16 px

لم أكن عضوًا في الحكومة. أذكر جيدًا. كنت أصادق القبطان أرسالان رينتشينوف. كان متقاعدًا من عصر آخر، ويعمل عندنا اختصاصيّ إلكترونيات، وكان وراء ظهره يتكاثف صمت بالغ السكون لثلاثين قفزة إلى اللا المطلق… لكن الرقم «تسعة» الذي كاد يُمحى ظل ظاهرًا على سترته الواقية. وكان يضع في شحمة أذنه اليسرى مشبكًا إذاعيًا فضيًا — علامة جدارة استثنائية بالثقة. وكان يستمع عبره عادةً إلى موسيقى التشيلّو.

أذكر جيدًا، أذكر مرارًا أن الموت مرّ طائرًا بجانبنا — لقد أصاب «التسعة». من كان له أن يعرف لماذا طُبع على ظهر سترة القبطان الواقية هذا الرقم التسلسلي الذي كاد يُمحى؟ كيف لسترة واقية أن تقي، إذا كانت مرقّمة، كأنها قطعة من هدف أُعدّت خصيصًا لأحدهم، وفوق ذلك بعلامة سوداء وصفراء صارخة؟ مرّ طائرًا بجانبنا — فاهتزّ لهب شموعنا وابتساماتنا: احترقت عند بعضنا مصابيح وأجهزة، وتعرّضت أفضل اللقطات التي تضمّ حماة أحدهم للضوء فتلفت، وتعطّلت سحّابات حقائب السفر، وفارت القهوة أكثر من اللازم، وحدثت ولادات مبكّرة، وربما لم يفعل أحدهم سوى أن أغلق شباك تهوية شرّعه تيار هواء عابر… كان بيننا — سواء تحدّثنا بنصف همس أو ضحكنا ضحكًا متشنّجًا في مقهى، نشعل سجائر لا تنتهي، أو تمتمنا باعترافات حبّ لقبّعات الخريف على رؤوس رفيقات سفر عابرات في قطارات منتصف الليل الهادرة، أو كسرنا أعواد الثقاب مئة مرة ونحن نشعل جميع الشموع في معبد الشموع المتساقطة (قرب الحمّى الأبدية لمتنزّه الصواريخ-1). التقطت أجهزة التسجيل المضبوطة على «التسجيل» آنذاك أغنية مبهمة رفيعة الحنجرة لزهرة الخلود، وقال لي عازف ساكسوفون تركيبي إن أربعة من ساكسوفوناته التركيبية احترقت في ذلك الوقت بالذات، قبل أن يُخرج شيئًا يذكّر من بعيد بـ«سترازتيز» لتش. ماركر. كل شيء، كل شيء عندنا انقلب رأسًا على عقب! وثمّة قافز عملاق واحد، «الاحتجاج الأزرق» — يا للقفزة التي قفزها! أخذ ينجرف، وحاد عن مساره، وانكمش في الفضاء…

كان أمامي كونان، كونان: أبيض وأزرق. وإذا كان الأبيض هو ذلك الراكض الصامت الذي يهرول فرارًا من احتشاء القلب… (يسرّني أن يخدعني الثلج الأول) — فالأزرق؟ — …هو حين لا يكون بينها وبين أغسطس شيء، وهي تسبح في ماء أغسطس… لكنني فهمت الغاية منهما: ماضيّ ومستقبلي — عصرت من الأنابيب أبيض الزنك والأزرق فوق البحري، وبعثرت خرائط جغرافية بكتل بحارها متفاوتة الأحجام والبياض العرائسي لملاءات قارّات لم تُعرَف، وأعدت قراءة الشعر الأبيض في غلاف الليل الأزرق، ونفضت عن سجائر السهول الثلجية العظيمة، التي أطبق حنينها على حلقي، رماد النوارس الناصع في خزف المحيط اللازوردي… — ثم لويت كل هذا بشريط موبيوس الجامع للأسرار، وبه نفسه ربطت شعري في ضفيرة صينية، كي لا يخرج من تحت الخوذة الحرارية، امتثالًا لقواعد السلامة.

…تقولين إنني عذّبت الفضاء، ومضيت وراء الأفق إثر الحقيبة الرمادية لوكيل غوسستراخ — صائد الجرذان الذي يستخرج أغنية زهرة الخلود الرفيعة الحنجرة؟ وإنني مشيت على ظهر الذاكرة ثلاثين كيلومترًا بعيدًا عن الجرّار، عن كل تلك السيغناليزيشن — كنت مستعجلًا، وإن مجموعة مروحيات البحث لم تعثر عليّ إلا بعد يوم كامل، غارقًا في الهذيان والقيء؟ — نعم، إلى وريد الصحراء الأسود، إلى معدة الرمال المخدّدة… وهل تعلمين أن قيئًا رهيبًا أصابني، كنت أستفرغ قطعًا كاملة من الزمن؟ كانت تتدفّق من جوفي فضاءات ملعونة، وأحداث، وعصور… ثم، حسنًا، كل تلك الخطّافات والمربّعات والعجلات الصغيرة والنوابض والدقائق والثواني وشفرات العشب والنميلات… هذا هو — زمن القيء، أليس كذلك؟ تمدّين إليّ يديك عبر الاغتراب الرخامي لطاولة المقهى الصباحية، لكن لا يلزمك… أن تعرفي أنه لم يكن هناك سوى رغوة صابون قذرة، ومن كل ناحية كانت تتساقط، وتدور كالمسحورة، نوارس محلوقة ودراجات كورية مستعملة، نوارس ودراجات لا غير… — لا، عزيزتي، ليس الأمر بهذه البساطة! إنه حلم مداري، ماذا؟! حلم مداري، أقول: ح! — ل! — م!… هاه؟ نعم، نعم، أسمع، تكلّموا بصوت أعلى، ألوو؟!.. أعطوني غرفة ذات سقف رمادي من الغرب إلى الشمال، ألوو! — حسنًا، أظنني سأمضي يا عزيزتي، تاركًا إياك في هذا المقهى الحجري… سلام! وعند هذا أختم رسالتي، بلّغي سلامي لكل أهلنا ومعارفنا، أتمنى لك كل الخير… أقبّلك، طبعًا!

نعم، هكذا كان، عصر الإنجازات كلّها، كنّا نندفع إلى أقصى أعماق هضبة خورامتشير. كنّا نصنع طريقًا، كنّا الأوائل، كنّا نبتلع الفضاء، نسكر به وحسب… وراءنا، وهو يتلاشى عند الأفق في منحنى قطع مكافئ، كان الطريق الرئيسي الفولاذي الخرساني يدخّن دخانًا لبنيًا. هناك في مكان ما كانت السيارات، مئةً في الصف، تزمجر وتندفع، وتعدو وتنفجر. وكانت نساء جميلات ينتحبن من السعادة، ويختنقن بالدموع ويمتن. وكان أطفال بلا سبب يكبرون. والحكومة تكبّ المال بالمجرفة. كنت أحب جرّارنا كثيرًا. لم تكن الحياة تحزنني. أمامنا قيظ نهم لا غير وجبال بلون المينيا الحمراء. هضبة خورامتشير. كنت أعمل في التوزيع والتعبئة في المطعم الآلي. وفي الأوقات الأخرى أهيم في الممرّات المظلمة، أصعد وأهبط بالمصعد، أو أسبح في حوض صغير ذي ماء بارد، أو أستمع إلى حكايات بشرية صغيرة، إذا اشتهى أحدهم الدردشة. وكنت في الحقيقة أبتكر شتّى الأسرار كي لا يتحوّل الناس، وهم بعيدون طويلًا عن بيوتهم، إلى شياطين من الطعام الآلي. وللقبطان أرسالان كنت أحمّل دائمًا زجاجتين أو ثلاثًا إضافية من بيرته المحبّبة المنكّهة بالصلصة. كنت أود أن أعيش مشيته ونظراته، ويديه، وبخاصة — كيف يحمل رأسه. لعل في ذلك حلّ لغز ما هناك — في اللا المطلق..؟ فهم لا يتحدثون عنه ولا يكتبونه في الكتب الدراسية. بل لا أحد يعرف شيئًا. أوقفوا القفزات إلى اللا المطلق… كنت أود أن أرسم له صورة. واجب المدرسة الصيفي — «نموذج بشري في مشهد داخلي». هذا هو القبطان أرسالان جالسًا في كرسي استرخائه المعتاد، في داخل هضبة خورامتشير، بسترتِه العريقة في الخدمة، وعلى ركبتيه بندقية بعيدة المدى ذات منظار، ينظر بعيدًا إلى جبال المينيا الحمراء. «من أدرك الصمت» — هكذا كنت سأسمّيه.

ذات مرة طلبت منه أن أجرّب مشبكه الإذاعي: كان الصمت يسكن هناك، داتسان صغير للصمت… كانت الأعشاب المتعبّدة تنحني تحت سرّ مناولة الريح، وحرس عشب الريش يحمل القمر في فضة، وزهرة الخلود تنشد أغنيتها الرفيعة الحنجرة. وكانت خيول تعيش هناك أيضًا: تسيل الضبابات عن أعرافها بعيون بقرية، وتتحاور الحصيّات المنهالة بقرقعتها تحت الحوافر البالية، وتتناثر رنّات حلقات السروج كرشاش النحاس. وطيور: كانت كتلة الليل الدوّامية تصرّ وتحتكّ بخشونة أجنحتها. هناك… شقّ الجدار الأعوج، بقشرة ضربة جارفة، صميم القلب بعمق آسيا، وتحته عاش إنسان العشب منكبًّا على وجهه، والألم والطنين يملآن عموده الفقري — وكان ينمو منه سهم مستقيم صلب، مع حفيف شرائط بوذية صفراء في تيار الهواء الأبدي النافذ من قلب آسيا المثقوب… هذا ما علمته. وبأسف أعدت إليه المشبك الإذاعي.

كنت عادةً أرسم مناظر طبيعية، مناظر صغيرة على قطع كرتون صغيرة، مستقرًّا بجوار جنزير جرّارنا المهيب: مظلّة، وحامل لوحة، وكرسي صغير، وعلب ألوان، وطاولة صغيرة عليها مجلّات وألبومات — أحب الرسم، وأحب في أثناء التأمّل أن أقلّب المطبوعات، وأنظر إلى أعمال الأساتذة أو الصور القديمة. وأحب أيضًا أن أرتشف شراب عنب الثور من كوكب كابيل — أهواء من هذا القبيل… في عطلة نهاية الأسبوع طار الجميع إلى بيوتهم، وكان الهدوء يعمّ المكان، وكان القبطان أرسالان مناوبًا، فبقيت معه. وكعادته كان يغفو، متمدّدًا بكلّه على كرسي الاسترخاء ذي الاستشعار الحيوي، وبدل البندقية البعيدة المدى المفترضة، كان يهدهد بين كفّيه زجاجة من بيرته المحبّبة «ماركت»، ولا ينظر إلى جبال المينيا الحمراء. كنت أنا أنظر وأرسم الغروب، وكانت مشاهد الغروب تلك غارقة في الوحشة، شبيهة بالإغماء: عربدة من القرمزي القاتل والقرمزي. ولا شيء غير ذلك. أمر مقلق. وكانت الجبال تصير يومئذ خردلانيّة.

كنت أعمل في هدوء ويسر، وأختلس بنظرة جانبية شذرات من نوم القبطان، وأدوّنها بقلم رصاص للوحتي التي ستستغرق الصيف كلّه. وكان يطيب لي خصوصًا أن أرتشف الشراب، فهو من كوكب كابيل، وهناك، كما يقولون، تبلغ شجيرات عنب الثور الصدور، وتجمع أحضانَ الثمار الناضجة فتياتٌ يغنّين، بعصابات ملوّنة من طراز الهنود الحمر في شعورهن. وإلى هناك بالذات تحوّلت إحدى معارفي العزيزات، التي كنت لتوّي أنوي أن أصادقها صداقة فنان بفنانة… لعل في هذا الشراب الذي يدفئ الروح دفءَ يديها الوفيّتين وحنانهما أيضًا؟ أظنني نقلت بصورة لا بأس بها كل تلك الكتلة من الفضاء الضاغط، وأن الشيطان وحده يعلم متى سنبلغ تلك اللامحدودية كلّها. لكن ذلك بدا متكلّف العظمة أكثر من اللازم، فسيحًا ومستوحشًا إلى ذلك الحد: خلاء مفتوح على مصراعيه، ووجوه جبال شديدة الجباه، ومدّات غروب ثقيلة… أضفت على إحدى التلال المحدودبة هيئة فارس صغيرة، شرسة ومتوترة، فوق فرس ضئيلة منفوشة الشعر. متشبّثًا بالآفاق الريحية كالمشبك الحديدي، كان يرقب العوالم: كشافًا، راصدًا أماميًا، رسولًا… صار الأمر بسيطًا وصارمًا، كما في الشطرنج — لقد ملأ، كأنما بقَدَر، خانة الفضاء في تركيب حُسم منذ زمن. واتّكأت اتّكاءة أستاذ في غاية الأبهة، أقلّب مجلّاتي المحبّبة بلا اكتراث. وكان الشراب، بقَبَضه ورطوبته، يلفّ ذكرياتي بضباب الوعد بيدين لم تتحقّقا بعد… كل هذا كان من فعل تلك اللوحة الحمقاء التي تجنّنني، لفنان عريق ذي تكريم قديم: «جمع محصول عنب الثور على كوكب كابيل»، التي قيل إنها تزيّن بهو مدرستنا منذ أمد بفخامتها التي لا تُنسى، لهذا يتراءى لي كل شيء، ولهذا أتذكّر…

انكسر شيء في المساء، طقّ، مفتاح ما… تناثر. نخر الهواءَ رنينٌ متلوٍّ رفيع وانقطع، تذمّرٌ انتفض… ارتعاش — …أنين؟ التفتُّ — انطوى كرسي استرخاء القبطان وانقذف إلى الوراء — أما هو فالتوى، وفتل نفسه إلى الرمل، لكنه انتفض على ركبتيه، وبوجهه الغاضب الداكن، كأنه منظار البندقية البعيدة المدى الذي تلعب فيه انعكاسات الغروب الخافتة، أخذ يبحث عن شيء، يتقصّاه في الخطوط المسطّرة لأفق الشطرنج… ماذا؟! — كنت مأخوذًا أعايش هذا الكولاج الفوتوغرافي الذي خلطته في لحظة يد غاضبة. نهض مستقيمًا من ركبتيه، وخُيّل إليّ أنه قبّل، قبلة طقسية، طرف راية الغروب، لكنه مسح عن وجهه حقد البندقية البعيد المدى، وعن شفتيه حبّات الرمل — أم؟ خُيّل إليّ أنني سمعت… غشاوة نطق من البطن، صلاة، لعنة ما..؟ — هاه؟! — لم أفهم من جديد، لكن القبطان كان يمشي نحو فتحة الدخول بترنّح مخيف لمبتدئ في المشي على الحبل، أو كأن طريقه ملغّم بعناية، وينبغي توقّع انفجار في كل ثانية. ولم أفهم شيئًا من مصيره، لكن المساء بات مذعورًا عندي. وأنا أجمع أغراضي فكّرت في تلك العبارة الأعجمية، أكانت شيئًا شيطانيًا؟ — «ظلّ سهم الأب»… — هذا ما قاله. وحرّكت أيضًا كرسي الاسترخاء الذي تركه، فلمعت في الرمل سمكة المشبك الإذاعي الفضية، لا بد أنه وقع عند سقوطه. لم أتمالك نفسي، وقرّبت أذني من ثقب مفتاح الكون. خُيّل إليّ أنني أسمع آلات متعدّدة الأصوات، كأن أوركسترا تضبط أنغامها قبل العزف، وموسيقيين يتحدّثون في غير اتّساق — كانت أصواتهم تخشخش كأوراق صلبة مجعّدة — أم كانت الريح تقلّب صفحات النوتة؟ جرت أصابع أحدهم، بسرّ المناولة، على الأوتار المتعبّدة… وغنّى مزمار مبهم بحنجرة رفيعة… وتناثرت الصنوج والأجراس رشاشًا نحاسيًا… وكان البيانو الآلي يحفّ كشرائط في الريح… كان مسموعًا، ملموسًا، حقيقيًا — اقترب أحدهم، ونقر على الميكروفون، وقال: «في كوخ الحارس، في الحديقة، في الخزنة السوداء…»، فالتقط الصدى الارتدادي العبارة، وبثّها، وجعلها ترنّ — «…في كوخ الحارس، في الحديقة… في كوخ الحارس…» من أين جاء هذا؟ ما الذي جلد القلب هكذا؟ أليس الكون الأبيض والأزرق هو الذي لحق بي وناداني عائدًا؟ — فقد حدث ذلك حقًا، حدث… لكن ماذا هناك، وكيف تتمّ العبارة؟ لماذا لا أتذكّر… — أم؟ — لا، سأعود فألوي وأفرد العصابة الزرقاء البيضاء لضفيرتي الصينية في شريط غامض…

لحقت بالقبطان في البهو وأنا محمّل بكل متاعي، ومددت على كفّي تلك الحدقة المضيئة العجيبة. تذكّرني بمشقّة، وربّت على كتفي، ومضى بالمصعد. لم يتعشّ، وأغلق على نفسه مقصورته، وأبلغ عبر جهاز الاتصال أنه يشعر بتوعّك. لكن لا بأس.

— وهكذا انكسر شيء في حياتنا، طقّ، مفتاح ما…: نحل القبطان أرسالان وشحب، واحترقت مصابيح وأجهزة، وأخذت سيغناليزيشن-سبيشيال-سيرينا تنخر برنينها المثقاب، وكان أحدهم يظلّ دائمًا بلا فطور أو بلا غداء… كانت القهوة تفور أكثر من اللازم، والوجوه كلّها جادّة الغضب، وفي المسبح كنت ألاحظ منشفة مبلّلة أُلقيت للتو، أو رداء حمّام رطبًا لا أدري لمن. حتى إنني استفسرت من رئيس النوبة: كم شخصًا من الطاقم على متن الجرّار؟ — سبعة، كالعادة… — أجابني، وقد ظنّ، على ما يبدو، أن أسراري الجديدة، أنا مصمّم الفرح غير المنتظر، هي طرح أسئلة بلهاء. لكنني لست وغدًا وتلميذًا راسبًا إلى حدّ أن أصلح في كل مرة خطأ سخيفًا، وبعد أن فكّرت مليًا، صرت أرسل ثماني حصص وتسع حصص… — وكان روبوت التوصيل يوزّعها كلّها.

جاء إليّ.

عرفته في الحال. كان إنسان العشب: مغوليًا صغيرًا ذابلًا برداء جلدي لامع، وقبّعة شعثاء ذات أربطة، وأطراف حذائه الليّن تتطلّع إلى سمائنا المصنوعة من اللينوليوم.

كنت آنذاك وحدي، في حانتنا الصغيرة جدًا، ألمّع خفّاق الكوكتيل القديم الوفيّ، وأعلّق الفوانيس الملوّنة.

— من أنت؟ — سألت مسحورًا.

— أنا غيسر خان.

— ماذا تريد؟

— أعطني فودكا.

صببت له قليلًا في كأس صغيرة وقعت تحت يدي، لكنه نحّاها بمرفقه، ولم يقبل إلا قدحًا ممتلئًا، فشربه في جرعة هادئة قصيرة. ووقف يتمايل، يشمّ كمّه المعبّق بالعشب والنعناع بعد الشرب.

— أتحب فطائر الشوفان الصغيرة؟ — سألته أيضًا.

— نعم… — ترنّح في غشاوة، وأخرج شيئًا من أعماق مسكنه الجلدي، ووضعه على منضدة الحانة المصقولة. كانت ملعقة عريضة صغيرة، داكنة وعتيقة، ذات مقبض طويل.

— ما هذا؟

— هذه مِقلبة لقلب الفطائر، — أجاب وهو يشخر بأنفه شخرةً واسعة طليقة. — لجدّتي… — أضاف بصوت أخفض، ومضى، محيطًا بقوس ساقيه، ساقَي فارس، بالبعيد والقريب، بزمن نيران الإشارة والترحال الذي تفوح منه بعنف رائحة عسل الأعشاب التي وطئتها الحوافر والغبار الحارّ العطر.

في ذلك الوقت بالذات وصل إلينا بالطائرة باتخيتخفان تشومبورا، عازف الآلات الهندية الشعبية (ولهذا كان ذلك الترتيب الشامل)، فأخذ الجميع يدخلون ويجلسون في الحانة. أمضى طويلًا يضبط أوتار السيتار، وغنّى وعزف موسيقاه، وأشعل غشاوة أعواد البخور، وتصبّب عرقًا، ورمد وجهه وهزل، وهو يتأرجح كبندول بجسده المصبوب النافذ شمسًا. — …نوارس فوق البحر، أنتم — نوارس بيضاء فوق البحر الأزرق، — كان يقول لنا، أم يصرخ؟ — من مكان ما بعيد في الأسفل، — ليس لديكم ما تخافونه، استرخوا، بهدوء، كل شيء هادئ… — وكنا نصير أكثر فأكثر نوارس فوق البحر ونطير، ونطير… — أكانت الموسيقى هي التي تطير، أم كلماته، أم غشاوة من النطق من البطن؟ — أكان إنسان العشب هو الذي يغنّي؟ أصابع متعبّدة على أوتار سرّ مناولة الليل، ونبأ رفيع الحنجرة من زهرة الخلود، وارتعاش خشن لضبابات تسيل عن الأعراف، وحفيف أربطة آسيوية، ورشاش حلقات نحاسية… — أم هو رنين الأجراس — الأساور على انعطافة معصم سمراء ترتفع من ماء أغسطس بإيقاع منتظم، حين كانت تسبح من حلمي المداري إلى منطقة الشاطئ، الذي لا سبيل إلى استعادته لمجرّد العجز عن تذكّر عبارة، نهايتها واضحة: «…في كوخ الحارس، في الحديقة، في الخزنة السوداء». هكذا أدركني الكون الأبيض والأزرق، وأخذ يستوعبني: …بينها وبين أغسطس — لا شيء، تسبح في ماء أغسطس، ولا تسمع رنين السوار الخافت — يبكي رائد الفضاء في حلم مداري…، في رحلة مدارية، رائد الفضاء — هو أنا، وهي — ذلك الزمن، تلك الأغنية التي لا أستطيع، أم لا أجرؤ؟ — أن أستعيدها، فأنا أذكر، أريد أن أتذكّر — وأخاف، ولا أجرؤ، وأجرؤ وأخاف من ذلك العالم الذي يبتعد عني سباحة في ماء أغسطس، ويفرّ كعدّاء صامت يهرول فرارًا من احتشاء القلب… (- لكن لماذا ركض اليوم؟ — بسطر ثخين من الآثار، كخيط إسكافي مشمّع، خاط الثلج الأول حتى الربيع). أم إن هذا كلّه — أوان جزّ الحشيش؟

ترحل إلى القرية،
وحين تعود —
تنتعل النساء أحذية مختلفة:
في قدم حذاءً ذهبيًا،
وفي الأخرى — أرجوانيًا…

لا، كيف لي أن أبلغ بالفكرة منتهاها، أأنا المذنب لأنني نسيت؟ وكانت الموسيقى تطير، وتستوعب كل شيء، وتهتزّ — وتأتي بمدّات الغروب الثقيلة، وصفير السهم، وغشاوة النطق من البطن المقرقعة… وانتهت بسرعة، وانقطعت، وارتجفت وخمدت، وانجرفت، وحادت عن مسارها، وانكمشت في الفضاء… هزّت ضربة عميقة أحشاء جرّارنا، كأنها تقلّصات مخاض في المحرّك، وعواء صدى صفّارة يتمدّد في دوائر… انطفأ الضوء. لقد توقّفنا بالتأكيد، مصطدمين بضغط حدّ غير مرئي. وتفرّق الجميع في العتمة القلقة إلى مواقعهم، على امتداد الخيوط الهادية لموصل ضوء الطوارئ.

لم يكن لديّ مكان أهرع إليه، فكنت مع الساحر العظيم للنوارس فوق البحر نشرب الشاي في الوميض الخافت لمصابيح الطوارئ.

— مكان سيئ، لا يُدرَك… — كان يقرقر بعدما شرب أكوابًا كثيرة. شيء يمتصّ الطاقة، كانت نغمة الكون كلّها تذهب فيه كما يذهب الماء في الرمل. — أنا متعب جدًا، جدًا… لم أعزف يومًا بمثل هذا السوء — صمت، يمتصّ الشاي، وأضاف: كأن هناك شخصًا آخر هنا… ويمشي هناك، ويهيم…

— يا لها من ضربة! عطل، لقد حدث شيء، — قلت، وأنا أفيق من تعويذة البخور السيغاري

— لا، لست أعني هذا… — لوّح بيده ساحر الآلات الهندية الشعبية ومشعوذها.

— ستصل المروحية قريبًا وتأخذكم.

— أردت أن أقول…

وهكذا طوّقني الكون الأبيض والأزرق بأفعوين: بيّضني وزرّقني فوق بحريًا من أنابيب الكون المنعصرة، ولفّني بملاءات عرائسية لقارّات جغرافية مجهولة وبأوشحة زرقاء فاتحة لكتلة البحار متفاوتة الأحجام، وسحرني بطيور الشعر الأبيض الخارجة من غلاف الليل الأزرق، ونفض رماد النوارس الناصع من سجائر السهول الثلجية العظيمة فوق رأسي الخزفي… هكذا تنبّأ بي الحلم المداري، محرّكًا بقدَرٍ قطع الأحداث البيضاء والزرقاء في مربّعات الشطرنج لآفاق قرمزية، في تركيب حُسم منذ زمن

وفي صباح اليوم التالي كنا لا نزال واقفين. انغلق الغضب المجتهد على الوجوه في تقلّصات شبيهة بما قبل الولادة. وكان التقدّم يراوح حائرًا خلف ظهورنا. انقضّت علينا فرق خاصة. وجاء الشيطان أيضًا بالأجهزة المختصّة. استدعاني أحد الاختصاصيين إلى المكتبة، حيث نصبوا ديوانهم. وكانت لحيته تتجعّد ظافرةً بفقرات سوداء صلبة من اللوائح.

— هل كنتم تعلمون، — بدأ بعد ما يرافق ذلك من تعريض والتفاف، — أن شخصًا ثامنًا كان على الجرّار، وليس من أفراد الطاقم؟

احولّت عيناي قليلًا. نعم، لا يمكن هنا أن أتخيّل نفسي نورسًا أحمق فوق بحر أحمق، فقد كان بوسعهم فكّ سجلات الحاسوب.

— صحيح! — وكأنه علّق همس أفكاري الفزِع بخطّاف إصبعه. — راجعنا سجلات الحاسوب، وحتى مسارات توصيل الطعام بواسطة الروبوت! إذن… — وها هو يصطاد أيضًا سمكة تخمينه الصغيرة، — كنتم متواطئين جنائيًا مع ملّاح الفيديو إيزيا فايبوشيفيتش، الذي اصطحب خلسةً وآوى، في مخالفة لنظام الطاقم، عـ… عشيقته! المدعوّة، المدعوّة… — وراح يصطاد على الطاولة أوراقًا هزيلة تتطاير بفعل المروحة. — على أي حال، هذا غير مهم، لم نفهم الأمر إلى آخره نحن أيضًا بعد… كيف يقولون، «المرأة على السفينة نذير شؤم»؟ — ضحك ضحكة خفيفة، من دون أن يخالف بذلك، بالطبع، نظام الطاقم، وفهمت أنني تورّطت! إيزيا فايبوشيفيتش… — ما الذي أغراه الشيطان به؟!

— لكن هذا ليس كل شيء، — تابعت اللحية الاختصاصية المتحذلقة، — انظروا إلى هذا المسقط. ومدّ إليّ ورقة رسم بياني. — توقّف المحرّك بسبب دخول جسم غريب ما إلى الجزء الدوّار. ولم يستطع الحاسوب الإلكتروني المحلي تحديد تركيب هذا الـ… مم… الجسم، ولا منشئه، ولا الغرض منه. لقد تفتّت إلى جسيمات ذرّية قبل أن تعمل آلية الحماية. وهذه قراءته البيانية، — وأخذ ينخز بإصبعه الحاضر في كل مكان ويجول به في تشابك الخطوط والأرقام الملوّنة وفوضاها. كانت المعادلات والرسوم من كل نوع تثير غثياني منذ الطفولة، لكنني استطعت هنا أن أتبيّن فعلًا شيئًا ممدودًا، أشبه بالبصلة، ذا عنق طويل.

— أترون، أتشعرون..؟! — همس المتخصّص المدقّق بخشوع مقدّس، ينثر اللعاب والخطّافات، — إنه يشبه أكثر ما يشبه مركبة فضائية ذات منشأ غريب عنّا بوضوح! ربما… غزو من كوكب آخر؟ — ما رأيكم؟

عدت إلى حجرتي، وأغلقت عليّ الباب واستلقيت. لم أفكّر في شيء، كان الأمر مضحكًا عندي وحسب: …كائنات فضائية! غزو! إن هذا الـ… مم… الجسم كان يذكّرني، أكثر ما يذكّرني، بمِقلبة لقلب الفطائر! أخرجت تلك العُظيمة السوداء اليابسة من عظام القرون، البعيدة عن حياتنا، وقارنتها بعيني مع خطوط الرسم البياني الانسيابية. لم يكن ثمة مجال للشك! — إنها مثلها تمامًا، لكن لماذا لزم إطلاق هذه الرسالة الغريبة في محرّكنا؟ ربطت الهدية المجهولة بسلك صغير وعلّقتها على صدري تحت السترة.

تهيّأ جميع الوافدين الجدد ورجالنا في منتصف النهار للطيران إلى المصنع — أم إلى مكان آخر؟ — لقضاء شؤونهم. إما أنهم طلبوا مني أن أناوب (وربما أمروني؟)، أو على العكس، نسوني في الهرج، ولعل المقاعد لم تكفِ، كما يحدث — وخلاصة القول أنني بقيت على متن هذه الكتلة الهائلة الآخذة في البرود من ضجيج العمل وقيظه. ودّعتهم وهم يصعدون إلى مروحيّة الفريق الخاص البرتقالية. وكانت معهم امرأة أيضًا، لكن فليأخذني الشيطان إن لم تكن هي زوجة إيزيا نفسها، العادية تمامًا، زوجته الشرعية! زرت بيتهما مرة أو مرتين، وها هي الآن أيضًا تبتسم لي ابتسامة شاحبة، وتلوّح بحزن. أيّ ألاعيب هذه!

ومهما فعلت، لم يستقم لي الوقت. كنت أقلّب المجلّات آليًا، وأبتلّ تحت مطر الدشّ، وأهيم في الممرّات عديمة اللون، وأزقزق بالقلم على قطعة كرتون، وأبتكر طعامًا ما، لكن كل ذلك كان كئيبًا وعديم الجدوى، فارغًا كلّه… هوى المساء عليّ كمظلّي من كرتون، وسدّ عزلتي وأحاطها بتموّجات ليل مشدود ينتفخ كالشراع. كنت أقف على أعلى سطح — وحياتي تتكاثف حولي، وتطير في صمت بالغ السكون. كنت أحب زمني بحلاوة مرعبة، ذلك الذي أعرفه ككرة خيط لا تنقطع من الأحداث والوقائع، والأمارات والعلامات الخفية، التي كان كثيرون وكثيرون لا يعيشونها، بل يسحقونها بجرّار ثقيل أو يعدون — إلى أين؟ — لا أحد يعلم! — في سيارة تتفجّر. لكن ثقب مفتاح الكون العجيب لمع لي — نار إشارة؟! لمن هي؟ من يمكن أن يكون هناك؟ — أمامنا قيظ عاصف لا غير وجبال المينيا الحمراء. لا شيء. هضبة خورامتشير.

هكذا استقرّ الأمر في رأسي، وراح يطقطق ككاميرا لتصوير الأحداث فائقة الغرابة، بشريط حُمّل من جديد، وكنت أستوعب ما يجري كأنما بمحدّد منظر بصري، وشريط الأصوات والكلام يدور في داخلي. اشتعلت نار إشارة مجيبة على برج حراسة حدس قديم — أم انتظار؟ — بحيث لم أستطع إلا أن أستجيب لها، كنت أمشي، أمشي في الرمل المقرمش، أدوس كل أعشاب الريش والحشائش تلك، وهتافات الترحال القديم — متعثّرًا بحرير النجوم في الليل المظلّي، أردت أن أستكشف بعينين عجيبتين، وأن أشرب بحلق جافّ هذا السراب… وبعد ثلاثين سنة وثلاث سنوات من تلك الليلة بلغتُه — نارًا حيّة حقيقية، وكان هناك أناس جالسون: صاحبي القديم إنسان العشب، وآخر لا أعرفه — صلبته الشمس والريح السوداء على صليب الطرق المغبرّة كلّها، المؤدّية إلى الأماكن فائقة القداسة، إلى مكّة ذهبية ضائعة للمغفرة الشاملة، هكذا بدا لي… كانوا يشوون سمكًا على سفّود… لماذا أعرف أنه على سفّود؟ — لماذا كانت تلك نارًا، وكانوا يتدفّأون بجانبها، ويقطعون الليل، ويعدّون الطعام؟ ربما كانت تلك اللوحة الحمقاء تجنّنني، لفنان عريق ذي تكريم قديم… لفنان ما… — ها هي ماثلة أمام عينيّ، ولهذا يتراءى لي كل شيء، ولهذا أتذكّر… كانوا يشقّون السمكة على حجر، ويفكّون علامات الحياة الفضية تحت الماء، ويفتحون تنفّسًا ورديًا فوق النار، فوق لمعات الجواهر في الجمر المنهك — وكل هذا على عيدان مشذّبة مشعّبة، عتيقة كأدوات التعذيب، بعد أن رشّوا الملح الخشن على القطع المفتوحة الأفواه — كانت حركاتهم أشبه برقصة، بنوع من تواصل البكم — مفهوم وأليف بشيء ما، منسيّ… — ألوان عميقة منسيّة، وروائح، وصوت…

— هل جلبت لنا فودكا؟ — سألني بصوت حلقي فوق السهب رفيقي المغولي العشبي، لاعقًا أصابعه المتشحّمة ومغيّرًا مواضع العيدان لتستريح في النار.

— نعم… — سررت بجدوى السؤال، وأنا أستخرج فعلًا من حقيبة «إيروفلوت» قارورةً خارج الزمن، أبهرت الجميع ببريق زئبقي.

قدّم قطرة إلى الأرواح كلّها في جهات العالم الأربع، ثم صبّ لنا في أهوان نحاسية صغيرة ثقيلة، تُستخدم لسحق الأصباغ المعدنية. أعطوني مكانًا عند النار، وأعطوني فودكا — وعودًا مسوّدًا بالدخان مغروزًا في قطعة ثقيلة يتصاعد منها الدهن — وأكلتها كأنها الفضاء العطري اللانهائي لهذه الليلة، للذاكرة، للماضي…

— هذا، أتعرف، — قال المغولي، — هذا أومول بايكال، طازج! وأما هذا، — فأشار إلى الصامت المصلوب، الأسود الغريب، — فهو… هذا، ما اسمه؟ آه، المتشرّد، رجل من أغنية، يريد أن يعبر بايكال سباحة.

— لكن كيف، بايكال؟

— ماذا، ألا تعرف بايكال؟

— لا…

— يا لك من..! — نظرا إليّ معًا بقصور قلبي، وواصلا غرس أسنانهما في قطع مدخّنة من الفضاءات والعصور والأحداث.

كانت بايكال هنا من قبل. بحر هائل. مقدّس. مضيء. في زمن بعيد. ذاكرة القرون المتماوجة. ولا سبيل إلى التذكّر الآن. ألف قرن. جينات البشرية ودمها. ماء سَلَى الحضارة. تلافيف الأمواج السائلة. غيم كالح. أرجوحة جليدية. بيت. أغنية، أتذكر كلمات كهذه؟ نعم، كريّات الكلمات الصلبة من الكون الغسقي تتدافع وتجري في دمك. كوكب بايكال. نجم المتشرّد. حشد نجمي. نيرتشينسكي زافود هاه؟! عبر سهوب ما وراء بايكال البرّية، حيث يحفرون الذهب في الجبال… السهب. العشيّة. القافزون العمالقة. القنابل الضاحكة. زمن الاضطراب. راسكولنيكوف بفأس صاروخية. هاه؟! — أذكر، أذكر… نعم! ها هو — المتشرّد. يقترب من بايكال، ويأخذ قارب صيّاد، ويشرع في أغنية حزينة، يغنّي عن وطنه الحبيب… خرا-ء لكم! وما شأني أنا… انظر، أيّ صمت هذا… أعدموا بايكال رميًا بالرصاص كما أعدموا القيصر (في قبو الأزمنة المسحورة، أمطروها بالقنابل اليدوية، وأغرقوها بالحمض). صحيح تمامًا، أذكر: حفرة نتنة، ميدان تجارب، هضبة صخرية، طريق… — مرّ كل ذلك أمام عينيّ، وما زلت أهيم بلا مستقر. بقيت الأغنية، نعم. أيّ هضبة، خورامتشير؟ أيّ جرّار؟ طريق رئيسي، حلبة سيارات، متنزّه صواريخ، ميناء عملاق، طريق جوي، ألوموكرومسيليكاتوفوسفات، الشيطانيعلمإلىأين… بدأ الثلج يهطل. ماذا؟! بدأ الثلج المضيء يهطل، أقول. يجب أن تكون بايكال هنا، ذهب، جبال، قوارب صيّادين… لكن الثلج كان يهطل بغزارة، وكانت تتساقط، وتدور كالمسحورة، نوارس ميتة ودراجات كورية مستعملة. رغوة صابون، رغوة صابون قذرة حتى الركبتين. كانت تجذب إلى جوفها، وتستوعب، وكان المشي عسيرًا. وكانت مكبّرات صوت الشرطة المعوجّة مرمية في كل مكان، لكنها تعمل. التقطت واحدًا وصرخت: «ماذا تفعلون؟ عودوا إلى رشدكم!» لم يلتفت، وكان يمسك بعض النوارس من أجنحتها، ويحلقها على الصفر بشفرة حلاقة مكشوفة، ويقذفها جانبًا. كانت تختلج وتتمرّغ — فيضربها على رؤوسها بمقبض مسدس ماكاروف الثقيل، كان يمسك المسدس مستعدًا، لكن كان عليه أيضًا أن يصدّ الدراجات والآلات الكاتبة وأطواق الهولا هوب المتساقطة. رأيته بالوضوح نفسه، مباشرةً، عن قرب — كما أراك. كان متعرّقًا، بقميص داخلي صغير بنفسجي فاتح ملطّخ بالدهن، لكن عندئذ رنّ هاتف-سبتمبر

… نعم، كل هذا تحلم به، فهو حلم مداري، لقد طرت طويلًا، وسمعت صيحات مبهمة، وحفيفًا، وفرقعة، وأصواتًا… وزقزقة البحر، وتنهّدات الطيور الثقيلة، وهمس النساء، والصلوات رنين ملعقة صغيرة في كأس، وصنوج نحاسية صغيرة، وأجراس، وأساور — كنّا نفكّ منك كيلومترات كاملة من الشريط بكل تلك القرقعة، كنت كجهاز تسجيل مضبوط على «التسجيل»… نعم، وكنت تتقيّأ قطعًا كاملة من الزمن، وتقذف فضاءات، وعصورًا ملعونة، وأحداثًا خارج الزمن… نعم، بالضبط! — كنت معلّقًا في الهواء وسط معبد عالٍ مضيء، وكان أناس مبتسمون قلقون يقتربون، وينظرون، ويضحكون بخفّة ويبكون، ويتحدّثون، وفي مكان ما أسفل بعيدًا كان باتخيتخفان تشومبورا يعزف على سيتار رشيق ويشعل أعواد البخور… عثرت عليك مجموعة مروحيات البحث في صميم قلب الرمال — إلى أين كنت تتقدّم؟ نحو ماذا؟ أمدّ إليك يديّ عبر هذا المقهى الحجري، لقد تحوّلت من كوكب كابيل — وكان ذلك في أوج جمع محصول عنب الثور! — الذي تجمعه حتمًا فتيات يغنّين — لم يُقبَّلن قطّ، عذارى — وهذا تحديدًا، بعصابات ملوّنة من طراز الهنود الحمر في شعورهن… وكانت معك حقيبة سفر بالية بسحّاب مكسور، مليئة بالزجاجات..! زجاجات مجوّفة الرنين فارغة الطنين من كل الأشكال والأحجام والأزمنة والشعوب — من أين جاء هذا؟ ماذا تريد أن تقول؟

نعم، نعم! فقد رنّ هاتف-سبتمبر، ورفعت السماعة — كما توقّعت، كانوا يبحثون عني، إذ كانت قطع الأحداث المصبوبة الزرقاء والبيضاء تتحرّك بسهولة في المباراة المقدّرة، وكان اللاعبون، بحكمتهم الماكرة، قد انحنوا فوقي أيضًا باهتمام. كان رئيس مجلس قدامى القافزين إلى اللا المطلق… نفسه — وقد حُدّد لي موعد معه. وكان الموت قد مرّ طائرًا فوقنا… أعدّونا لهذا طويلًا، لكن كل شيء كان قد حدث بالفعل، كنت أحسّ بذلك، ورأيت المصابيح والأجهزة المحترقة، والقهوة التي أفرط غليانها، وجثث الساكسوفونات التركيبية الصغيرة المتفحّمة المنكمشة… كانوا يذيعون موسيقى التشيلّو، وأخبارًا مضطربة مفكّكة — وكان الأهمّ على وشك أن ينفلت من شفاه المذيعين المسحورين في عجلات رمادية صغيرة بلا سبب، ومربّعات، وإبر صغيرة، وشفرات عشب. ببطء كنت أفيق من اليأس، وببطء أعتاد المقهى وأضحك في الشوارع، وألفّ أذنيّ بهدير قطارات منتصف الليل، وأشعل سيجارة أو شموعًا في المعبد… انتهى. أصاب الموت «التسعة»!

وجدته بصعوبة، كان يعيش تحت جسر خرساني عند تقاطع طريق جوي، في حافلة صدئة احترقت ذات يوم. هل دهشت حين رأيت شراع القميص الرومانسي، والسيتار المعقّد، وأعواد البخور المدخّنة، ووجه باتخيتخفان تشومبورا الفسيح، كالسماء بنوارس لمعاتها المبتسمة؟ إذن فهذا هو — رئيس مجلس القدامى الأسطوريين..! كان بطن الحافلة دافئًا، صدئًا، نصف مظلم — وكانت تنمو هناك بهدوء الشجرة التي استنار تحتها بوذا. لا، كان هناك سهل رمادي صابوني، مال كطاولة — فأخذت الرغوة تجتاح، والزلق في كل مكان، ولا شيء أتمسّك به… التفت، فرآني، ورمى إليّ طرف حبل تسلّق جبلي. تعلّقت به بشقّ الأنفس، وتدلّيت، أتزحلق في الرغوة، ونتف الريش، والدراجات… ربط الحبل بالطاولة، وكانت هناك طاولة أيضًا، طاولة مكتبية رسمية جدًا: عدّة هواتف، وطقم كتابة، وفاكس، وأوراق. ارتدى قميصًا لائقًا تمامًا بخطوط رفيعة، وربطة عنق، وسوّى شعره، ودسّ المسدس في حزامه، وجلس وراء الطاولة، وأضاء المصباح. ولم يكن مفهومًا كيف يجلس هناك؟ — فكل شيء كان مائلًا جدًا، ميلانًا شديدًا.

— حسنًا، — خاطبني، — أمدهوش لأن عليّ أن أنشغل بهذا كلّه؟ وماذا إذن، ألف عام من رخائكم وأنا أهيم بلا أصل ولا عشيرة، هاه؟ أنت تحاول أن تتذكّر سطرًا واحدًا وحسب، أن تعود في الزمن — ولا تستطيع، فكيف بي أنا؟ وهل تعرف ذلك اللحن البالغ الكآبة بلا نهاية، تلك الزفرة التي تمزّق الروح، أهو-أنين؟ غشاوة؟ — صلاة، لعنة… — تعرف، جلسنا في تلك الليلة عند النار، وغنّينا أغنية. فأيّ زمن، وأيّ أغنية؟ آنذاك كان يأتيك أصدقاء، أصدقاء كثيرون، وكنت تعمل فنان تزيين متعاقدًا في الحديقة… في كوخ الحارس المتداعي كنتم تشربون نبيذًا، نبيذًا دافئًا علقت به شفرات عشب ووريقات ونمل. وفي ركن الكوخ كانت تنتصب، لسبب غير مفهوم، خزنة سوداء هائلة… هاه؟ — «في كوخ الحارس، في الحديقة، في الخزنة السوداء — سأحتفظ بالزجاجات التي شربتها هذا الصيف…» أليس كذلك؟ بالضبط؟

… لقد كانت رؤيا لك، رؤيا مضيئة، فالحلم المداري لا يحدث هكذا بلا سبب، منذ القدم أقام الناس المعابد في هذه الأماكن — ففيها يدخل الكون الغسقي إلى الإنسان ببساطة… أنت تعرف الآن، كل شيء حدث، مرّ الموت طائرًا فوقنا، لم يكن القبطان أرسالان يرتدي عبثًا السترة التي طُبع عليها الرقم «تسعة» الممحو نصفه، لقد مات… أدار الجرّار حين بقي وحده، أدار جرّاركم الملعون وتحرك عائدًا، وأكل فضاء الليل ذاك، وذلك الطريق — أغلق هضبة خورامتشير، والآن هبط هناك اللا المطلق… — لن يستطيع أحد أن يدخل، أو يعرف، أو يغيّر شيئًا… هكذا قُدّر له، ذاك هو الامتياز الأخير للقافز إلى اللا المطلق… لكنه أوصى قبل موته أن يُسلَّم إليك مشبكه الإذاعي — ها هو، إنه علامة درجة استثنائية فائقة من الاطّلاع على الأسرار! والغريب أن تكون أنت — همم… مصمّم الفرح غير المنتظر… يقولون إنك كنت ترسم لوحة ما، «من أدرك الصمت»، أليس كذلك؟ مثير للاهتمام… لكن يمكنك الآن أن تكون في اللا المطلق… يمكنك أن تستخدم قناة الانتقال الآني «إلى الجميع! إلى الجميع! إلى الجميع!» إذا كنت تحتاج إلى ذلك، طبعًا، إذا كنت تعرف لماذا؟ وحين يدركك الكون الأبيض والأزرق، وتخنقك القارّات المجهولة والأوشحة الزرقاء الفاتحة لكتلة البحار متفاوتة الأحجام، ويسحرك الشعر الأبيض، وتزحف إلى حلقك حنينًا سجائر السهول الثلجية العظيمة ستعرف ماذا تفعل، ستعرف…

أنهيت شواغلي وأعمالي، وسدّدت ديوني، وكتبت رسائل الموت. ومن المشبك الإذاعي كانت شفرات النوارس القاطعة تندفع في رأسي، والموج يصرّ ويحكّ، والريح الزجاجية تختنق متهدّجة.

هكذا وجدت نفسي في اللا المطلق…

في الواقع لم يحدث شيء: كانت مشاهد غروب عاصفة تحوم، والقيظ القرمزي قائم، وجرّارنا عند أول الهضبة، من حيث انطلقنا في طريق القيامة. شقّت القشرة المعوجّة لضربة جارفة صميم قلب آسيا العميقة، وكانت الشمس تهبط كغوّاصة أعماق متّقدة في جبل نحاسي آلي. كنت أهيم في أحشاء الممرّات التي بدأ العشب يغزوها — كان الصمت يسود في كل مكان، واخترقت سيقان النباتات المتسلّقة الجدران، وتجعّدت الأجهزة ولوحات التحكّم بالطحلب، وملأ العتمُ المزهر كل ما حولي. امتدّ المسبح بحيرةً خضراء الماء، ذات شلّال صغير يخرخر، وأخذت قاعة الآلات السفلى تستنقع، وتنمو فيها أشجار بتولا كئيبة صغيرة، وتناثرت هنا وهناك روبوتات كصخور رمادية… ونحن الذين عبدنا هذه الأصنام المحشوّة بالإلكترونيات، وهذه السماء المصنوعة من اللينوليوم، والأفكار البلاستيكية..! — وانظر، فما إن كففنا تأثيرنا الحاضر في كل مكان حتى صارت لا شيء على الإطلاق! — صفرًا، وبِلى، ووهمًا.

لكن لم يكن هذا ما يشغلني، كنت أفكّر في شيء آخر، وكدت أعتاده وأعددت نفسي…

نعم، على السطح العلوي لمنصّة المروحيات — هناك لم يكن غير السماء متّكئًا على الحواجز الفولاذية… بات من الممكن ألّا تراه، إلى هذا الحد نما خلاله العشب الشمالي الذابل — لولا سترته المشؤومة تلك. كان قد انطوى في هيئة طفل غريبة بائسة، يلتفّ وينكمش في كُويرة، نابض حياة لم تُطلَق بعد، وهكذا أُخذ على حين غرّة — سهم مستقيم صلب اخترق بدقّة تقاطع خطوط الشطرنج بين لوحي كتفيه، وشقّ الرقم الأحمق، الذي لا يُعرف لأيّ غرض — أو لأيّ شخص؟ — ثُبّت هناك، عند نقطة الصمت المنهار من علٍ.

أغمض كل شيء عينيه: السماء، والناحية، والجرّار، والغروب… جلست أفكّر فيه. كانت الشرائط التي بهتت ألوانها تحفّ بالكاد، وقد رُبطت بمحبة تيبتية جدًا عند الريش المهترئ نفسه، أم أن تلك كانت خشخشة أوراق الشجرة العزيزة التي استنار تحتها بوذا..! — في الحافلة الصدئة، تحت الجسر، في عقدة الطرق الجوية المميتة… بدأ الثلج يهطل بخفّة خفّة، فَجْريًا، من أعلى إلى أسفل ككتابة مغولية قديمة، ولم يكن يسقط إلا في عمود الصمت الممتدّ من نقطة الدم الداكنة حيث يبدأ السهم. فتحت حقيبة السفر البالية التي لم أكفّ منذ ذلك الحين عن جرّها ورائي، كنت أعلم أن عليّ أن أفعل هذا في مكان معيّن، في مربّع الشطرنج هذا بالذات، وهنا وافق المكان تمامًا. كنت أخرج تلك الظروف الزجاجية متعدّدة الأصوات، وأرسلها، كآخر ناجٍ من غرق سفينة، إلى فم الكون المحيطي الذي كشف أسنانه في صمت، بتحيّات دافئة من صيف الوداع: شفرات عشب يابسة، وغصينات، وجثث نميلات في القاع ذاته — ليتذكّر الأصدقاء المرئيون وغير المرئيين الذين يعيشون على كواكب الحدّ السابق، وليلتقطها قباطنة آخرون للقافزات العملاقة والعربات الشمسية بين النجوم، وربما تذرف حتى فتاة طيبة من كوكب عنب الثور دمعةً، وهي تنثر حِضنًا من المحصول النفيس… ستتوقّف نشرات التلفزيون، والأوامر الإذاعية، ومحادثات الاتصال الداخلي، وثرثرة الاختصاصيين، وسينكبّ الجميع على المصابيح والأجهزة الباقية، ويضبطون أجهزة التسجيل على «التسجيل» — سأبثّ إليهم عبر قناة «إلى الجميع! إلى الجميع! إلى الجميع!»: هيه، أتسمعونني؟! إذا كان لديكم شيء هو الأعزّ عليكم، فأرسلوه إليّ مختومًا في زجاجة. أرجوكم: فتات دموع أو صقيعًا فضيًا من كوكب موروز، ورذاذ الموج وندى الأزهار من كوكب تروبيكال، وكريّات دم عنب الثور من كوكب كابيل، هيه، أيّ شيء! أين أنتم هناك؟ — الوردة، الإعصار، الأزرق، السراب، مئة عام من العزلة، الغابة، تشارلي باركر، بايكال، المتشرّد، نيرتشينسكي زافود، المطر يهطل على وارسو… — أين اختفيتم جميعًا؟!

حسبت كل شيء بدقّة: في عمود الصمت نفسه، بفعل اللا المطلق… كانت زجاجاتي تسبح بسلام إلى أعلى، إلى الكون. غطّى الثلج سطح المروحيات. نم مطمئنًا، وانبت عشبًا أيها القبطان أرسالان المحترم، سأشرب شراب عنب الثور لذكرى روحك، وسأضع لك أيضًا كأسك الصغيرة مترعةً بتلك البيرة المنكّهة بالصلصة التي لا تُنسى. أما أنا فسأمضي.

لم أكن عضوًا في الحكومة. أذكر جيدًا. وجدت هذا المكان على بُعد ثلاثين كيلومترًا من الجرّار، ولم يهدني سوى الكريّات الغسقية الصلبة المسرعة في دمي. دققت أوتادًا واضحة للعلام، ومددت خيطًا على هدي الذاكرة، نعم، هكذا كان ينبغي أن يكون كل شيء. أحكمت ربط شعري عند القفا، ورسمت إشارة الصليب نحو الشمال والغرب والجنوب والشرق، وبصقت في كفّيّ وبدأت أحفر بايكال.

وأكثر ما أعجبني مجرفتي: نقش واضح على نصل فضائي مجهول — «إلى من أدرك الصمت، من مجلس قدامى القافزين إلى اللا المطلق…».

المصدر: «أرملة الساحر». مجموعة قصص وروايات قصيرة خيالية / إعداد إي. أو. إغناتييفا. موسكو: مولودايا غفارديا، 1991. ص. 444–460. قوبل النص بالنسخة المصوّرة الكاملة من المكتبة العامة؛ وحُفظت خصائص النص المطبوع.