جهته. اضطرب الشياطين، وأخذوا يطلقون بنادقهم يمينًا وشمالًا. والخيل تجذب أعنّتها لتفلت، وتنزلق على الصخور، وتديرها الدوّامات. ومن جرّتهم المياه من اللصوص إلى العمق غرقوا. أمّا القتلى، فقد ألقت المياه بعضهم عند الصخور، وعلّقت بعضهم الآخر بحطام الأشجار المتراكم.

ثم ماذا كان عليهم أن يفعلوا؟ أخذ الروس موتاهم ودفنوهم سرًّا. وأمّا هؤلاء… فلا، قالوا، لا يجوز لهم بأيّ حال لمس نسل المسيح الدجّال. افعلوا بهم أنتم ما تشاؤون.

لم يكن بدّ هنا من الشامانة، العجوز داغبا. قامت هناك بطقوسها على طريقتها. ثم قالت: انتشلوا جميع أولئك القتلى. من الخطيئة تركهم هكذا. فبحثوا عن الجثث، كلّ واحدة حيث كانت مرميّة. وجرّوهم جميعًا إلى وهدة في مكان قصيّ. ورموا كلّ شيء فيها. لا يجوز أخذ شيء منهم، ولا حتى خرطوشة واحدة! وكانت هناك أسلحة في صناديق محطّمة. وذخيرة وعتاد. وصناديق عسكرية أخرى متينة، لكنهم لم يفتحوها حتى. قالت داغبا: وارموا هناك أيضًا بنادقكم التي قتلتموهم بها! لم يرد جامبال مطلقًا مفارقة «أولنبيري» خاصّته. حتى اغرورقت عيناه! لكن كيف تعترض على داغبا؟.. يكفي أن ترمقك حتى تغصّ.

فرماها هناك، ورمى ماكار بندقيته أيضًا. غطّوا ما فيها وردموه وطمروا الكلّ في ذلك المكان النائي. وأغرقت العجوز المكان كلّه بدخان عشبة النسيان، تدور به من حوله. وراحت تدكّ بقدميها، وترقص، وتضرب الدفّ بمضربها. حتى دارت زوبعة! نفخت وبصقت. فنسي الجميع ذلك الموضع الملعون. كأنه مُحي من الذاكرة، لا أحد يتذكّر. أين هذا، وما هو؟.. وأعطى أهل الإيمان القديم الصيّادين مالًا، عن طريق العجوز يودين، في هدوء وعلى انفراد. لشراء البنادق وكلّ شيء. لكنهم أوصوهم بالصمت التامّ. وانتهى الأمر. لم يُفتح بعد ذلك حديث عنه في أيّ مكان قطّ.

…إذا خرج تسوكتو راكضًا من البيت في الصباح الباكر، أمكنه أن يركض بلا توقّف حتى المساء. عليه أن يمرّ بالجميع، ويطمئنّ على الجميع. وكانت تشارا الوفيّة تندفع أمامه متجاوزة إيّاه بنباح رنّان. فتضطرب كلاب الجيران فورًا وتهرع في أثرهما. لا بدّ من الإسراع بكلّ ما لديه من قوّة! لكنّ الأمور تمرّ بسلام. يركض إلى هنا وإلى هناك. يسابق الريح. يسارًا يركض إلى إخوته الصبية، ويمينًا إلى أخواته المشاكسات. ومباشرة، من غير انعطاف، إلى الأجداد والجدّات، والعمّات والخالات والأعمام والأخوال.

كانت بيوت القرية تتلاصق هنا في تجمّعات، أمّا هناك، أبعد، فتتفرّق فوق التلال: فتلك المواضع سُكنت لاحقًا. يركض تسوكتو ويركض، وقد يبلغ حتى بيت العجوز يودين. كوخه كئيب، مبنيّ من جذوع لاركس معمّرة مئة عام، تتعشّق أطرافها من غير أن تبرز عند الزوايا. وهو نفسه ابن مئة عام، لا أقلّ. وعلى مسافة أكواخ مثلها: متينة، تحفّ بها مرافق العيش. مثل الرجال الذين استقرّوا هناك على حدة: بعائلات كبيرة وأحواش واسعة. رجال غطّتهم اللحى حتى العيون. يحفظون الإيمان. إيمانهم داكن، مغلق عليه بالجذوع ومكسوّ بالطحلب، مرتوٍ بماء الينابيع. أُرْثو-ذُكْسيّ-قَديـم. والعجوز يودين يحفظ الأيقونة المقدّسة. هناك يبرز القدّيس نيقولا، المرسوم في الأزمنة القديمة، من ظلمة القرون.

لكن كيف أقول… لم يكن العجوز نفسه ما يهمّ تسوكتو إلى هذا الحدّ. فلا بدّ من زيارة القطّ، الذي لعلّه أيضًا قريب بعيد ليودين هذا. قطّ هائل! فراؤه فراء دبّ، وذيله كذراع رجل ضخم. وشواربه ناتئة، يمكنها أن تثقب راحة يدك. حين كان تسوكتوشكا أصغر سنًّا، كان يقرفص أمامه فيصيران في المستوى نفسه. ويبدأ القطّ يدمدم بصوت جوفيّ، كأنه يسأل: «هات السمك لي! وش جبت، يا نير الكفّار؟»

لم يكن العجوز يودين، ولا أيّ من أولئك الروس الأرثوذكس القدامى، ممّن يخالطون أحدًا أو يرحّبون بأحد. لكنه كان ألين مع الجدّ جامبال. يجلسان أحيانًا على المصطبة الترابية المحاذية للبيت، ويتباحثان في شؤونهما. يتكلّمان عن أسماء معيّنة، لجدول مثلًا أو ممرّ جبلي. لماذا يسمّون هذا المنخفض منخفض بولدين؟ والعجوز يودين يعرف أنّه «تحت الصخر»، هكذا يسمّونه بينهم. أم يتحدّثان عن موضعين مختلفين؟ ثم يفهمان، فيما يبدو، عمّ يتكلّمان. وكانا يناقشان الينابيع: أيّها يشفي الظهر، وأيّها الركبتين، وكيف يصل المرء إلى هذا أو ذاك؟ بدا يودين ممتنًّا للجدّ لأنه قضى على اللصوص. لكنه لم يصرّح بذلك، وكان يخفي حزنه أيضًا…

«فقد نضج الحصاد!.. وها الحصّاد قد رفع منجل ظهيرة يومه…»

حين يرعد العجوز بصوته الجوفيّ.

حتى يكاد القلب يتوقّف.

«حان وقت إحناء الرأس أمام الحصّاد! فإنّك سنبلة في مروج الله!»

كانت حفيدته هناك، في أراضي الحشّ، صبيّة في الثامنة عشرة. جرّها المجرمون إلى الغابة، وما فعلوه بها أمر رهيب. حتى صليبها هوى عليه سيف بعد ذلك، فغاص عميقًا في صدرها. انبعج، لكنه لم ينكسر.

وكان تسوكتوشكا، بحكم اهتماماته الصبيانية، يفضّل مع ذلك «الدردشة» مع القطّ. يأتيه راكضًا. لا خالي اليدين بالطبع. يحمل مرّة سمكات فرخ صغيرة ملفوفة بورق الأرقطيون، ومرّة أسماك اللينوك، أو غيرها من صغار السمك. أمّا تشارا فلم تكن تبلغ معه البوّابة قطّ، إذ تجد على الفور شؤونًا كلبيّة عاجلة! فالقطّ الضخم يظهر في الحال من حيث لا يدري أحد، ويأخذ يتمسّح بساقي صاحبه.

كان تسوكتو يعامل القطّ بتبجيل. فلعلّه هو نفسه ملك الغابة، هكذا كان يظنّه. فقد حكى الجدّ جامبال أسطورة قديمة عن شعب الأيائل. وعن ملك الغابة الذي استدرجهم إليه.

لكن العجوز راجان لم تنسَ شيئًا، لا يمكن إخفاء شيء عنها. نبشت جمجمة زعيم الحرس الأبيض. وغسلت عظامه جيّدًا لسحرها السرّي. وفي الجمجمة، وسط الجبهة تمامًا، ثقب نافذ أحدثته الرصاصة.

بدأت الأزمنة تتبدّل، لا بسرعة طبعًا، لكن هكذا، بطريقة ما… وكلّه إلى الأسوأ. عصابات تجوب، هذه مرّة وتلك مرّة. وانقضّت مصادرة المؤن الإلزامية من حيث لا يحتسب أحد. وبدأوا ينظّمون مزرعة جماعية. ثم مؤسّسة للصيد. وسجّلوا الجميع، وما يملكه كلّ واحد. توحيد وتفريق. وها… حتى أهل القرية تفرّقوا، وانفصمت العروة التي بينهم. كان السكر الجامح فيما مضى يجتاح القرية من طرف إلى طرف. من حلّت به مصيبة شرب، ومن أصابه فرح جرع هو أيضًا. لكن هذا لا يهمّ، فالدوّامة السكرى تجرّ الجميع. يمضي هؤلاء وأولئك في القرية. وها قد اصطدموا رأسًا برأس، واشتعلت شرارة، وراحوا يتبارون بالقبضات. ليُعرف، إذن، أيّهم أصلب قبضة أو رأسًا، أو أكبر أداة أخرى. لكن حتى السكر اختفى إلى مكان ما. شيء ما يباعد بين أهل القرية، وبين أحواشهم وبيوتهم، أكثر فأكثر. يحدث أن تحسّ بهذا من بعيد… ليس ثمّة دخان حتى بعد… لكنّ شيئًا مقلقًا جاءك مع الهواء. لقد بدأ بالفعل، وهو موجود في مكان ما. طقطق الحريق، وتناثر شررًا على الأشجار الساقطة. أفظع بلاء في التايغا!

مكتب-تحصيل-صيد. خطّة للصيد المطلوب. هيّا نجرّد فلانًا من أملاكه بوصفه من الكولاك. يظهر أناس وافدون، غرباء. يريدون ترتيب كلّ شيء على هواهم. تمضي البرقيّات والأوامر والقوائم المختلفة إلى كبير المسؤولين عن هذه الناحية. فتبلغ النهر الفاصل بين الجبال الأولى والسهول التي تبدأ بعده. وهناك، أيوجد معبر أم لا يوجد؟ الجليد لم ينعقد بعد، أو أوشك أن يتفكّك وينجرف. ارتفع الماء من فيضان الربيع أو من الأمطار التي هطلت. ثم انحسر الماء. وفي هذه الأثناء تعفّنت الأوراق المرسلة على الضفة وهي تنتظر. وتغيّر كلّ شيء. يتسلّمها المسؤول ويقرأ. لكن متى كان هذا، وفي أيّ زمن؟ على أيّ شيء يكتب قراره؟

يصل مسؤول جديد ومعه أعوانه، لكنهم جميعًا كأنهم ليسوا على ما يرام في عقولهم. ألعلّهم كانوا يتعمّدون العثور على أمثالهم لينفوهم بعيدًا؟ يذهبون، كعادتهم جميعًا، ليجردوا شيئًا ما. ويعدّوه، ويدرجوه في القوائم. ولسبب ما يحضرون عند العجوز راجان. مع أنّ العثور عليها، حتى حين تأتيها من تلقاء نفسك، ليس سهلًا أصلًا.

— جئنا لنجرد كلّ ما عندك!

— وش هذا؟ أيّ شيطان؟

— سنجرد ممتلكاتك!

— أيّ ممتلكات؟ الرجال هناك ما أكثرهم، اجردوا ما عندهم.

— إيه… أتلقين النكات، يا عجوز؟

— أيّ نكات؟ هناك ديك أعرج وقطّة بلا ذيل. وش تجردون؟

— مهلًا مهلًا! وما هذا عندك؟

— هذه عُليبة عندي للأعشاب.

— ماااذا… هذه جمجمة! لماذا هي هنا؟

— دعني أنظر من هنا، من الثقبة، إذن…

في الجمجمة ثقب رصاصة وسط الجبهة، والعظم القذالي من الخلف أطاحت به الرصاصة عند خروجها.

تنظر إليه من خلالها. وإذا بالمسؤول الوافد لا يلبث أن ينهار، وقد علقت به علّة شاحبة. وانتهى، أرسلوه إلى مكان ما. ولا يعثرون على آخر يحلّ محلّه. أو ينسون أصلًا أين توجد تلك الزاوية، التي لا يُعرف حتى هل هي مبيّنة على خريطة المنطقة أم لا؟ أم أنّ هناك جلد أيل، بقعة بيضاء؟ أم سوداء، من جلد ماعز؟

يهجم النوم على تسوكتو، ويلفّه بمعطف أشعث من البقاع المكسوّة بالطحلب، ويثقل عليه بمخلب ثقيل من النتوءات الجبلية الوعرة التي جابوها تسلّقًا طوال النهار الطويل. وتتراءى له تلك الكفّ الهائلة، التي لا أطراف لها حتى! كفّ من الحجر والتايغا. تمتدّ عليها كلّ تلك المنخفضات، وتركض الجداول، وتنتأ الممرّات الجبلية. الصخور القاسية تعبس، وهنا وهناك تلتصق أكواخ الشتاء، وتفور الينابيع. غياض البتولا مملوءة بالخضرة والضوء، تتباعد هنا وتتقارب هناك. وهو والجدّ جامبال يسيران من غيضة إلى أخرى.

قد تمرّ سنتان قبل أن يعودا إلى الموضع نفسه. وخلال هذا الوقت يكون فطر تشويدوب قد نما، والتصق بالجذوع، ويمكن جمعه. هذا مخيّمهما القديم، الذي أقاماه قبل سنتين: أثر نار، وعريشة كان تسوكتوشكا نفسه قد غطّاها بأغصان الصنوبريات. لكنّ النبات غطّى كلّ شيء. ثم من جديد… رنّ شتاءان وصيفان وانقضيا. سفوح شديدة الانحدار، وأراضٍ محترقة تتشابك فيها الأشجار التي أسقطتها الريح، وفسحات حجرية منبسطة. وعادا إلى الموضع نفسه. فسحة قرب الجدول، وأثر موقد نار، وعريشة. كم صادا خلال ذلك الوقت، وكم حصّلا من طرائد. وحتى بندقية «توز» المضبوطة الرمي جيّدًا كأنها نمت على تسوكتو، والتصقت به بماسورتها المزرّقة، وشحم السلاح ورائحة البارود.

وكان أخوه بولات يقول إنّ المواضع التي يمكن جمع الفطر فيها تمتدّ كأنها شريط عريض من الغرب إلى الشرق. هكذا طار التنّين، ينثر شرره الناري. ومن ذلك الشرر ينبت فطر تشويدوب.

أيّ تنّين أيضًا؟ ألعلّه رآه في المنام؟

لا! حتى الجدّ تشولتوم كان يتحدّث عن ذلك. وتشولتوم سمعه من الجدّ غارما. والجدّ غارما حكاه له لاما عجوز. جاء من التبت. إلى هناك طار التنّين، وهناك تحطّم. واحترق كلّ شيء بسببه. ظلّ يحترق سنين كثيرة حتى. والدخان يصعد إلى السماء. ولم يبقَ بعدها إلا جبال صخرية.

يلتصق فطر تشويدوب على ارتفاع قامة الإنسان، أو أعلى. ويشبه أحيانًا وجه عجوز. عُجيّز كهذا… وجه صغير هرم، كلّه تجاعيد، مكرمش. وإذا نظرت إلى موضع كسره، رأيت في داخله عروقًا حمراء داكنة أو ورديّة.

حين يجمعون الفطر، لا بدّ من فرزه وتقسيمه. وبسطه ليجفّ وتهبّ عليه النسمة. وأيّ نسمة، حاول أن تظفر بها. والشمس تلهب حينًا، وتختبئ حينًا، أو تعبر الغيوم مسرعة. وقد يصاب الفطر عندئذ بوجع في الرأس!

— ماذا تظنّ يا تسوكتوشكا؟ — حتى إنّ الجدّ يبدأ يوبّخه. — إن بسطناك تحت الشمس الحارقة، كيف سيشتعل رأسك بالحرارة؟ هذا هو! يغيم كلّ شيء أمام عينيك، وتصير كالمسلوق. والفطر، ماذا به؟ أتراه عندك بلا رأس؟

حسنًا، له رأس، بالطبع، نعم. وهو بارع أيضًا في الاختباء والتواري.

وهناك أيضًا ملك الفطر. هو سيّد الفطر كلّه، وسائر الفطر تحت إمرته.

تنهمر الأمطار، ولا يمكن ستر شيء من الرذاذ. فيحشون الأكياس بما جمعوه كما هو، ولا بدّ من إخراجه من هناك بأسرع ما يمكن. سيبدأ بالفساد والعفن، ولن يبقى إلا رميه. تنهكهم مراحل الطريق وأكياسهم ملأى حتى الرباط، وتطويهم على أنفسهم من ثقلها.

…حين كان التنّين يطير، قفز عنه أناس الأيائل. لم يكونوا يومها أناس أيائل بعد، بالطبع. بل مجرّد أناس من قارب حديدي طائر.

— يا بولات، لقد لوّث دخان الموقد رأسك وأنت نائم! أيحدث شيء كهذا؟ أناس من قارب حديدي… ما أغرب ما تختلق!

— أنت الذي كنت تغطّ في نوم عميق! أمّا الجدّ أولزو فحكى أنهم سقطوا هنا، وسط التايغا تمامًا. وأخذوا يتجمّدون، فالوقت شتاء. لكن كانت عندهم أداة كهذه. اسمها مغناطيس. أرأيتها عند الجدّ ماكار؟ عنده واحد، يمغنط به مواسير البنادق. وعند العمّ غالسان في ورشة المحرّكات والجرّارات واحد أيضًا. إذا نثرت برادة الحديد على ورقة، ثم حرّكت المغناطيس تحتها، تجمّعت البرادة كلّها عنده، وتبعته أينما حرّكته. وكذلك جاءت الأيائل من كلّ الجهات إلى أولئك الناس. ورقدت حولهم ودفّأتهم بحرارتها. تعانق الناس والأيائل، وصارت الأيائل أعزّ أصدقائهم. أفهمت كيف كان الأمر؟

حسنًا. يبدو أنّ الأمر كان هكذا.

…هيّا، ستكون أنت كلبًا من كلاب صيد الذئاب!

لقد جُنّ بولات، حقًّا. عاد بألعابه من جديد!

— اهجم عليّ!.. سأعمل لك حركة وألوي عنقك! كما لوى الجدّ جامبال أعناق خمسة من كلاب صيد الذئاب حين طاردته!

— دع غروم يهجم عليك مثل كلب صيد الذئاب. وحاول أن تلوي عنقه هو!

— وش فيك، خفت؟

— من، أنا خفت؟..

ينقضّ تسوكتو على أخيه بهجوم مباشر.

…دحرجه بولات في الثلج حتى حوّله إلى رجل ثلج. ولم يفرح إلا غروم، يركض حولهما ويثير زوابع الثلج. أمّا غروم فيطرح المرء أرضًا بوثبة واحدة! الأفضل ألّا تتورّط معه. وأمّا تسوكتوشكا… فافعل به ما شئت.

لكنّ الأمّ أيون تأتي عندئذ، بالطبع، وتضمّه. «لا بأس يا تسوكتوشا، لا تحزن!» يجلس قليلًا، ثم ينطرح في حجرها ويلتصق بها. وبولاتكا أيضًا يظلّ يتململ في مكان ما حولهما، ثم يقترب. «لماذا تؤذي أخاك الأصغر يا بولات؟ لا يجوز هذا!» فينطرح بولات أيضًا ويلتصق بهما. جاءت الجدّة تويانا، وقد قَلَت أقراص الخبز. «تعالوا جميعًا نشرب الشاي!» وضمّت الجدّة الجميع أيضًا. إنّهما كإناث الأيائل، تدفّئان بحرارتهما الإنسانين الصغيرين، تسوكتوشكا وبولاتكا، اللذين سقطا من نجم بعيد، متجمّد وعديم الحياة، وتحميانهما من كلّ شيء.

…كان تسوكتو يتذكّر كيف كان يرحل مع العمّ غالسان بعيدًا في السهب. كانت عنده ورشة للمحرّكات والجرّارات، والجرّار الشهير «البطل الأحمر» الذي تدوّي قعقعته في الأيماق كلّه. وعلى الجرّار كانا يصلان إلى البحيرات، ويهبطان إلى المنخفضات المعتمة، فتطير نحوهما طيور مالك الحزين التي أقلقاها، تنفض عن أجنحتها أهدابًا فضيّة من الرذاذ. وكانت البحيرة تلمع بنحاس محمرّ، كعملة عتيقة كبيرة جدًّا، باهتة. يستلقي تسوكتو على الماء باسطًا ذراعيه. وفي سماء ما قبل الغروب خصل مائلة إلى البياض ممدودة، وعقبان بحر قليلة تحلّق مفرودة الأجنحة. وترسم حدأة نصف دائرة بطيئة. أيمكن سماع حفيف الأجنحة في السماء، حفيف انزلاق الطيور الكبيرة على التيّارات الهوائية؟

كأنّ تسوكتو كان يقرأ صفحات تلال السهب التي اسمرّت… وكيف كان يقرأ؟ كما كان اللاما العجوز يتلو الصلوات، يتمايل قليلًا كأنّ الريح تحرّكه. كانوا يأتون إلى دوغان صغير، تخترقه سهام الشمس كلّه. تصرّ مفصلات الباب المائل، وترتجف الأجراس الصغيرة بصوت رقيق شاكٍ، كأنها تخشى أن ينقطع قلبها من لحظة إلى أخرى. تتموّج غابة الشمس، وتغيّر مواضع صفائحها الشفّافة المصنوعة من ذرّات الغبار المعلّقة في الهواء. وفي تلك الصفائح يتلوّى الدخان، صاعدًا من طاس نحاسي صغير فيه بخور مشتعل، وينساب كالحليب في الشاي، ويرتفع نحو لفائف مصفرّة تحمل وجوه آلهة كأنها تحلّق في مكان ما بالأعلى.

كان تسوكتو يصغي إلى ثعبان الصمت، يزحف في دائرة كأنه يخنق بحلقاته المحكمة. يتدفّق الحرّ من جلده البنّي والرمادي. ورنين زجاجي رقيق ما. كأنّ تلك الحركة تكسر لمعان الخرزات الزجاجية التي تزيّن جلد الثعبان بنقش عجيب. وتتداخل فيه نغمات المغنّين الخفيّين عند جذور الأعشاب، وقفزات الجنادب الصرّارة، ودمدمة الخنافس الغليظة، وخطوط اليعاسيب المرتعشة. إذا قطفت الأعشاب، وفركتها بين راحتيك، واستنشقت الرائحة المرّة التي توقظ الذكريات، أفلا يكون قلب السهب نفسه في هذا الغبار العشبي والترابي المخلوط بالرماد؟ فهكذا كانت رائحة يدي أمّه أيضًا. والجدّة، الجدّة الضخمة كلّها، كانت رائحتها رائحة السهب! ومن أختيه كانت تفوح رائحة الشيح هذه. ومن أخيه بولات… شيء حميم حتى الوجع. حتى ينقبض له القلب.

وكانوا يتوغّلون أبعد في التايغا أيضًا: هناك كوخ شتوي، وآخر يمكن المكوث فيهما طويلًا. ويأتيهم الجدّ ستيبان والجدّ ماكار والإخوة خانداروف والعمّ دورجو. وهكذا كانوا يقيمون في أكواخ الشتاء ضمن حلقتهم الخاصّة. كلّهم صاروا شيوخًا، ولم تعد فيهم صحّة تكفي لإيصال الطرائد إلى المكتب. لكنهم ينصبون العرى، ويضعون المصائد، ويركّبون أفخاخ الأثقال، ويهيّئون الشراك الحديدية. ويتعلّم تسوكتو بقربهم الحكمة والدراية، ويدرّب عينه ويده. ويوجع قدميه أيضًا، بالطبع. ينهكه التزلّج فوق التلال صعودًا وهبوطًا حتى يكاد يغيب عن وعيه. يبدأ نهار الشتاء، وإذا به يتدحرج فورًا نحو الغروب خلف الروابي. يطوفون ما استطاعوا في الضوء، ثم يعودون، إلى الدفء سريعًا. حين يكون في الكوخ أحد، فالمدفأة تزمجر، والشاي يغلي، والماء والحطب حاضران، والطعام معدّ، وكان ذلك يبعث على الاطمئنان.

أتسوكتو نائم أم غير نائم؟.. يسمع خيط الحكاية المعقّد، المفتول من ثلاث طاقات، يستطيل.

— هل رأيتم أناس الأيائل في الغابة، هل صادفتموهم؟

— لا، لم نرهم نحن. هم يا فتى هكذا: حتى إن كانوا جالسين عند النار يتدفّؤون، فإذا بهم بعدها، في لحظة! اختفوا. رحلوا بسرعة. لا تكاد تلحظهم حقًّا.

— وما شأنكم بأولئك الناس. أمّا صباياهم، فيحكون… كم يلعبن ويمرحن أحيانًا! يستحممن تحت الشلّالات وفي المياه الهادئة. حلوات وقصيرات القامة، سمراوات كأنما صُبّ عليهنّ الذهب. ما إن يراهنّ صيّاد حتى تكون نهايته. ضاع!

— هيا، هذا كلّه كلام. من رأى ذلك حقًّا؟ أمّا الضياع في التايغا فلا يحتاج إلى عقل. اندفع في طريق خاطئ، وتاه. فتجمّد هناك، أو مات جوعًا.

— لا. يحدث أن يستدرجن. نعم. من ذاق صبيّة كهذه وتلهّى معها، نسي كلّ شيء. وبقي هناك.

— وماذا، تُمحى ذاكرته تمامًا؟

— نعم. عندهم جذور كهذه، يعرفونها. يقطّرون منها شرابًا ويسقونه حتى يذهب عقله. وعندها يبدأ الصيّاد يرى ما لا يعلمه أحد! ما إن تذوقه حتى تأتيك شتّى الرؤى.

— رؤى، تقول! ها هنّ العجائز العارفات يجمعن فطر الأمانيت الأحمر. جرّب ملعقة من منقوعه… بعدها لن تعثر حتى على نفسك!

— لكنّه حدث. هكذا يحكون. يلاعبن الرجل حتى لا يعود يفيق من الوهم المسحور. وهكذا يضيع. تلك بليّة يا فتى.

…بل إنّ الجدّة تويانا كثيرًا ما كانت توصي تسوكتو، حين يستعدّون للرحيل، بأن يراقب «الموظ العجوز». أن يخجّله، وألّا يدعه يفرغ القارورة سريعًا ويشرب منها بإفراط. «فلا تدع الحمّى تجرّه إليها من جديد، وتستدرجه ضيفًا عندها!»

حسنًا، هذا… الحمّى شيء… هذا أمر مختلف تمامًا.

«فقد اختفى ذات مرّة، وتاه في التايغا لا أحد يعلم أين. يبدو أنه كان يتلهّى معها… مع الحمّى!» حدث أنّ تسوكتو سمع خلسة ذات مرّة الجدّة تويانا تشكو بغيظ إلى الجدّة رادنا. وسمع تفاصيل أخرى أيضًا. يبدو أنّ هذه «الحمّى» تستطيع أن تدير رأس أيّ كان!

انقضى الصيف، وها هو الخريف يرنّ. لفحت الرياح الرطبة القارسة أشجار اللاركس بالصفرة، وأضرمت في الروان شررًا قرمزيًا. وها قد أخذ الصقيع يشتدّ ليلًا، يعصر الجدران المبنية من جذوع الأشجار حتى تطقطق. عوت العواصف الثلجية عواء الذئاب، وأحاطت الثلوج بالمكان إحاطة محكمة، وطمرته. في الليالي الصافية ترتجف النجوم ارتجافًا واهيًا، ككرات مشعّة زغبة، وتنير الأحراج بضوء شبحيّ؛ هنا زرقة، وهناك أعماق فجوات بنفسجية، والأحراج ملتفّة بثلوج متراكمة على الأغصان وأكفّ الصنوبريات. حتى الهواء نفسه كثيف، والضوء بالكاد يخفّف العتمة. وهنا لا تكاد تلحظ كيف يحلّ محلّ الفجر الرمادي الشاحب غروبٌ بومضات وردية على طبقات الثلج، وبزرقة عميقة في الظلال التي استطالت.

لعلّ الصيّادين اجتمعوا يتحدّثون… أم أنّ النهر يفور عند المسارع الضحلة، والريح تعصف، وأشجار الصنوبر الشاهقة تهزّ رؤوسها الشعثاء؟

لكن، إذا فكّرت في الأمر، فليست هذه سوى دائرة صغيرة من النار، ومن حسن الحظّ أن تحيط بها جدران الكوخ المبنية من الجذوع. تستطيع التايغا بكل بساطة أن تسحق الكوخ، وتدوس النار، وتطيّر الغطاء بهبّة ريح، وتطأ الجمرات. جمرات حياة أيّ إنسان، أيًّا كان. انظر ما حلّ بأهل التايغا. بعضهم نجا بشقّ النفس، وبعضهم لم ينجُ. فما الذي يكلّفها ذلك؟

لعلّ الذين يبرزون في المقدّمة هم وحدهم الأقارب الأشجار الذين يعرفهم تسوكتو. وهو يعرف أقارب هؤلاء الأقارب أيضًا. الإخوة والأخوات، وأبناء الإخوة والأخوات. أمّا الأقارب الآخرون فاختبؤوا أبعد، وبالكاد يُميَّزون في كثافة التايغا. والذين عاشوا منذ زمن بعيد جدًا يكادون لا يُرون. لعلّ جدّه أولزي يلوح من وراء الجذوع هناك؟ ولكن، إن كان الجدّ جامبال يعرف جدّ أبيه، فجدّ أبيه يقف، على الأرجح، وراء أولزي.

وفي العمق، أبعد من ذلك، سيمرّ أهل الغابة خفية، من غير أن يدوسوا عشبة، أو يطقطق عود، أو ينكسر غصن. لكن، من يدري هل هم موجودون؟ حسنًا، فليكونوا موجودين.

وراء أهل الغابة تأتي الأشباح. ستنساب، منسوجة من خصل الضباب فوق المستنقعات، ومن ظلال ما قبل المساء المتبدّلة.

وأبعد بكثير، في عمق أعمق؟ هناك، في السواد، يفور ينبوع ويتدفّق. منه ينبعث السواد. والينبوع موصول بالسماء تحت الأرض، عبر الأعماق. تغذّي قبّة السماء التايغا، عبر مجارٍ لا تُرى، بصمت كثيف يتعذّر اختراقه ويأسر الألباب.

ولا شيء هناك؛ لا رمز، ولا أيّ شيء محدود ذي إطار، يتّسع في الوقت نفسه لما يجري من غير حدّ. لما لا يحدث مصادفة، لما تصلُه خيوط لا تُرى بقبّة السماء، وبدوران التايغا. في السواد الأوّل نفسه، الذي تمتلئ منه التايغا رعبًا ولامحدودية، تلتقي أحيانًا نقاط عدّة، وتضيء في الظلمة. هل فيها نظام ما، وهل يمكن أن تفسّر شيئًا؟ إنّها الذئاب تأتي إلى هناك في الليالي غير المقمرة، لتشرب السواد حتى ترتوي. تقعد في أماكنها، وتكنس ما حولها بأذيالها، ثم تنظر. عيونها صفراء. تتلاقى في السواد كإشارات تأسر الألباب.

كان يحدث، حين يدخل مع جدّه التايغا ويأخذان الدرب، ألّا يستطيعا الإسراع في المشي من أوّل الأمر. لا بدّ من بعض الاعتياد، ومن أن تلين الأقدام بالمشي. الأكياس لم تُوضَّب كما ينبغي؛ شيء يقرقع هناك، وشيء يضرب الظهر هنا. والثياب لا تلائم. والحظّ، لسبب ما، معاند.

وطبعًا، كانا يأخذان غروم معهما أيضًا. فيندفع من فوره عبر السفوح والأشجار المتساقطة، حيث يدفعه حماسه وشمّه للحيوانات. يتردّد نباحه في مكان ما، ويبتعد أكثر فأكثر، ثم يختفي تمامًا. لكنّه يخرج من الأحراج يتعثّر في اندفاعه، لسانه متدلٍّ إلى الجانب، وخاصرتاه تتحرّكان سريعًا من اللهاث. «ما زالوا يكابدون هنا…» يقول بنظرته الكلبية. «أنا فتّشت المنطقة كلّها، وطاردت سنجابًا حتى حاصرته على صنوبرة وروّعته، وفرّقت السناجب المخطّطة كلّها، والتقطت أثر أرنب، بسّ الحظّ مش ماشي».

وكانا يدخلان ومعهما حصان، يعيرهما إيّاه الجار، فيوصلان مؤنًا أكثر. الحصان باكيل، الذي كان يحمل فيما مضى الاسم الفخور فاكيل، بُسِّط اسمه وخُفِّضت رتبته إلى باكيل الغامض المعنى، الذي لا يكلّ في الترحال. إذا توقّف الجدّ، انتظر الجميع؛ يستريح باكيل، وينطرح غروم على جنبه، ويلتقط تسوكتو أنفاسه، فهو يحمل على ظهره إطار حمل الأمتعة أو كيسًا، ومعه البندقية والذخيرة.

كان الجدّ يمشي متيقّظًا دائمًا، وإن يكن الدرب مألوفًا قد سلكه مرارًا. مفترق في الطريق، حجر لافت، شجرة منفردة بعيدًا عن غيرها، معبر فوق حجارة عبر جدول. يجب الانتظار… يقعد، ويقدح بزناده، فيرسل حراق الطحلب خيطًا من الدخان، ويشعل غليونه. يصغي: مَن يتنبّأ بأيّ أمارات، ولأيّ غرض. لا بدّ من أن يترك لهؤلاء المتنبّئين غير المرئيين حفنة صغيرة من الأرز الأبيض، وقطعة سكّر، ورشّة تبغ. يمتدّ وراءهما خيط من العلامات المميّزة، يربطهما بالدنيا التي تبقى خلفهما. أمامهما لانهاية مخيفة. وسكّان الغابة يراقبون من هناك، متيقّظين، يرونهما، ويحذّرون جميع أقاربهم ومعارفهم ألّا يقتربوا.

يعزم الجدّ على قلي أقراص الخبز. يعجن العجين ويفصل منه قليلًا، يخلطه بالملح وحده. ثم يرقّ من العجين المالح دوائر صغيرة، ويشكّل أيدي وأرجلًا ورأسًا. تبدو كأنّها بشر صغار، خايدابات. مرّة ومرّتين! ويثقبها بعود. نقاط في صفوف عدّة أو في دائرة. تتدفّأ الخايدابات عند النار، وتتصلّب. وإذا حدث ألّا ينام الجدّ، وقد أخذ الألم يلوي ركبتيه ويكسر أسفل ظهره، تحدّث إليها. يدندن شيئًا طويلًا ممتدًّا، كأنّه يبرم خيطًا ويسحبه من مكان ما في الماضي. ينحسر النوم عن تسوكتو، فيفتح عينًا قليلًا. الجدّ جالس يتمايل، كأنّ شيئًا يهدهده.

ترحل الخايدابات معهما. يتركانها في أماكن خاصّة بعينها. تسهر على ما وراءهما. ثم تختفي، ولا يبقى منها شيء. تحملها الطيور وحيوانات الغابة وتفرّقها، وتذوب بفعل المطر والرطوبة وتحت الشمس.

ولكن… لعلّ أحدًا يسير في أثرهما؟ خايداب، قرمشة! والتهمه. واحدًا، ثم الذي يليه.

ذهبا بعيدًا ذات مرّة، يشقّان طريقهما صعودًا بمحاذاة النهر، عبر المضيق. وهناك نهر آخر، أواكيتكا، عند أقصى منابعه. توقّفا للمبيت. ومن الصباح سارا في المجرى، تحصره جروف صخرية، وتنسكب الأحراج الكثيفة إليه من الشعاب. وفجأة، كأنّه نبت أمامهما! فُطير صغير من فطر الطحلب. صينيّ. بو هان. تسلك دربًا صغيرًا، فتصل إلى فسحته، حيث أعدّ مسكنًا محفورًا في الأرض.

لسبب ما، لم يندهش تسوكتو. كأنّ الرجل ينبغي أن يكون هنا، وهذا هو مكانه بالضبط. عجوز جدًا، ضامر، كجذر مصقول، بنّيّ اللون قليلًا، يطلّ من تحت قبّعته. يبدو أنّه كان ينتظرهما. فلا بدّ إذن أنّ له عيونًا وآذانًا خاصّة. تدحرج كلب صغير إلى أقدامهما، كأنّه قبّعة شعثاء. وبعد قليل جاء غراب. حطّ، ونفش ريشه، وأخذ يرمق بعينه، ساخطًا جدًا. هو صاحب المكان، وبهذه الهيئة راح يمشي.

كان بوخان قد أعدّ الشاي، فجلسا فورًا وشربا حتى ارتويا. وراح العجوزان يدخّنان غليونيهما. التفّ الدخان وتشابك، وهكذا شرعا يفهمان بعضهما. لمعت عينا الجدّ، وارتفع حاجباه، ومرّت ابتسامة كدوائر تنتشر على الماء. والصينيّ أيضًا رسم جوابه بيديه وابتسامته وعينيه وحاجبيه. وأضاف: تير دير! ابتسم الجدّ ابتسامة خفيفة وهزّ كتفيه. تيتسك تيتسك، قال. لغة طيور، لا يفهمها سواهما.

جلبا للصينيّ ملحًا ودقيقًا وطلقات وشايًا وتبغًا. وتسـوكتو أيضًا، كم حمل على ظهره حتى أنهكه التعب. وفي المقابل، سلّمهما بوخان ما يشبه كتلًا بنّيّة. ناولها بعناية، ملفوفة في قطعة حصير. وأخذها الجدّ بالعناية نفسها، وخبّأها في الكيس.

أخذ الصينيّ يقلي أقراص الخبز. ورأى تسوكتو كيف ثقب في بضعة أقراص، مرّة ومرّتين، ثقوبًا كنقاط بعود، بعضها في صفّ وبعضها متفرّق. وبعد وقت حملها إلى ناحية ووضعها على حجر. تمتم لها بشيء، وتلا عليها.

وعادا إلى بوخان بعد ذلك، وكان كلّ شيء على حاله. كان الربيع يبدأ في الاخضرار، أو الصيف يلفّ كلّ شيء بأنفاسه الحارّة، وأحيانًا كانت ريح الخريف تُسقط الأوراق المصفرّة. لعلّ تسوكتو سأل جدّه بالطريقة نفسها: تسيك تسيك تسيك؟ بالعينين والابتسامة واليدين. وأجابه الجدّ: تير دير، تير دير. بلغة الجبال والتايغا والأنهار والبحيرات. فهم تسوكتو كلّ شيء. الصينيّ يجمع راتنج الجبال، ولذلك يتبادلون. يأتي جامبال بهذا الراتنج إلى البيت، فتأخذه الجدّة تويانا. وتعطيه للعجوز خاندار. وعن طريق خاندار يصل بعد ذلك إلى الشامانة داغبا.

من الجيّد أنّ هذا العجوز الصغير يقف هناك، بين الحجارة، عند المنابع. ذلك بعيد جدًا. وراء الجدّ أولزي، ووراء جدّ أبي جامبال. يكون أهل الغابة قد انتهوا. وتكون الأشباح قد عبرت. أمّا هو فعند النهاية القصوى. أم عند البداية؟… الأمر يتوقّف على نظرتك. هذا العجوز الصغير يعيش كما ينبغي. حياته منسجمة، على وفاق مع الطبيعة. يتسلّق رؤوس الجروف الحجرية، وينقر راتنج الجبال من شقوق الصخور ودرجات الهوّات. أم لعلّ غرابًا مدرَّبًا يأتيه به؟

ولِمَ لا يغسل رمال الجداول في المنطقة ليستخرج منها الذهب؟ وإذا عثر على يشم نفيس، فلا بأس بذلك أيضًا. لعلّ الصينيين… أيّ صينيين؟… أولئك ناقلو الكحول الذين أُحرقوا منذ زمن، وغُربل رمادهم وذُرّي؟ حسنًا، لا يهمّ. تلتفّ الريح وتثير دوّامة من الرفات، فيُنسج من الرماد على الفور شبح رماديّ. حاضر للخدمة. يعرف كلّ الدروب، فيهبّ، خفيًّا وسط الدوّامات، ويحمل الطرد في لمح البصر إلى بلاد تحت السماء. وفيه رمل الذهب أو شذراته، واليشم.

وراء بوخان، بين الحجارة، حيث ينبع أواكيتكا وأعلى من ذلك، يوجد ينبوع السواد. يخرخر، ويفيض، ويغذّي التايغا كلّها. على بطن العجوز تتّقد نقاط صفراء، وتضيء في العتمة. وماذا لو غاب، واختفى تمامًا؟ سيغطّيه النهر الهادر، والأحراج التي لا تُخترق، وحقل الركام الصخري في الأعالي، والقمم العارية المسنّنة البعيدة. ستلحسه بلسانها. ستبتلعه. ولن تبقى إلا النقاط الصفراء، عيون الذئاب. وإلى الجانب سيقعد الكلب الصغير الأشعث، وينكمش الغراب نافشًا ريشه في سخط.

ظلّ أولئك الذين قفزوا من القارب الحديدي المشتعل في اللحظة الأخيرة قبل الاصطدام يطيرون زمنًا لا يوصف طوله عبر فراغ الكون. تساقطوا في قلب التايغا. كادوا يتجمّدون، لكنّهم اجتذبوا الأيائل كالمغناطيس، فتوافدت من كلّ مكان. تعانق الوافدون معها وبكوا. لقد طال غيابهم بعضهم عن بعض، وها هم قد التقوا أخيرًا.

كان تسوكتو يركض في الدرب، وكأنّه في مركز الدوران. تومض حوله أشجار الصنوبر ذات الأجساد النحاسية، وتنزلق بقع الشمس على الأحراج. تتراقص الأوراق، وتتبدّل في تموّجات خضراء داكنة وفاتحة برّاقة. فرّقت الريح في بعض السماء ريشات السحب الطويلة المتناثرة، وجمعتها في بعضها الآخر أكوامًا، وسائد من الريش.

كان تسوكتو يظنّ أنّ الدرب وُلد دربًا منذ البداية. نما شيئًا فشيئًا، وامتدّ عبر الأنهار والجداول، وعلى السفوح، وعبر المضائق. ارتقى الممرّات الجبلية الشديدة الانحدار، وتسلّق السلاسل البعيدة. وُلد له أطفال: تفرّعت دروب صغيرة عن أمّها الدرب. جرت في تلالها وسفوحها، واستقرّت هناك. هذا الدرب، ثم أبناؤه وأحفاده الآن، نمّاهم إذن كثيرون من أهل التايغا الذين عاشوا من قبل، وشقّوا مسالكهم بالمشي. كم منهم مرّ خلال هذا الزمن الطويل؟ حتى الدرب شاخ. التفّت عليه جذور غليظة كعروق بارزة، وحُفر وتثلم حتى صار ركامًا من الحجارة.

كانت الأمطار قد هطلت قبل ذلك، فطال مقامه مع الجدّ في المخيّم. خيّم غيم رمادي كالح، وكان المطر يكاد يهدأ، ثم ينهمر من فوره بكلّ قوّته. ضاق بكلّ شيء، والمؤن أيضًا شارفت النفاد. فركض تسوكتو إلى القرية، فلا بدّ من شيء يروّح عنه. يا ليته يبلغ البيت سريعًا!

تلبّدت السماء بالغيوم منذ الصباح، لكنّها وهنت، وتغلّبت عليها الريح وفرّقتها. صار الأمر أبهج. الرحلة تستغرق يومًا كاملًا تقريبًا، وقد نهض باكرًا، وسيصل إلى القرية راكضًا عند المساء. يتقلّب الدرب صعودًا وهبوطًا عبر أقدام الجبال، التي ستنبسط قريبًا، وتمتدّ تلالًا واطئة.

في المنخفض كان نهر يتلاطم برنين؛ لا بدّ أنّه بولونيفكا. ومن فوقه لسان رمادي مكسوّ بالطحلب من الركام الصخري، يتدفّق التيّار من تحت حجارته. هناك في الأعلى يسقط جدول ريشيتيخينسكي شلّالًا، وتوجد الينابيع التي زارها مع الجدّ. لكنّ ذلك كان منذ زمن بعيد.

سار تسوكتو، وقد علّمته حياة التايغا وعلّمه الجدّ، متيقّظًا، يحاول أن يلحظ كلّ شيء. لكن لم يكن هناك شيء غير عادي، لا أغصان مكسورة حديثًا، ولا آثار ظاهرة. لعلّ أحدًا يتنبّأ بأمارات ما… ولكن هل تُسمع في أصوات سكّان الغابة أم لا؟ رجفة في الأوراق، وحفيف في رؤوس الصنوبر. ترفع الطيور الصغيرة زقزقتها في ناحية، ثم في أخرى. كأنّ الريح ستنتزعها وتحملها وتعلّقها بالأغصان في مكان ما. وكان خيط الدرب المرشد يجري أمامه، ويدعوه إلى الإسراع إلى البيت.

في الأسفل يضجّ جدول فوق الحجارة، ويشقّ طريقه عبر النباتات الكثيفة. لا اسم له، لم يسمّه أحد بشيء. والمعبر فوق حجارة؛ هنا يمكن أن تخطو، وهناك أن تقفز. وحين نزل واقترب من الجدول، فإذا… لقد ارتفع كثيرًا بعد الأمطار، وصار فوّارًا، وغمرت المياه حجارة كثيرة، وأغرقت حافّة الضفّة. انسابت سيقان طويلة تتمايل في التيّار، وكانت الأغصان المتدلّية الواطئة تعترض دفقات الماء. وبكيس على ظهرك، لن تستطيع القفز كثيرًا.

قبل المعبر فسحة صغيرة، وفيها موضع نار قديم كادت الأعشاب تغطّيه. التقط غصنًا مستقيمًا متينًا، متفحّمًا عند أحد طرفيه. يمكن أن يجعله عصًا يتّكئ عليها ليثبت فوق الحجارة. ولكي يهيّئ الطرف المتفحّم لقبضة يده، أخرج فأسه الصغيرة، وضربه مرّات يشذّبه. أصاب فحمات أو فتات حجر في موضع ما… فطار شيء، وضرب عينه!

لسعته وخزة حادّة، كأنّ مخلبًا انغرز فيها! أخذ يتحرّك ويمزّق تحت الجفن. حتى إنّ تسوكتو ارتدّ إلى الوراء!.. لوّح بيديه، ثم مسح عينه بكفّه على الفور، ليخرج تلك القذارة! كانت يده متّسخة بالسخام والهباب. فازداد الأمر سوءًا، واغرورقت عيناه بالدموع، ولم يعد يرى شيئًا، ولا يستطيع التقاط الفتاتة، فقد انغرست. ولا الرمش يخرجها… حجبت بقعة سوداء لاذعة الدنيا كلّها.

أسرع يخوض الماء، متزلّقًا فوق الحجارة. اغترف بكفّه من التيّار السريع، لكنّ الرمل اختلط بالماء. خطا أبعد، وقرفص، وأخذ يرشّ عينه برذاذ جليديّ واخز. لكنّه لا يستطيع البقاء في الماء طويلًا، فتراجع، وتشبّث بغصن لينهض. كانت جذور الصنوبرة قد انغسلت التربة عنها وانكشفت. تراجع في موضع ما، فانزلقت قدمه، وارتطم بشيء وهوى حيث هو. تمايل الألم وتدحرج إلى قفاه. دارت البقع، وتموّجات الأوراق، وتدرّجات الضوء… وغاب كلّ شيء برهة.

لكنّه بدا كأنّه استعاد وعيه. الألم في اليمين، في العين. ما زال شيء عالقًا فيها، يهيّجها. رمش بعينه اليسرى حتى انقشعت، وكلّ شيء مغبّش بالدموع، في ضباب. وفي الوقت نفسه أحسّ… بحركة ما؟ نَفَس دافئ. رائحة. وكأنّ… رنينًا خافتًا… عزف مغنّين لا يُرون عند جذور الأعشاب، وقفزات جنادب تصرصر، وطنين خنافس غليظ، وخطوط ترسمها يعاسيب مرتعشة. رائحة الريح والشيح المائلة إلى المرارة، كأنّك تقطف الأعشاب وتفركها في راحتيك. هكذا تفوح شعور فتيات السهوب. تفرّقت البقع، ثم التأمت. إنّها هيئة إنسان، أحدهم قرفص أمامه.

تفرّق الشعر الداكن خصلات. فتاة! وفورًا تعلّقت نظرته بشيء… ولو كانت نظرة عين واحدة، ولكن… كاد يُعمى بها هي الأخرى! أخدود أسمر لمّاع بين الثديين، وهما يُستشفّان تحت رداء الفرو. وثدي منهما، كأنّه يستطلع بفضول، يوشك أن يقفز ويظهر! ركبتاها قريبتان جدًا، متباعدتان، وبريق الشمس على الاستدارات بلون البرونز الأسمر. اقتربت الفتاة، ومالت نحوه… لا، إنّه حلم. حلم، طبعًا، فكّر تسوكتو. حسنًا، فليستمرّ. شفتاها اللتان تبتسمان قليلًا. كانت تبتسم!

أخذت وجهه براحتيها الغابيتين الدافئتين، وجذبته نحوها، ولم يلمح إلا لسانًا صغيرًا! لحست، واجتذبت الفتاتة بطرف لسانها كالمغناطيس، وسحبتها من عينه. رأى كلّ شيء في الحال… وعاد ضجيج الغابة فورًا، وأحاط به. تدفّق من بقع الشمس. لكن أين هي، تلك الفتاة؟ تدحرجت ضحكة رنّانة، وأخذت تبتعد، لاعبةً بقطع نقدية فضّية في الأوراق المرتعشة. كان جالسًا، مسندًا ظهره إلى جذع. ولم يكن على صدره إلا غصين روان ذي خمس أصابع، أُلقِي إليه. بضع حبّات حمراء زاهية. ذكرى شيء مرّ خاطفًا ولم يتحقّق، اختزنته تلك الحبّات في داخلها. السماء بسحبها الجارية، واللمعات المنزلقة على أجساد الصنوبر النحاسية، وبقع الشمس على الأوراق، وتلاطم دفقات النهر. كأنّ كلّ ذلك كان يحفظ سرًّا. شيئًا مستترًا، لم يُقَل.

3

كان تسوكتو يتذكّر رائحة البنزين وزيت الآلات الساخن أيضًا. الجرّار الزائر بصوته الذي يركبه مع عمّه غالسان. وعمل العمّ أن يدير بثقة قرص ساعة أسود كبيرًا مع عقارب الساعة وعكسها. المقود عجلة الزمن، التي تتحكّم في عجلات الجرّار. يدور الزمن هكذا وهكذا، يمينًا ويسارًا، في راحتين قويتين مدهونتين بالزيت، منقّطتين بآثار الحروق وذرّات السخام. وهناك عجلة صغيرة للزمن على معصمه، يشدّها حزام، وعقربها يجري دائمًا، يجري في دائرة كأنّه مسحور.

يقرقع صندوق المقطورة، ويتلفّع «البطل الأحمر» بالعادم. ويساعده العمّ بدخان سيجارته، فينسحب الدخان المزرقّ إلى الخلف. تنطح الآلة بجبهتها الأغصان المتدلّية، وتغوص في حفر الطريق الذي جرفته المياه. تتساقط الأوراق من الأغصان، ومعها زخّة قطرات ندى كبيرة، تقفز برنين وتتبعثر كرات صغيرة لامعة… هذه الكرات هي كرات المحامل التي عند غالسان، كنوزه المخبّأة في علب حديدية في ورشته. يستطيع العمّ أن يصنع في ورشته أيّ شيء، حتى سكّينًا قابلة للطيّ! وأيّ طُعم معدني للصيد، ومختلف أدوات صيد السمك. لكنّ ذلك إذا ساعدته شتاءً في إزالة الثلج، وصيفًا في جزّ الأعشاب الضارّة الكثيفة في فناء ورشته.

كان «البطل الأحمر» يجرّ جذوع الأشجار وأكوام الدريس وبراميل الوقود. ينفث دخانًا من أنبوبه، ويربط بين مخيّمات الرعاة البعيدة، ومواقع قطع الأخشاب في أعماق التايغا، ومروج الحشّ في سهول الأنهار الفيضية. كانا يذهبان إلى مركز الأيماق، ويأخذان الحمولة اللازمة. والناس يطلبون حمل هذا إلى هناك، وجلب ذاك من هناك، كلٌّ بحسب حاجته.

ذات مرّة ذهبا إلى مكان بعيد. كان الجرّار يقرقر بشبع، يأكل الطريق، ويبتلعه كيلومترات كاملة. تظهر آثار العجلات واضحة حينًا، وتختفي حينًا، مستترة بالأعشاب التي ارتفعت. ويُظهر السهب الذي لا ينتهي جانبًا منه ثم جانبًا آخر، فالعمّ يدير المقود… والأفق البعيد لا يفكّر أصلًا في الاقتراب. كان تسوكتو ينام ويستيقظ، ويظلّ يتأرجح على المقعد كما كان. والجرّار يزمجر، والعمّ غالسان ثابت لا يتحرّك، وحدها سيجارته تدخّن بين شفتيه المطبقتين.

أخذت أعراف العناقيد العشبية الشائكة الذابلة المحروقة، البنّيّة والصهباء، تزحف إليهما بكثافة وتحيط بهما من كلّ جانب، وقد علقت فيها كرات الأعشاب المتدحرجة اليابسة. امتدّ وراءهما لسان طويل من الغبار البنّيّ، وأحيانًا يرتفع سحابة تلحق بهما، وتغطّيهما بخصل رمادية متسارعة تنسج حجابًا حول كلّ شيء. وفوق الجرّار، عند مقعد سائقه، خفق شراع من القماش المشمّع على أربعة أنابيب حديدية، لكنّه لم يقِ من الشمس ولا من الغبار المرّ إطلاقًا.

والعمّ أيضًا بطل، بالطبع. لكنّه حين كان مراهقًا يعمل في قطع الأخشاب، ويساعد أباه وإخوته، سقطت شجرة فسحقت ساقه وشوّهتها. أنقذوا الساق بشقّ الأنفس، ومنذ ذلك الحين يمشي متمايلًا، يعرج. وهو يكون بطلًا «أحمر» أيضًا أحيانًا. يحمرّ وجهه، وأنفه قرمزيّ تتخلّله عروق. لأنّ «القنينة لا تتركه وشأنه»، كما تقول الجدّة رادنا. وإذا صدّقنا الجدّة، فالقنينة تستطيع أن تعرقل غالسان بحركة بارعة فيسقط أرضًا، وأن تدفعه بكلّ قوّتها إلى خندق ما، وأن تطبع تحت عينه كدمة هائلة. نعم، تظهر القناني حين يكثر تردّد مشغّلي الآلات والسائقين، وكلّ من في حوزته آلة، على ورشة العمّ. فالسيّارات والآلات تتعطّل، ولا بدّ من المساعدة في إصلاحها. فهو أفضل سائق جرّار في الأيماق. الأفضل والوحيد، لأنّ «البطل الأحمر» أيضًا واحد لا ثاني له في تلال السهوب كلّها، ومناطق حشّ العشب، ومواقع قطع الأخشاب.

ولكيلا يستسلم لخدر النعاس، كان غالسان يرفع أحيانًا أغنية طويلة متمهّلة، محاولًا أن يعلو بصوته فوق قعقعة المحرّك. وفي كلّ مرّة يبتكر كلمات أخرى ويُدخلها، بحسب الطقس أو مزاجه. تنتشر الأغنية فوق رحاب السهوب… «كالعجول المرحة كنّا نلهو في مرج الربيع! أنتِ أنثى اليحمور المرتعشة، وأنا ذكركِ ذو القرون! أنتِ أنثى الأيل الأحمر في غابة البتولا الخريفية، وأنا أيلكِ الأحمر في أشعّة الشمس الغاربة! أنا فحلكِ القويّ، وأنتِ فرسي الفتيّة!..» حتى مراميط التارباغان الفضولية كانت أحيانًا تطلّ من جحورها، وتتجمّد، ضامّة قوائمها الأمامية كالمصلّين، مأخوذة بالإصغاء.

وكان العمّ يدع تسوكتو يقود أحيانًا! يدير المقود، فيشرع السهب في رقصة يوخور دائرية لا تنتهي… فيأخذ رأسه بالدوران! وما إن يحسّ الجرّار بضعف اليدين القليلتَي الخبرة، حتى يرفس بمهارة، وينخر مستاءً، وينحرف وحده إلى الجانب، باحثًا عن خنادق عميقة. حتى الطريق، الذي كان مستويًا قبل قليل، ينتصب فجأة، أو ينقطع في هاوية. «إيه، لا يا ولد، بلا حماقة!» يستعيد العمّ المقود فورًا، ويروّض الحصان الحديدي. وفورًا ينبسط الطريق تحت العجلات كمفرش مائدة. ذلك الخوف وتلك النشوة لا يُنسيان بالطبع، ولا شيء يُقارَن بهما!

كان «البطل» يسخن بين حين وآخر، ويغلي، ويلسع الزيت المحترق العيون. يتوغّل العمّ في أحشائه التي تغلي وتقرقر، ويمارس سحره بالمفاتيح والشتائم البذيئة. ولكي يريحا المحرّك المتقلّب المزاج قليلًا، كانا يحتميان بالظلّ، ويشربان الشاي ويغفوان.

في بعض المواضع كان السهب يرتفع، كأنّه يتنهّد، ويستنشق صدره اللامتناهي السماء التي فوقه، ثم يخرج زفيرًا بطيئًا طويلًا. تكاد تلك الارتفاعات والانخفاضات لا تُلحظ، سوى أنّ الجرّار يأخذ في الزمجرة بصوت أغلظ، ويسرّع نبض محرّكه.

— يبدو أنّنا دخلنا في غير الطريق، — قال غالسان، وقد نهض قليلًا يتفحّص البعيد من تحت كفّه، — من هنا أقصر على ما أظنّ، يمكن أن نختصر… يُفترض أن يكون هناك طريق قديم.

— ماذا… أنحن نسير خطأ؟ وإلى أين نذهب؟ — لم يكن تسوكتو قد خاف بالضبط، ولكن إن كانا قد ضلّا، فسيبقيان هنا، وسط السهب.

— لا، لا بأس. هناك مجرى قديم جافّ. الطريق يعبره في موضع ما. لكن هناك، أبعد. يبدو أنّنا لم نبلغه بعد.

ظلّا طويلًا يهتزّان في المجرى الحجريّ، يلتفّان حول الأخشاب الطافية المبيّضة، وتدور عجلاتهما عبثًا في الترسّبات الرملية. تسلّقا سفحًا يتفتّت، وتوغّلا في السهب من جديد. وفجأة ظهر بعيدًا، على تموّجة منبسطة من السهب، خطّ رمادي ما، علامة، حجر ينتصب بغرابة. كأنّه دمية حجرية مائلة إلى جانب، أو رضيع كبير لُفّ ببطّانية رمادية كلّها نقر وثلم، وأُوقف منتصبًا في مكان خالٍ، لا يُعرف لماذا. وحين اقتربا، بدا كأنّه تمثال حجريّ. يحرس السهب، يقف هنا وحيدًا، وحيدًا تمامًا في الأرض كلّها.

أطفأ العمّ المحرّك بحدّة غير معتادة، كأنّهما اصطدما بحاجز لا يُرى. حتى إنّ «البطل» زمجر مستاءً. نزل، يمرّن ساقه التي يعرج عليها، وربّت على خاصرة حصانه الحديدي الساخنة. وقف طويلًا يتلفّت. أخرج بحكم العادة علبة سجائره، ونقر عليها بسيجارة. لكنّه تدارك نفسه في الحال، وخبّأ العلبة.

— ها أنت ترى ما في الأمر، — بدا العمّ حائرًا أو منزعجًا لشيء ما. — وأنا كنت أظنّه مجرّد اختلاق. تعرف، كلام ناس، يثرثرون وبسّ. عن هذا الحجر.

— وماذا عن الناس… لماذا يتحدّثون عن هذا الحجر؟ — أحسّ تسوكتو أيضًا بالوحشة في تلك الزاوية المقفرة النائية من السهب. في موضع محجري عينَي التمثال نقرتان واضحتان، كأنّ كفَّي طفل ضغطتا عليهما. لكن، إذا أمعنت النظر، وجدت سطحه كلّه متفتّتًا بثقوب، تملؤه هنا متجمّعة وهناك متناثرة. ومواضع تشظٍّ، وأخاديد خدوش عميقة. كثير منها تآكل وبلي بفعل الجوّ. كأنّ شياطين الليل كلّها مزّقته بمخالبها.

— أصلًا… كأنّه لا يُفترض أن يكون هنا. فهذا يعني أنّ الداتسان القديم أيضًا في مكان قريب. لكنّهم يقولون إنّهم يصادفون هذا الحجر في أماكن مختلفة. هو بنفسه، يعني… ينتقل من مكان إلى مكان. كأنّه يتحرّك.

يتحرّك؟ فأين آثاره إذن، أثر جرّ أو شيء من هذا؟ واضح أنّ الحجر غائر راسخ في الأرض، وقد التفّت بأسفله أشواك الأعشاب المتدحرجة والسيقان والعناقيد العشبية.

— لا أدري، قليلون يعثرون عليه… يصادفونه في السهب. يقولون إنّه اللاما العجوز خاندا تحوّل إلى حجر. هذه قصّته، — وسكت العمّ، يقضم ساق عشبة يابسة.

وسكت الجرّار أيضًا، وكفّ عن النفث. من دونه صغرا على الفور، وصارا كعودَي عشب تحت السماء المبيّضة، كأنّهما في مركز قرص ساعة، وحولهما زجاج الساعة المنحدر الملتهب، زجاج السهل في سراب مرتجف متموّج. كان عقاب بحريّ يحوم في سمت السماء كصليب صغير، ويظهر ثانٍ وثالث، ثم يبقى وحده من جديد؛ لعلّها كانت تتناوب هكذا، تراقب ما يجري. لفّ الصمت المكان كلبّاد كثيف. وإن يكن هذا اللبّاد، كغطاء شائك، محشوًّا بالحفيف والطقطقة، وبرنين مزعج لجنادب تنطلق ويعاسيب ترفرف وخنافس تطنّ بصوت غليظ. وفوق ذلك كانت ذبابات خيل هائلة تحاول أن ترتطم بهما بكلّ قوّتها، مستهدفة العنق أو اليد، لتغرز إبرها الماصّة للدم، فلا يكادان يلحقان بإبعادها. لا تبدو نسمة واحدة، لكنّ حيّات صغيرة من الريح كانت تظهر فجأة وتنزلق، وتفتل دوّامات من الغبار.

— لا، لكن لماذا إذن، يا عمّي… معنى ذلك أنّ… — لم يطق تسوكتو الانتظار ليسأل.

— حسنًا، يا تسوكتوشكا. لنسكت قليلًا، — قاطعه غالسان، — سأحكي لك بعدين. فلنترك هنا شيئًا. ونمضي على مهل.

ربّت على جيوبه، وأخرج بضعة أعواد ثقاب من العلبة، وسيجارتين، وقطعة نقدية كانت منسيّة فيها. أمّا تسوكتو، فليس في سرواله جيوب أصلًا! لكن فيه رقعة، صحيح. وهي تصلح جيبًا أيضًا. ففيها، في الرقعة، خبّأ كرات محامل لامعة. كنز من العم غالسان. تدحرجت الكرات اللامعة في العشب. وانعكس فيها الحجر الرمادي الصامت، الذي كأنّه ينظر بمحجريه الأعميين. ويخيّل إليك أنّ خيوطًا خفيّة تمتدّ منه إلى عقاب بحري واحد، أو اثنين، أو ثلاثة. وانعكست الطيور فيها بحسب ترتيب ظهورها وتلاشيها، واختفائها في السماء. وكان ثمّة من يوجّه الجنادب هنا أيضًا، والخنافس ذات الطنين الغليظ، وأفاعي الغبار الصغيرة التي تظهر وتختفي.

وها هو الغراب حاضر هو أيضًا. جاء طائرًا، وصفق بجناحيه على جنبيه. أكيد، سيسرق الآن أعواد الثقاب، ويحكّ واحدًا بجنب الحجر الخشن، ويشعل سيجارة بيلومور. 3* ثم يمشي ويتأمّل وهو يدخّن. إذا كانت الغربان تعيش ثلاثمئة سنة، فلا بدّ أنّ لديها ما تتذكّره. ها هو ينظر بطرف عينه السوداء، اللامعة كزرّ صغير. أم تراه قد وضع عينه على كراته؟ عندها تضيع كرات المحامل، ولن يستردّها.

دبّت الحياة أخيرًا في الجرّار، وأخذ يطقطق مسرورًا. وغابا من جديد في السهب. كان هيكل عظمي ابيضّ بفعل العوامل يلوح أحيانًا على سفح هنا أو هناك، أو جمجمة غزال الريم. فالذئاب تعيث هنا في الليالي الشتويّة القارسة، وهذه مناطق صيدها. وقبلها كانت عصابات الحرس الأبيض تجوب السهب. هزمتها وحدات الجيش الأحمر في أرجاء سيبيريا، فكانت تفرّ إلى منغوليا. ثم شتّتوا شملها هنا. لكن لعلّ رشّاش «ماكسيم» معوجًّا محطّمًا يصدأ في أخدود ناءٍ، تستره الأعشاب الجامحة والشيح المرّ. غمرته الرياح بالرمال، وحفرت السناجب الأرضيّة ممرّات وجحورًا، وصارت تختبئ تحت درعه، في ثقوب الرصاص، من الحدآت والعقبان البحريّة التي تحوم في السماء، تترصّد فرائسها بعيون حادّة. وربّما أمكن العثور على بندقيّة، بل على سيف فرسان حقيقي. صحيح أنّ تسوكتو لم يعثر قطّ على شيء. إلّا عشر فوارغ طلقات أو عشرين، اسمرّت وتناثرت في العشب. لعلّ أحدهم كان يردّ النار بيأس؟ فكم من الناس لقوا حتفهم على هذه السفوح والتلال، من رجالنا ومن الأعداء. وإذا لم يُدفنوا كما ينبغي، صاروا أشباحًا تجوب المكان ليلًا.

تكون هنا وهناك حجارة متناثرة، لا يُدرى من أين جاءت، كأنّها أُلقيت من السماء مباشرة، أو تكون مرصوصة بعضها فوق بعض. لكنّ عوامل التعرية هي التي نحتتها وفصلتها طبقات. ولا بدّ أن يحطّ غراب على حجر منها أو على كومة حجارة. أسود تتخلّله لمعات شيب. لعلّه الغراب نفسه يتبعهما، متنقّلًا من موضع إلى آخر؟ أم أنّها غربان مختلفة، ينقل كلّ منها خبرهما، ويبلغ جاره: ها إنّ فلانًا وفلانًا يركبان تلك الطقطاقة النافثة.

يفكّر تسوكتو أنّ الغراب يرى كلّ شيء من فوق، ولا يفوته شيء. بل يعرف أين يوجد «ماكسيم» الصدئ، وأين أُقيمت المخابئ السرّيّة أيضًا. هناك أخفوا بنادق جديدة وذخيرة ملفوفة بورق مزيّت، داخل صناديق خضراء طويلة. حتى العم عنده صناديق كهذه في الورشة. هي صناديق عسكريّة طبعًا، لكن… لا، ليست من صناديق الحرس الأبيض. يحتفظ فيها بقطع غيار نافعة مختلفة. وقد أخفى رجال الحرس الأبيض الثروة التي نهبوها أيضًا، فما كانوا ليحملوها على ظهورهم، وهم يتناقصون أكثر فأكثر.

رأى الغراب، ولعلّه يعرف أين ذلك المكان… يسمّونه المرج الحادّ. هناك كان جنود الجيش الأحمر ينصبون الكمائن ويسوقون قطّاع الطرق البيض قطعانًا. ويقولون إنّهم جميعًا كانوا يقعون تحت «نيران مباشرة من مسافة قريبة». كانوا يحصدونهم جميعًا بالرشّاشات صرعى!

— عمّي، يا عمّي، — كان تسوكتو يريد أن يعرف، — أتعرف أين ذلك… المرج الحادّ؟

— همم، أين هو… — كان الجرّار ينفث عادمًا مائلًا إلى الزرقة بإيقاع منتظم، والعم، مستغرقًا في التفكير، ينفث عادم سيجارته. — بعيد، في الحقيقة. في ذلك الاتّجاه عمومًا، إذا سرت مستقيمًا، أقرب إلى الجبال. هناك غوليانوفكا. نهر صغير اسمه غوليانكا. ثم أبعد من ذلك أيضًا. بقعة اسمها المرج الحادّ. وما شأنك به؟

تجمّد الأفق البعيد، وسكن، وكأنّه يرتعش في السراب. حتى عقرب الثواني في ساعة العم تجمّد، ولم يعد يجري إلى أيّ مكان. اشتدّ عليه الحرّ، فنام.

— كانت هناك مفرزة… مفرزة من الجيش الأحمر. كانوا يقاتلون قطّاع الطرق. وهناك حصدوهم جميعًا حصدًا!

— نعم. قتلوا كثيرين. أهل المكان يلتفّون حوله من على بعد عشرة كيلومترات. يخافون.

كان الحرّ يضغط كلوح ساخن، وفجأة تنتفض أحيانًا خصل من دوّامات الرمل، تلفّ في قمعها كرات العشب المتدحرج، والأشواك اليابسة، والأعشاب المقتلعة المجفّفة. وأحيانًا كانا يدخلان مكعّبات شفّافة من رائحة الشيح، تقف كثيفة، ساكنة، في هذا الموضع بعينه. ثم يختفي نقيع الشيح بعده ويتبدّد. وفي مكان آخر يعود ذلك الغطاء الزجاجي الذي تكاثفت تحته الرائحة المخدّرة.

— هناك أشباح، صحيح؟ أشباح تسكنه؟

— لا، أيّ أشباح؟ مكان سيّئ. لا خير في الذهاب إليه. ومن قال لك هذا؟

— بولاتكا، ربّما. وهو سمعه من الأولاد الأكبر. كثيرون يقولون ذلك.

— نعم، كانت هناك تلك المفرزة. بلا رحمة. حثالة، باختصار. كانت تتزعّمهم امرأة، جنديّة من الجيش الأحمر… أو ماذا يسمّونها؟ — مفوّضة. لم تكن روسيّة ولا بورياتيّة، ولا يُدرى ما أصلها. ولعلّها لم تكن امرأة أصلًا، بل شيطانًا بسروال جلدي! سترة جلد سوداء، وجزمة، وأحزمة تلفّها، وماوزر على جنبها.

— آه، أعرف. إنّها المفوّضة السوداء، صحيح؟ — كان تسوكتو يتلهّف إلى أن يقول شيئًا من عنده أيضًا. — الجدّ حكى عنها. هم نهبوا الداتسان القديم، أليس كذلك؟ ثم أحرقوه.

— أغلقوا الداتسان أوّلًا. وكلّ جنود الجيش الأحمر، وكلّ الفرسان الحقيقيّين، اختفوا من المفرزة إلى مكان ما. ولم يبقَ غير قطّاع طرق يعيثون فسادًا. جاءهم أمر: هاتوا نسجّل كلّ الحيازات، ونعدّ الماشية، كم عند كلّ واحد. بدا الأمر طيّبًا، السلطة السوفياتيّة ستساعد، وما إلى ذلك. لكن هيهات! أخذوا من الجميع بلا تمييز، من الغنيّ ومن الفقير. أوصلوا الناس إلى الموت جوعًا. ومن لا يوافق، فله ساعتان ليجمع متاعه، ثم إلى العربات. وتدحرج الناس إلى المجهول ككرات العشب التي تذروها الرياح.

— لكنّها، المفوّضة السوداء، جُنّت بعد ذلك، — تدخّل تسوكتو بملاحظته.

— كفى كلامًا فارغًا. كانت تتصرّف كالمجنونة، نعم. كلّ شيء مباح لها، وكانت تنتشي بسلطتها. ثم جاءتهم ورقة أخرى عليها «الختم الثوري». إغلاق جميع الأديرة والداتسانات، واللامات إلى المنفى والسجون. اندفعوا إلى الداتسان القديم، حيث كان اللاما العجوز خاندا يخدم. الجميع يعرفون خاندا العجوز، والجميع يقصدونه، فهو يفصل في خلافاتهم جميعًا. أخذوا يمسكون خاندا، لكنّ أهل السهب الموجودين هناك هبّوا للدفاع عنه. أخذ أولئك الشياطين يدورون كأنّهم على مقلاة. هم نحو عشرة، والناس كثيرون! لكن لا سبيل لهم إلى التراجع، فأمسكوا خاندا في النهاية. لفّوه في كيس، ورموه على كفل حصان أسود. ثم اندفعوا كالإعصار، وانطلقوا يعدون.

— يا للعجب! وماذا حدث بعد ذلك، يا عمّي؟

— كانوا يعدون… وهناك ريح، والرمل يدور في كلّ مكان. لا شيء يُرى. ثم نظروا، فإذا خاندا غير موجود. سقط الكيس الذي فيه في مكان ما. رجعوا يبحثون. فرأوا الكيس، لكنّه قائم، كأنّه مغروس في الأرض. وليس كيسًا، بل حجر. اللاما خاندا تحوّل إلى حجر! خافوا إلى حدّ أنّهم أخذوا يطلقون النار عليه. ذلك الحجر نفسه، رأيته هناك؟ ثقّبوه كلّه، تلك آثار الرصاص.

— يا للعجب! إذن نحن وصلنا بالضبط إلى…

— لا أدري، يا تسوكتوشكا. هذا ما يقوله الناس. وهناك انقلب الأمر على هذا النحو أيضًا… على صوت الرصاص ظهرت عصابة أحد الأتامانات، راتنيكوف. ما الأمر، وما هذا الاشتباك؟ وإذا بها تلك المفوّضة وأذنابها! طاخ طاخ! أخذوا يسقطونهم واحدًا تلو الآخر من بعيد. لم يكن في العصابة إلّا خمسة رجال، آخر من بقي. قالوا في أنفسهم: الآن ستنشب معركة. لكن أين؟ أولئك نفدت ذخيرتهم. أنفقوها كلّها على خاندا الحجري. ولّوا هاربين، لكنّهم أسقطوهم.

— والمفوّضة السوداء أيضًا، إذن…

— تلك المفوّضة… ربطوها بحبل كمند إلى حصان منغولي متوحّش، ثم صفّروا، وهووا عليه بالسوط! فانطلق كالمخبول إلى السهب. وأخذت تتخبّط على الأرض حتى انسحق جذعها وانمحى إلى الساقين. لم يجدوا بعد ذلك إلّا الساقين، مربوطتين بالحبل. هكذا يقول الناس في السهب.

في الأزمنة البعيدة لم يكن الدرب إلّا أثرًا سوّته الوحوش المرهفة الحواسّ، ثم اجتازه أوّل صيّاد جسور، فوسّعته ووطئته أجيال الصيّادين التالية. وكان كأنّه يصل بين جذوع صنوبر مميّزة، عليها شقوق فؤوس أوشكت أن تلتئم، وغاصت عميقًا في الجسد الراتنجي، تشبه آثار أكفّ بشريّة تدلّ على الاتّجاه الصحيح. بعض الأشجار اليابسة، وقد تعبت من مقاومة الرياح الشريرة، سقطت، متقاطعة فوق السطر المطروق الذي يخيط آماد الغابات والجبال.

يزداد ضجيج الربيع في التايغا تعدّدًا في أصواته كلّ يوم. تهدأ الرياح الرطبة القارسة، وينقلب الجوّ إلى أنفاس دافئة تهبّ من السفوح التي سخّنتها الشمس، وإلى عبق الراتنج في الجذوع والأغصان الإبريّة. تمتلئ الجداول الصغيرة قوّة، وتقوّض بلا هوادة درع الأنهار الجليدي. ويعلن نقّار الخشب بطرقه المتتابع لسكّان التايغا أنّ وقت الاستيقاظ قد حان، وتُجري طيور القيق الصخّابة نداءها الصباحي: هل الجميع في أماكنهم، وهل اجتاز الجميع الشتاء القارس؟ تهبط قبّعات الثلج المثقوبة بالأشعّة، وتتشرّب الرطوبة، وتصير كشرائح خبز رماديّة مساميّة ابتلّت بالماء. وتبرز الظلال أشدّ وضوحًا، ترسم التلال بشرائط متناوبة من الأزرق الباهت.

كان الدرب يتسلّق بلا كلل، مقتحمًا المنحدر الشديد بما عليه من ألسنة حجريّة ممدودة من ركام الصخور. وبقيت وراءهما الأحراج التحتيّة من الحور الرجراج والبتولا التي نمت في مواضع الحرائق. احدودب الممرّ الجبلي وبرز أمامهما منذرًا تحت سحب متورّمة. فتارة يبدو قريبًا جدًّا، وتارة يبتعد، وفق قانون عجيب للمنظور يغيّر المسافات في الجبال، حتى يخال المرء أنّه لن يبلغه أبدًا. كان سرج الممرّ مستويًا، تتخلّله مسطّحات صخريّة جرداء. واشتدّت الريح، تنفخ السحب القلقة وتدفعها.

كان تسوكتو يحمل كيس الرحلة والبندقيّة، ويمسك الفأس مستعدًّا. وكان عليه بين حين وآخر أن يرتدّ ويلتفّ حول حواجز الأشجار المقتلعة التي لا تُخترق، وأن يقطع برنّة حادّة الأغصان المعوجّة المتباعدة. شاخ الدرب إذ لم يعد يخدم الناس… قليلون يمرّون هنا. بلاد وعرة، ذات سلاسل مسنّنة تطوّق في أحضانها الحجريّة مسطّحات واسعة. كان الصيّادون يسلكون هذا الدرب قديمًا إلى ما وراء السلسلة، وإلى أبعد، إلى البقاع النائية، إلى الأدغال التي تخفي مجاري الأنهار. ومجارٍ مائيّة كثيرة لا أسماء لها تنحدر في الشعاب، كبيرة وصغيرة، تفور فوق الجنادل، وتهوي شلّالات من الجروف.

وكان أهل الشرّ أيضًا، الهاربون من الأشغال الشاقّة، يسلكون الدرب. حكى الجدّ جامبال عن سجين هارب كان يهيم في النتوءات الجبليّة والمضائق الوحشيّة. وهو الذي عثر على عرق الذهب. كان مخفيًّا وراء جدار الشلّال المنهمر. الجدار الصخري مرصّع بكتل ذهب في حجم بيضة الدجاجة. أخذ من الذهب ما استطاع، وخرج إلى الناس. دفع للسلطات ما يشتري به خلاصه، وعاش غنيًّا. ثم عاد إلى شلّاله السرّي مرّات عدّة، وجمع كتل الذهب. وحين كان يرحل إلى العالم الآخر، أخبر ابنيه بموضع العرق. ذهب الابنان، ووجدا العرق، وحملا الذهب. وذهبا مرّة ثانية، لكنّ الجليد غير المأمون انهار بهما في موضع ما وهما يعبران النهر مع حصانيهما، فجذبهما التيّار العنيف، ولم يخرجا. وهكذا ضاع الموضع، ولم يعد أحد يعرف أين هو.

نعم، حدث مرّة أن حصل تسوكتو بنفسه على صينيّة تنقيب عن الذهب، صدئة كلّها ومبعوجة، وجدها على ضفّة جدول. طلب من الجدّ أن يريه كيف يُغسل الرمل. ينبغي أن تغرف، وتدير الصينيّة، وتطرد العكر كلّه شيئًا فشيئًا. وقف في التيّار المثلج… ولم يصمد إلّا قليلًا. أخذ الألم ينخر ساقيه وأسفل ظهره. الشمس تلفحه من فوق، والبرد يضربه من تحت حتى يحبس أنفاسه. وذباب الخيل الهائل والبعوض الضخم يغطّيه. ولم يجد في قاع الصينيّة إلّا أشياء لامعة. لكنّها شظايا كوارتز وقشور ميكا. لا، تبًّا لهذا الذهب! ولم يفعل الجدّ إلّا أن ضحك وهو ينفث دخان غليونه. وماذا كنت تريد، يا تسوكتوشكا؟ أن تنهال عليك كتل الذهب الآن حالًا، أليس كذلك؟

أمّا الجدّ جامبال، السائر خلفه، فكم كان يشقّ عليه الأمر. الدرب في الشعاب المعتمة مغطّى هنا بقشرة ثلج صلبة، وهناك، على التلال، تتخضخض عصيدة الثلج تحت القدمين. لن تبقى أحذية الإيتشيغي الجلديّة الليّنة جافّة!

وغروم… غروم الوفي ليس معهما. يعودان من دونه.

مزّقه دبّ شارد لم يدخل سباته في الوقت المناسب. وقذف الجدّ جارغال بقوّته الحمقاء، حتى… لو لم يدركه تسوكتو في الوقت المناسب، ولو بدقيقة واحدة، لقتله سحقًا.

تطايرت مزق السترة المبطّنة، وقد تشبّعت في لحظة بالدم من الساعد المشقوق. تشبّث غروم بفخذي الدبّ، بـ«سرواله»، كما يقول الصيّادون. زئير غاضب، ولمعان أنياب، ونتف شعر. ودارت دوّامة الموت!

«ما الذي جاء بالدبّ إلى هنا أصلًا؟» — صار لدى الجدّ جامبال الآن ما يفكّر فيه. يقلّب الأمر من شتّى الوجوه، كأنّه يبخّر بغليونه الصغير وتبغه تلك الورطة مع الدبّ الشارد الذي كاد يحطّمهما حتى الموت.

«ما الذي جاء به إلى هنا أصلًا!»

دنا الموت الأشعث من الجدّ جامبال حتى التصق به. لعلّ العجوز فقد التفاته المعهود وحذره وهو يشقّ أوّل أثر في الثلج داخل غيضة الأشجار المتكسّرة… وفوّت لحظة انتزاع البندقيّة المزدوجة. أو أنّ غروم ترك الوحش يقترب، إذ شغله شيء ما. سنجاب سريع، ربّما، كان يطارده؟ وحتى تسوكتو تأخّر في تلك اللحظة، كان يسير أبطأ، يجرّ خلفه الزحّافة بسيور الجرّ. تعطّل على السفح، وأخذ ينزلق فوق طبقة من أوراق البرغينيا الجلديّة.

هوى العملاق البني بكفّه الهائلة، وأصاب الجدّ بمخالبه الضخمة. تطايرت مزق السترة المبطّنة، وقُذف الصيّاد على ظهره إلى الأرض. وغروم المسعور متشبّث بسروال الدبّ، ودوّامة الموت. رمى تسوكتو كلّ شيء، واندفع، ووصل في الوقت المناسب. استنشق ذلك الهلام الشاحب من الهواء اللزج، المجمّد، المبعثر فيه جوهر الاحتضار. كم من مرّة تخيّل في ذهنه كيف، إذا وقعت مصيبة كهذه، سيرفع بمهارة ديكَي بندقيّته «توز-66»، ويحشو سبطانتيها بخرطوش عيار اثني عشر. لكنّ خدرًا ما أصاب يديه. تجمّدت أصابعه متباعدة ملتوية. كأنّها ليست أصابعه، بل أصابع شخص آخر تمامًا.

غشاوة، وذهول، ثم اختفى كلّ شيء بالسرعة نفسها، واتّضح أمام عينيه. رفع السبطانة، وبدا وهج النار كأنّه يمتدّ ببطء شديد من فوهتها. إلى الموضع الأسود، إلى الرأس، بين العينين اللامعتين حقدًا. لكنّ الدبّ مع ذلك ضرب بكفّه وهو يواصل التقلّب في تشنّجات الموت. لم يتفادَ غروم الضربة، ولم يصدر عنه إلّا صرخة قصيرة، ثم طار بعيدًا وبطنه مشقوق.

«انرضّت أحشاء الجدّ بشدّة»، كما قال، حين سقط مقلوبًا على الجذور والصخور على السفح. فالثلج لم يكن كثيرًا بعد، ولم يستقرّ في طبقة سميكة. من حسن الحظّ أنّه لبس صديريّة الكورموشكا الدافئة تحت سترته المبطّنة، فلم يمزّقه الدبّ حتى العظم، بل شقّ الجلد فحسب. ومع ذلك لا يستطيع الجدّ أن يستردّ عافيته. مع أنّه «يمارس قليلًا من الشمننة»: أعدّ في وعاء صغير خلطة من الراتنج الأسود، ومزجه بعصارة مرارة حيوان، وفتّت فيه لحاء صفصاف مبشورًا، وأضاف منقوع لسان الحمل في الكحول. ولديه أيضًا مؤونة كاملة من الجذور والأعشاب المحيية، جمعها وجفّفها، ودسّها في أكياس تحت العارضة وعلّق بعضها. نُظّف كتفه المشقوق، وأُلصق جرحه، ودُهن بتلك العجينة السوداء، وضُمّد. وبدا أنّ الأمر لا بأس به. احمرّ الجرح، ثم هدأ وصار ورديًّا.

فكّر تسوكتو فورًا بقلق أنّ عليهما الخروج، والوصول إلى طبيب، وبلوغ مركز الإسعاف ولو بشقّ النفس. لكن جرّب أن تقول هذا للجدّ! لن يسمع أصلًا. ومن جهة أخرى، لن تكفيهما القوّة للخروج الآن، وقد تراكمت الثلوج الغزيرة. وفوق ذلك، كأنّه أظلم كلّه من تلك الضربة في «أحشائه». بل صار عابسًا قليل الكلام. لا يفعل إلّا شرب الشاي الأسود، قدحًا بعد قدح، مع نقيع أعشابه وجذوره. ويلتفّ بدخان غليونه. وينام ملتفًّا بمعطف فرو قصير، على فرشة عطرة من أعشاب الصيف اليابسة، يدفّئ عظامه العتيقة عند النار. المعابر المثلجة، والمبيت في البرد، في أشدّ الصقيع وتحت المطر، أكلت مفاصله ولوّت جسده المعروق باليبس.

— ما الأمر، يا تسوكتوشكا، أكان ذاك الدبّ قد جاء يأخذني، ها؟ أكان هو موتي، يا ترى؟

وأخذ الجدّ يقلّب الحادثة على كلّ وجه، و«يشغّل مخّه» فيها مرّة هكذا ومرّة هكذا.

— ولماذا تعذّب نفسك، يا جدّي؟ دبّ شارد، وكفى. جاع، أو مرض من شيء. ربّما اندلعت حرائق من البرق في المكان الذي كان فيه. موسم شحيح. لا أكواز صنوبر ولا توت. العم غاتاب حكى لي أشياء كثيرة، فهو صيّاد محترف. والعم ميشا أيضًا كم خرج للصيد قديمًا، وصاد الدببة في أوكارها. يحدث أن يتشاجر واحد من غلاظ الأعقاب هؤلاء مع آخر، وتقوم بينهم حروب أهليّة على مناطق الغذاء. يتقاتلون حتى الموت! فيكون الأضخم قد أوجعه ضربًا وطرده من وكره. فذهب يهيم، غاضبًا فاقد الصواب.

لكن… هل كان فاقد الصواب؟ بحسب الآثار التي قرأها تسوكتو بعد ذلك، وهو يجوب السفوح، صفحات ذلك الكتاب الكبير المرصّع بالعلامات، كان وحشًا شديد التكتّم والتخفّي، عازمًا على قتل الصيّاد. كان يمكن استشفاف أنّ الدبّ يسكن طويلًا في مكان واحد، ويشمّ الهواء، كأنّه يتحسّس موجة أو إشارة صادرة عنهما؟ طبعت نقاط آثاره قلق تجواله الذي كان في البداية فوضويًّا. أخذ يرسم دوائر، ويضيّق عُرى تنقبض بلا هوادة حول حياة إنسان. كان مخلوقًا انتقلت إليه القوّة الوحشيّة القاسية كلّها، المستترة حتى يحين أوانها. إنّها لا تختبئ، ولماذا تختبئ؟ إنّها موجودة هناك، تنبض وتنضج. في الهوّات العميقة، وفي حطام الأشجار الساقطة، وفي أكفّ الجذور المعوجّة للأشجار المقتلعة، وتحت أنياب الصخور المتدلّية.

…يمكن أن تشعر بها حين تتعالى همهمة جدول يتخبّط بين الحجارة، وتراقب العين القمريّة الصفراء بلا رمش، ويتجمّد حرّاس الجبال في الصمت. حين تنفتح هاوية التايغا. تسمع خيط حكاية جنائزيّة يلتفّ، عن الذين سحقتهم أشجار الخوف اليابسة حين هوت، وعن الذين جرفتهم انهيارات فقدان الإيمان، وعن الذين غرقوا في أنهار انعدام الإرادة المثلجة. وها هم الراحلون يتسلّلون اليوم أرواحًا هائمة إلى الأبد. وقد يجلسون عند نارك الليليّة ليدفؤوا… عندئذ الويل لك، أيّها المبيت وحيدًا في الغابة!

تنفجر هذه القوّة في لحظة، فتحوّل المخلوق البني إلى آلة قتل لا تعرف الرحمة. وتوجّهه إلى اقتفاء ما يتحرّك ويبعث الدفء، واللحاق به والتهامه. وتخمد أثر كلّ الروائح المنذرة التي كانت من قبل تثير فيه الإحساس بالخطر: رائحة السلاح والدخان والكلب.

كانا ينويان الخروج من كوليومنايا في أواخر ديسمبر، لكنّ الشدّة حبستهما، فإلى أين تندفع؟ وقع كلّ شيء على تسوكتو: الحطب والماء في الكوخ الشتوي، وتدبير ما يُؤكل. والعناية بالجدّ، وتفقّد الفخاخ، والسناجب أيضًا، إذا اصطاد منها اثنين أو ثلاثة فلا يستطيع أن يتركها هكذا. نهار الشتاء قصير، ما إن تطلّ شمس الصباح، وقبل أن تلحق بالفرح بها، حتى تكون قد تدحرجت خلف السلسلة. ويتسرّب الظلام من وراء التلال، ومن قيعان الشعاب.

من حسن الحظّ أنّهما مرّا بالكوخ منذ الصيف، وأعدّا المؤونة سلفًا. سيقلق الناس عليهما، أين اختفيا؟ ولعلّ أسبوعًا مضى، ثم جاء، والحمد لله، الأخوان خايدابوف مسرعَين. وصلا سريعًا على الزلّاجات، في مرحلتين من السير.

— ظننّا أنّكما هناك، عند بودكامينكا. مشّطنا كلّ شيء، لا أثر لكما. ثم اندفعنا إلى لابانكا اليمنى. ولا أحد، رحلتما منذ زمن، والآثار غطّاها الثلج.

— هكذا يا ولدي، انظر كيف تحطّمت، — يتنهّد الجدّ جامبال. — دبّ شارد انقضّ علينا كالمخبول. ومزّق غرومكا، يا خسارة ذلك الكلب! لم ينجُ، كم نزف من الدم. من حسن الحظّ أنّ تسوكتوشكا أسرع، وصرع الدبّ من مسافة ملاصقة!

— أنت رجل حقًّا! — يدفع الأخوان كتف تسوكتو باستحسان وبكلّ قوّتهما… أسيثبت؟ — وهناك الجدّة تويانا والعمّة دامبا أصابهما الهلع: أين الصيّادان؟ وأخواتك يا تسوكتو هاجت هائجتهنّ. جئننا ركضًا. فأسرعنا يا صاحبي، وتجهّزنا على عجل. وكلّنا عرق، انطلقنا إلى بودكامينكا!

فحص الأخوان الجرح وكيف التأم. لكن ماذا عساهما يقولان، وأيّ مداويين أو معالجين هما؟ في الحقيقة، ينبغي جرّ الجدّ إلى الخارج، ولو على زحّافة وبالزلّاجات. لكن مكابدة هذا الثلج، لا يُدرى أهي أفضل أم لا. وقد يضرب الصقيع أيضًا، وهو منذ الآن يشتدّ ليلًا إلى هذا الحدّ.

— لو تأخّر تسوكتوشكا قليلًا، لقتلني الدبّ سحقًا! — لا يفعل الجدّ إلّا الأنين والتأوّه. — لا أدري، هكذا يقولون… من يصطد أربعين دبًّا، فليكفّ عندها، انتهى. لأنّ التالي، الحادي والأربعين، هو الهلاك، قل ذلك. لا بدّ أن يقع شيء، ويضيع الصيّاد. يعني يأتيه الدبّ ليأخذه. ولا نجاة له بأيّ حال!

— كفى يا جدّي، — بالكاد انحشر الأخوان عند الطاولة، لا متّسع للحركة في الكوخ، وكلّهم يحتسون الشاي معًا. — أنت لم تصطد أربعين أصلًا… ومن أين تجلب أربعين؟ كان هذا قديمًا، في الأزمنة الغابرة.

— صحيح، يا ولدي، — يوافق الجدّ. — لكنّي أسقطت نحو عشرين في حياتي! إنّما هكذا، واحدًا لواحد، لم أذهب قطّ، صحيح. دائمًا مع رفاق، مع صيّادين مجرّبين. لكنّه أخذ غروم مع ذلك… لعلّه إنذار لي؟ كأنّه يقول: ستلحق به عندنا، أيّها الشيطان العجوز!

— الله معك، لا تنعق بالشؤم، يا جامبال! كلّ شيء ممكن، ولكلّ واحد أجله المقسوم… لكن ليس لتلك، لذلك الخطم المشعّر، أن يحكم!

حسنًا، بعد التفكير اتّفقوا على هذا. لماذا يزعجون الجدّ الآن؟ فليستعد عافيته، وليرقد حتى يشفى. سيدبّران حالهما حتى الربيع. الطحين موجود، والذخيرة، والشاي، والتبغ. وإن حدث شيء، جاء الأخوان مسرعَين، أو أرسلا أحدًا.

سلخ تسوكتو جلد الدبّ، وكشطه، وعرّضه للصقيع. يلتفّ الجدّ فيه وينام. استخلصا عصارة مرارة الدبّ، وأذابا شيئًا من شحمه. يدهن تسوكتو ظهر الجدّ ويدلّكه، ويدوس عليه بعقبيه الحافيين. أخذ الصقيع يشتدّ ليلًا، يعصر الجدران الخشبيّة حتى تطقطق، والثلوج تهطل، وتطوّقهما بإحكام، وتطمرهما، وتهبّ في عواصف ثلجيّة. وفي الليالي الصافية كانت النجوم ترتعش وتتراقص، ككرات مشعّة زغبيّة، وتضيء إضاءة شبحيّة الغيضة السوداء، التي تتخلّل هوّاتها العميقة زرقة هنا وبنفسجيّة هناك، وقد التفّت على أغصانها وأكفّها الإبريّة أكداس الثلج. كأنّ الهواء صار كثيفًا، وكأنّ ضوء النهار أيضًا يغلظ ويبطؤ، فيعقب الفجرَ الرماديَّ الباهتَ غروبٌ يبدو أنّه أقبل من فوره، بومضات ورديّة على طبقات الثلج، وزرقة عميقة في الظلال التي استطالت.

— سأحكي لك يا تسوكتوشكا كيف خطفت توياناي، — قال الجدّ ذات مساء، بعد أن ارتوى بالشاي وأشعل غليونه. — وحطّمت ثلاثة من كلاب صيد الذئاب. أو كم كانت، كما يقول الناس… خمسة، يمكن؟ وها أنت ترى، صحّتي أخذت تضعف. تموت، ثم يختلقون أيّ كلام. خير لك أن تعرف. هكذا. أمّا أنّي قتلتها، فلا أذكر شيئًا. كيف حدث ذلك؟ حملت خطيئة على روحي…

واستقرّ تسوكتو في جلسته، واستعدّ للإصغاء. مع أنّ الأمر صار منذ البداية غير مفهوم، إذا كان الجدّ يبدأ حكايته هكذا… كيف لا يذكر شيئًا، وهل يحدث هذا؟

— …وكأنّني لم أكن أنا. كان هناك عجوز أرسل إليّ غاخانًا ليساعدني. وهذا العجوز ينبغي أن أحكي عنه أوّلًا.

أوّلًا، نعم. أولئك اللصوص، المجرمون الذين كانوا يتفانون في خدمة غومبو، اندفعوا في أثرنا. كان علينا أن نصعد بمحاذاة الجدول، إلى المزرعة المنعزلة، حيث ينتظرنا رفيق. عنده المؤونة وكلّ شيء. ومنها كنّا سنهرب إلى الجبال، وكان ثمّة موضع نختبئ فيه. لكنّهم وهم يطاردوننا دخلوا أرضًا عسيرة. شجيرات وصخور، والخيل تتعب. فأطلقوا الكلاب لتفترسنا. ومن حسن الحظّ أنّهم لم يطلقوها كلّها دفعة واحدة. وعندئذ خرج ذلك الغاخان. أطلقته أمامي. من أين جاء؟ حسنًا. عجوز هو الذي دلّني على هذا. قال: دع الغاخان يمشي معك. وعند الحاجة أطلقه. ولا تخف من شيء.

ذلك العجوز ظهر كأنّه نزل من السماء. لا أستطيع أنا نفسي أن أقول كيف بالضبط. لكن لنحكِ بالترتيب. لم أكن أعرف آنذاك كيف أتدبّر تلك المصيبة. كان الحبّ قد اشتعل بيني وبين تويانا. لكنّهم، كما ترى، جرّوها إلى الزواج. ومن كان ليسألها يومها عن إرادتها، أتريد أم لا؟ وتركت كلّ شيء، واستسلمت. لا تكسر ظهر الفأس بسوط. وما حيلتي؟ أجير، معدم، لا أملك قرشًا. وكنت أركض يومها، أعمل أجيرًا، فوق تلال السهب، من طرف إلى طرف، أرعى الغنم. ليل نهار، لا تعود تذكر شيئًا. كان عندي حصان، لكنّي كنت أحافظ عليه، فأظلّ أركض. وكلب أيضًا، بوروغوشكا. وعريش صغير، عيدان ملفوفة باللبّاد، وهكذا كنت أعيش. أعمل أجيرًا عند العم تسيبيك. جدّتك لا تزال تذكره بالسوء. لكن أيّ عمّ لي هو، تسيبيك؟ لم يكن حتى قريبًا بعيدًا، بل لا يُدرى من يكون لنا. لم يكن يريد أن يعرف عنّا شيئًا، وكان يقرف منّا. لكن لماذا نعيد طحن هذا؟ نبت عليه عشب النسيان.

وهكذا كنت أركض ذات يوم، فإذا فوق أحد التلال كُويمة غريبة. كان ثلج خفيف قد تساقط وغطّى كلّ شيء. ومن تلك الكُويمة، من تحت الثلج، كانت ترفرف خصل أشعث، أو شيء من هذا القبيل. ما هذا؟ أسرعت إليها، فإذا شيخ صغير. ملقى هكذا على الأرض العارية. يحتضر، على ما يبدو. حرّكته، فبدا أنّه حيّ. يتلفّت بنظرة غائمة. أيّ هائم من عباد الله هذا، ومن أين ظهر هنا؟ سترة فرو بالية، وخرقة على رأسه، وعلى قدميه أيضًا أغطية من الفرو. لا طرق هنا ولا شيء، ولا أحد يمرّ. رفعته وهززته جيّدًا. فكأنّه أفاق قليلًا. أخذ يهمس: أنا… خولغور، أو شيء كهذا… يقول إنّ خولغورًا ما اختطفه بمخالبه. أي حمله في مخالبه. لكن يبدو أنّ أواني لم يحن بعد، قال الشيخ الصغير. ولذلك أفلتني من مخالبه. ظلّ يتمتم بشيء من هذا القبيل. كفاك يا صاح! من الذي حملك، وأيّ خولغور ومولغور هذا! لا يمكن أن تترك العجوز المسكين هكذا ليموت. حملته على ظهري وانطلقت أركض به، لعلّي أبلغ العريش على الأقلّ. أوصلته وأنا غارق في العرق. كان عندي حساء دسم. وموقد صغير هناك في الداخل. أجّجت النار وسخّنت الحساء. ونقعت قطع الخبز اليابس. قلت: تفضّل، كُل. يقولون إنّ من عانى الجوع لا يجوز إشباعه دفعة واحدة. أعددت الشاي. فشرب منه كوبًا أيضًا. وكانت هناك جلود خراف، فكوّمتها عليه ليدفأ. وأكلت وشربت أنا، ثم نمنا.

وفي الصباح من جديد… كانت الريح العاتية قد بعثرت خرافي في السهب! فانطلقت أركض وأطارد تلك الأوغاد المكسوّة بالصوف. أُنهكت حتى النخاع! عدت مساءً، فإذا الشيخ جالس، وقد دبّت فيه الحياة. يصنع بيديه شيئًا من عيدان صغيرة. قال: خذ، يا جامبالكا. ما هذا؟ قال: غاخان لك. هل أخبرته باسمي أم لا؟ ما حكاية جامبالكا هذه، من أين يعرفه؟ ناولني دمية صغيرة. مجرّد عود عادي، وجده هنا بين الحطب. ربط بأسفله بخيط خشن عودين آخرين، هما الساقان. وعند الكتفين ذراعان صغيرتان. ولفّ الرأس بمزيد من الخيط فصار أغلظ. كأنّه إنسان صغير، أسود، مخيف قليلًا. قلت: لا، أيّها الشيخ، لماذا تدوّخ رأسي؟ إن شئت فكُل، واشرب الشاي، ونَم. وإلّا فاذهب في سبيلك. قال: لا، الغاخان لم يجهز بعد، يجب أن أقرأ عليه قصاصة من الكتاب! ثم تابع: لا تتخلّ عمّا نويته أنت وتويانا. نحن… نوينا؟! حدّقت فيه بعينين جاحظتين. لكن ليس عندك حصان. اذهب واطلب من العم تسيبيك جواده الأسود. سيعطيك إيّاه.

ما رأيك، يا تسوكتوشكا؟ هل أخذت أتعجّب أو شيء من هذا؟ لا. لسبب ما أحسست… ببساطة. صار كلّ شيء مفهومًا. وحقًّا، خطر لي فجأة: ولماذا لا أطلب من العم تسيبيك جواده الأسود؟ وأتعرف أيّ جواد كان؟ الأوّل في السهب كلّه! أمّا شيخي الصغير فأخرج من داخل ثوبه قطعة حصير مطويّة مرّات عدّة. وفيها ما يشبه قصاصة ورق صغيرة. لكن يبدو أنّها عزيزة عليه جدًّا. وأخذ يتلو شيئًا من تلك الورقة. صلوات، على الأرجح. تراتيل. هكذا، الشيء نفسه مرارًا. بو بو بو، وبو بو بو، يقرأ. ويتمايل، وصار كأنّه… كالضباب. يخال إليك أنّك ترى من خلاله. وفاحت منه رائحة طيّبة، كالبخور. مثل الذي يتصاعد دخانه في صحن صغير بالداتسان. شعرت براحة وطمأنينة. وغلبني النعاس. وفي الصباح، لم يكن الشيخ هناك. كان أثر خطوات يمتدّ فوق الثلج. قلت في نفسي: حسنًا. وفعلت كما أرشدني. وأنت تعرف ما جرى بعد ذلك. آه! هل أنت نائم، يا تسوكتوشكا؟ لقد تعبت يا فتى. نَم، حسنًا.

— أتذكر حين رأيتني؟ — كانت سيسيغما تضحك، وهما مستلقيان على قمّة التلّ. بدا أنّهما لن يتماسكا الآن، وسيسقطان في السماء… وستقدّم لهما الغيوم ظهورها الأشعث. نَفَس الأرض الحارّة، وغناء الريح الحلقيّ العتيق. سيفردان ذراعيهما ويطيران فوق أعراف عشب الريش الصاعدة من الوادي الممتدّ في سراب الحرّ، في غشاوة غبار بنّيّ.

«وماذا في ذلك… رأيتك!» كان تسوكتو يفكّر كيف يقولها.

«حسنًا، رأيتك، وما العظيم في الأمر؟ ولا شيء مميّزًا في ذلك».

أو: «ها! رأيتك. يا له من أمر عجيب!»

كانت هبّة الريح تهدأ، لكنّ التماوج ظلّ مستمرًّا، وحفيف الأعشاب وصرير الجنادب. أم أنّ هذا الحفيف والبريق كانا يصدران عن دوران أفعى شفّافة لا يفتر، تطوف حولهما بلا نهاية، وتبثّ الحرّ من حراشفها الزجاجيّة؟

على أيّ حال، حدث ذلك مصادفة… حين رأى سيسيغما.

— كبومة صغيرة! — كانت تغرق في الضحك. بقع متورّدة على وجنتيها، وشرارات ماكرة تومض من تحت أهدابها. بطء في الحركات، كأنّها تواصل تنفّس السهب — هبّة الريح والسكون المباغت — وهي تزيح خصلات شعرها المنسدل.

— كنت جالسًا على الغصن كبومة صغيرة، ثم طراخ! سقطت!

نعم، ذات يوم… لكن لماذا استعادة تلك الحادثة؟ شجيرات على ضفّة النهر، وكان يشقّ طريقه بينها ومعه صنّارة. ضباب كثيف في الصباح الباكر. بلغ موضعه المعتاد، حيث يمتدّ غصن غليظ من دردارة واسعة الفروع فوق الغدير. استقرّ كعادته، وألقى خيطه. وفجأة، على شيء من البعد، وراء شجيرات الصفصاف… هيئتان غريبتان. ملتفّتان بأشياء لا يدري ما هي، كأنّهما تكثّفتا من الضباب. إحداهما، على ما يبدو… إنّها عجوز طاعنة في السنّ. أليست تلك العجوز، الشامانة داغبا؟ نفخت وبصقت وعبثت قليلًا بشيء أمامها، فتصاعد الدخان من نار صغيرة. وأخذت تصبّ في النار شيئًا من كأس، وتلقي حُزمًا من الأعشاب. لكن من التي بجانبها؟ لَدِنة، متناسقة، رشيقة… سيسيغما! حفيدة سولتيم العجوز.

ماذا تدبّران هناك؟ في يد العجوز مطرقة ما وشيء يرنّ، وهي تضرب بإيقاع منتظم على ذلك… الطبق؟ أم أنّه دفّ؟ تهتف وتصيح، مرّة بصيحة طائر جارح حادّة ومرّة بعواء ممتدّ. حسنًا، العجوز تمارس شيئًا من طقوس الشامان… لكن ما شأن سيسيغما معها؟ كانت داغبا العجوز تتمتم لها بشيء، وتهزّ رأسها بإلحاح كأنّها تنقر، شبيهة بطائر جارح. خلعت الفتاة كساءها الداكن، فاغترفت العجوز ماء وصبّته عليها من رأسها إلى قدميها. عارية، باهرة. وأخذت العجوز تتمتم وتطلق أصواتًا غرغريّة.

ازداد الدخان كثافة كأنّما من تلقاء نفسه، وانبسطت غمائمه البيضاء فوق الماء. وبلغت تسوكتو مرارة الرائحة التي تتصاعد أحيانًا فوق أعشاب المستنقعات. كان عري الفتاة، الذي يزيده بروزًا شلّال شعرها الأسود المتلألئ كجناح غراب، فوق احتمال الفتى… دار رأسه! وفقد توازنه، فهوى من الغصن إلى الغدير. بالطبع حسبته العجوز الكليلة البصر «روحًا شرّيرة»! تلك التي كانت «تطردها». وها قد «طردتها»، تفضّلوا وانظروا! صاحت نحوه بحنق ولوّحت بذراعيها. أمّا سيسيغما فانطلقت كأنّ الريح حملتها، وألقت عليها ثيابها الداكنة. لكنّها حين استترت أدركت من ذلك الفتى الذي يتخبّط في الماء… وفوق ذلك علق بخطّاف صنّارته هو، وتشابك في خيطها! غطّت وجهها بيدها، وكادت تنثني نصفين من الضحك. غير أنّ عليها أن تخفي ذلك عن داغبا العجوز.

— إذن كانت تلك داغبا العجوز؟ ماذا كانت تفعل بك، ماذا كنتما تفعلان هناك، تمارسان طقوس الشامان؟

— نعم، — ابتسمت سيسيغما…

وكان في عينيها ما يشبه غديرًا عميقًا، ما زال يتخبّط فيه منذ ذلك الحين.

— …داغبا العجوز، بالطبع. لكنّها في الوقت نفسه لم تكن هي. كانت تقيم طقسًا. تأخذ القوّة من الفتاة. كيف أقول… ليست هي نفسها، بل طائر يأتي طائرًا ويتحوّل إلى داغبا. يحتاج إلى القوّة، ذلك الطائر. إلى قوّة فتيات قرية نامخاي اليافعات.

أراد تسوكتو أن يقحم شيئًا مضحكًا. يا لها من طائر، حقًّا! إن كانت تطير، فبالكاد. داغبا العجوز هذه بلغت المئة منذ دهر! لا، وأيّ مئة؟ فهو يذكرها منذ كان ولدًا صغيرًا جدًّا، وكانت يومها طاعنة في السنّ أصلًا. وجهها كلوح خشب اسودّ، فيه عروق الخشب والتجاعيد والشقوق الصغيرة. ويداها كأنّهما أغصان.

— طائرك هذا… حسنًا، الجدّة داغبا، لا بأس. حين تطير إلى صديقتها، إلى الخالة راجان… تكون الشمس قد مالت إلى المغيب، وهي ما تزال تتعثّر في مشيتها. تجرجر قدميها في الشارع.

— قد تجرجر قدميها في القرية. لكن ما إن تخرج من أطرافها حتى يختفي أثرها. كم في بيتها الصغير من أعشاب شافية شتّى، من أين تأتي؟ هي التي تجمعها. تغيب مع الخالة راجان في المروج والغابة. حتى فطر تشويدوب تجلبانه، وهو موجود عندهما. وما أصعب العثور عليه!

نعم، فطر تشويدوب. يمكن الحصول عليه في أشدّ البقاع وعورة واكتساء بالطحلب، وعلى الجروف الصخريّة الشديدة الانحدار.

— هذه القوّة، — صارت سيسيغ جادّة، — هي القدرة على الطيران. كأنّها مسكوبة في أقصى قاع قلب الفتاة. وتذوب في الدم، وتجري في عروقها، وتناديها إلى المجهول. لكنّ الفتاة العاديّة لا تحتاج إليها في الحياة العاديّة.

أيمكن لمس هذه القوّة، فكّر تسوكتو. الإحساس بها؟ ذلك الوهج العسليّ الذي ينساب حول انحناءة العنق الصفصافيّة. ومعبد الكتفين الأسمر، والأخدود اللامع بين تلّين ناعمي الانحناء كأنّهما مسحوران، والتواءات الذراعين السيّالة. وعتمة العينين الغوراء، وعدو خيّالة الحاجبين السوداء، وجناحا الأنف اللذان يرتجفان كريش سهم انطلق. والشفتان المنحنيتان كقوس بدويّ، وعُرف الشعر القطرانيّ المنتفض في الهواء…

— يأخذ الطائر هذه القوّة، ويهب في مقابلها جمالًا باهرًا لفتيات قرية نامخاي اليافعات. جمالًا لا تملكه أيّ فتاة في السهب كلّه. يأتي من عند اللاما خاندا العجوز، الذي تحوّل إلى حجر رماديّ في موضع لا يعرفه أحد. يحتاج اللاما إلى القوّة ليحفظ المعارف المكتوبة على قصاصة بقيت من الكتاب.

بلغا النهر، وترجّلا، ومدّت الخيل أعناقها نحو الماء. كان القصب والأعشاب العالية يتماوجان برفق في الريح. خضرة داكنة في البعيد، وأمامهما مباشرة عند الضفّة شفافيّة زجاج تكسر الضوء المرتدّ عن رمال القاع، المحمرّة هنا، والرماديّة الشبيهة بالرماد هناك. كانت غشاوة الضباب تلتفّ ضفائر، وتتشابك مع الظلّ العميق لشجيرات كرز الطير والصفصاف التي دنت واستغرقت في تأمّل انعكاسها. رائحة أعشاب مالحة وصوف وعرق. وكانت الأسماك تخبط الماء برفق ونعاس. قال تسوكتو: «هيّا، لا تخافي»، فشدّت بجرأة الجواد الكستنائيّ الأبيض القوائم من عنانه الطويل، وانقطع نَفَسها لحظة حين صدمها الماء البارد. وسرعان ما أخذا يسبحان متشبّثين بعُرفَي الحصانين، كسمكتين كبيرتين متآلفتين في أشعّة شمس الصباح.

— وهل تظنّين أنّ هناك جزءًا كهذا… أم ماذا يُسمّى؟ قصاصة، مثلًا، من الكتاب؟ — سأل تسوكتو. — ينبغي حفظها؟

— نعم، لقد قرأتها. لكنّ ما فيها ليس حروفًا تمامًا. بل علامات. نقاط، نقاط كثيرة. وخطوط صغيرة، ودوائر، ومثلّثات. يمكن أن تقول: آثار طيور. فالطيور ترسم أحيانًا على الثلج أو الرمل كتابات دقيقة دقيقة. هل رأيتها؟ لكنّك تفهم فورًا ما تتحدّث عنه.

خاضا قناتين أخريين، ودخلا على صهوتَي جواديهما خضرة كثيفة تخترقها مناداة الطيور المرحة بعضها لبعض. شقّا طريقهما بين أعشاب بطول الإنسان، وسط جلبة لا يمكن تصوّرها. عصافير مجهولة تملأ المكان برنين زقزقتها، وضفادع تثب من تحت الأقدام ناقّة. وسحالي تفلت بحفيف، وقضاعة تهوي في الماء من فوق جذع عالق، وبطّة تبطبط داعية فراخها. ووحش مائيّ ما ضرب الماء بذيله مرّات عدّة بخبطات مدوّية. كانت الأعشاب تهتزّ كغابة كاملة من الهوائيّات الفضّيّة، وكرة طانّة من البعوض تتدحرج وراءهما، والريح تسوق تموّجات فضّيّة على النهر الذي يحيط بهما من كلّ جانب، ويلمع من خلال الشجيرات. وكانت طيور البلشون الرماديّة تخفق بأجنحتها في أعمدة النور، رافعة ثقل الأصوات الأرضيّ إلى الفضاء الرحب.

ألقيا نفسيهما في الأعشاب، واستلقيا ينظران إلى الجذوع الصاعدة في العلوّ، وإلى تشابك الأغصان المتمايلة، والأوراق المضطربة، والتيجان التي تدور في رقصة دائريّة لا نهاية لها، وتجرّب قبّعات الغيوم.

— آه، نعم. هناك شيء من هذا… — استغرق تسوكتو في التفكير مستعيدًا ما يذكره. — لقد حكى جدّي جامبال أنّه رأى ذلك اللاما. ظهر له. لكن لا… كأنّ جدّي أنقذ شيخًا صغيرًا. لعلّه كان اللاما خاندا نفسه. فقد تبيّن أنّ عنده أيضًا قصاصة مخبّأة، مهمّة جدًّا عنده. وكان يقرأ منها الصلوات.

كان اللسان الرمليّ يمتدّ مدبّبًا باتّجاه المنبع، عكس التيّار. كانا يدخلان الماء ويرتميان فيه، يكسران ومضات الشمس وصحون الانعكاسات الصغيرة الملوّنة الراقصة. ويسبحان فوق ارتجاف الأعشاب المغمورة وفوق الحيود الرمليّة. كان اللسان كلّه مرسومًا مكتوبًا بآثار ثلاثيّة الفصوص لطيور البلشون الرماديّة التي تجوّلت هنا وصادت. أمّا طيور البلشون نفسها، وقد ساءها اقتحامهما، فابتعدت وتجمّعت فوق جزيرة صغيرة بارزة. وكان هدير النهر يطغى على قرقرتها المضطربة. مشت سيسيغما على الرمل ترفع ركبتيها عاليًا، مقلّدة الطيور الطويلة القوائم. تتثنّى وتردّ ذراعيها الجناحين إلى الخلف. كأنّها ستطير في اللحظة التالية!

كان تسوكتو يقرأ على الرمل علامات غريبة. مثلّثات ونقاط وخطوط صغيرة، وخطوط منحنية ومستقيمة. طبعات ذهبيّة، وانعكاسات قرمزيّة، وتموّجات فضّيّة للتيّار السريع. كلّ أثر تتركه الفتاة على الرمل حرف. ومن سلسلة الآثار تتألّف كلمات، وتتلاقى في سطر كامل. سطر، ثم آخر، ثم ثالث. كانت سيسيغما تركض على اللسان الرمليّ وتطبع الكتابات. وتشابكت شبكة أوعية تسوكتو الدمويّة مع العروق الزرقاء للأنهار كلّها، ووحّدت قوّتها العليا القصب والأعشاب وغشاوة الضباب وشجيرات كرز الطير والصفصاف والطيور والضفادع الواثبة ورفيف أجنحة البلشون.

— نعم، لقد قرأتها، — قالت سيلميغ، — تلك القطعة من هذا الكتاب. فيها مخابئ سرّيّة تموت فيها أشباح شعثاء، وتولد فيها آلهة مضيئة وتصدح جوقة مهيبة. تلامس الأجنحة الماء، وتتقافز الأسماك في الماء، وتخرج الحيوانات لتلعق القمر عند المورد. كلّ هذا تآلفات وأنغام متجاوبة، وجلد أضناه البرد على أفخاذ المستحمّات قبيل الفجر، وتموّجات صفيحيّة متجهّمة قبل المطر، ووهج مرّيخيّ للغروب. انعكاس نجوم وقوافل طيور مهاجرة وكائنات عتيقة جبّارة اندثرت، ونار إشارة على الضفّة الأخرى. الريح، ومغناطيسيّة الديار، واهتزاز، ورعشة تهزّك من رأسك إلى قدميك. دويّ خفيض للتيّارات المغمورة، وحركة أسماك قديمة غامضة في الأعماق. الشمس تلفح، والأجنحة تومض، والحيوانات تلعق القمر. وضحاضح وخيران وبحيرات سرّيّة ذات قيعان طمييّة… فيها تنمو أعمدة الضوء المتمايل جذوعًا شمسيّة — تضلّ بينها حين تغوص، منزلقًا من غصن شجرة غليظ فوق الغدير، كأنّك تفلت من خطّاف الصيف الراحل. وتعانق دفعة واحدة الانحناءات التي دفّأتها الشمس، والتعرّجات، ودلتا النهر الغامضة، وشجيرات الصفصاف حيث تركت أقدام حافية آثارها على الضحضاح الرمليّ. يرتجف لوح القفز إلى الماء، وخيط الصيد الملقى إلى السماء ينتشل نجمةً في هيئة سمكة فضّيّة برّاقة. وتستقبل المروج النديّة الرقصات الدائريّة والنار وأغاني أهل القرية التي تنتشر في دوائر بين العشب العالي وهي تخفت. ويسود الصمت، وتحطّ يعسوبة على نجمة صفيحيّة صغيرة تتوّج هرمًا مائلًا من الألواح فوق ربوة دُفن فيها جنديّ استطلاع.

كان اللسان الرمليّ ينتهي ويغيب في الماء. وفي طرفه الأقصى كان غراب يتمشّى على الرمل. أسود، تتخلّله لمعات شيب. وفي موضع عينيه… إنّها محامل كرويّة لامعة! ينعكس فيها حجر رماديّ صامت ذو محجرين أعميين ثلّمتهما ثقوب الرصاص. وانعكست فيها أيضًا عقبان البحر — واحد واثنان وثلاثة — تدور محافظة على إيقاع الدوران الأزليّ المرسوم منذ بدء الزمان. لوّح الغراب بجناحه… إنّه يدعوه إلى اتّباعه، وعليه أن يمضي وراءه.

عبر تسوكتو القناة، سابحًا في مواضع وخائضًا في أخرى. درب زلق يتلوّى كالأفعى بين الأعشاب. ومن جديد، أينما نظرت، سهب مستوٍ تغطّيه أعراف ذابلة ومحروقة، بنّيّة وصهباء، من العشب الشائك. كان يدخل مكعّبات شفّافة من رائحة الشيح الكثيفة الساكنة. ويمضي أبعد، فيختفي منقوع الشيح ويتبدّد. كانت الحرارة تضغط كلوح ساخن، والأفق البعيد لا يفكّر أصلًا في الاقتراب. تحوّل تسوكتو إلى عود عشب ضئيل تحت السماء المبيضّة. وكانت عقبان البحر تحوم في كبد السماء كصُليبات صغيرة. ولفّه الصمت بلبّاد كثيف. حفيف وطقطقة ورنين حاكّ للجنادب، ويعاسيب تتطاير، وخنافس تطنّ بصوت جهير. وكان الطريق تارة واضحًا تمامًا وتارة يختفي مستترًا بالأعشاب التي ارتفعت.

وصل إلى دوغان صغير تخترقه سهام الشمس وثعابين النسيم المنسلّة مسرعة. كان اللاما خاندا العجوز يقرأ الصلوات، متمايلًا قليلًا كأنّه تحت الريح. تصرّ مفصلات الباب المائل، وتصفق أجنحة الخفافيش تحت السقف، وترتعش الأجراس برنّة رقيقة شجيّة، كأنّها تخشى أن تتوقّف قلوبها بين لحظة وأخرى. وتهبط عناكب صغيرة فضوليّة على حبال من الضوء، وينبت العشب من الأرضيّة، وتتماوج غابة شمسيّة مبدّلة مواضع الصفائح الشفّافة المعلّقة في الهواء. وبين ذرّات الغبار التي لا تُحصى، الراقصة في مسطّحات الضوء، كان الدخان المتجعّد ينسكب حليبًا، صاعدًا من كأس نحاسيّة صغيرة نحو وجوه الآلهة الخشبيّة ذات التذهيب المتساقط، الناظرة بطمأنينة من زوايا نسجتها خيوط العنكبوت.

— نحن الآن في عام ألف وتسعمئة وواحد وأربعين، — قال اللاما. — وستذهب إلى الحرب، يا تسوكتو. هناك سترى امرأة. سوداء ومصلوبة. أنزلها عن الصليب وادفنها. وخذ من الصليب عارضة واحدة وأحرقها. حتّى تصير فحمًا.

— حسنًا، — أحنى تسوكتو رأسه وضمّ كفّيه عند صدره. — سأفعل كما قلتم.

المصدر: مجلة «بايكال»، 2026، العدد 4، ص 3–48. رواية، الأجزاء 1–3 كما نُشرت في المجلة. قدّم المؤلف ملف PDF للعدد الكامل.