16 px
الفهرس

في المجلة، تفصل بين المقاطع نجمات، ولا عناوين لها. أما العناوين أدناه فمأخوذة من الأسطر الأولى للنص.

  1. فتح جرّاح القلب الأمريكي الشهير، الدكتور محمد أوز، بمبضعه آلاف الصناديق النفيسة…
  2. حين دوّى الجرس الأخير في حفل التخرج، معلنًا لزملائي ساعة اقتحام قمم الجامعات…
  3. بتكليف من شركة عملت فيها لبعض الوقت عملًا إضافيًا، أتيح لي أن «أرسم»…
  4. حين رسم الرب بايكال (وهو فنان بلا شك)، استخدم أسلوبًا في الرسم…
  5. في العهد السوفييتي، كان فنانو قسم الجماليات التقنية في مصنع «بوليميرديتال»…
  6. في أواخر الثمانينيات، في مسقط رأسي أولان أودي، في قبو مهيأ…
  7. لا يمكن بحال أن أسمي رحلاتي إلى بايكال «رحلات طلبًا للصحة»…
  8. فيما مضى كان مصنع «بوليميرديتال»، على أطراف سوتسغورود القريبة من موسكو…
  9. «أنت غريب نوعًا ما. لست مثل الجميع»، قالت لي معلمة الأدب…
  10. في منتصف الصيف نسافر أنا ومارينا في سهل أوكا الفيضي المترامي، نرصد…

* * *

فتح جرّاح القلب الأمريكي الشهير، الدكتور محمد أوز، بمبضعه آلاف الصناديق النفيسة: قلوب مرضاه. ثمة شيء غيبي فيما يفعله جرّاح القلب! حين يطلّ إلى ما وراء الغلاف الجسدي المفتوح على مصراعيه، إلى الكون المنكشف للقلب البشري… أيمكن أن يرى هناك الروح؟ أو الله؟ أمير الظلام؟ ألواح الماضي؟ علامات الآتي؟

عمومًا، لا نعرف أيّ هاويات انكشفت لمحمد هذا. لكنه غدا واعظًا متقد الحماسة لنمط الحياة الصحي، واستقطب جمهورًا هائلًا. يُجلّون كلمته كأنها وحي منزل من السماء. فبماذا يعظ رعيته حديثة الاهتداء؟

«امشوا قدر المستطاع»، يناشد الدكتور.

هذا غريب، على أقل تقدير! فتطور الحضارة نفسه على النهج التكنوقراطي، والفكر الهندسي التقدمي الذي يصنع سيارات تزداد راحة ويتنامى إنتاجها عامًا بعد عام، يرسخان في وعي الأكثرية حقيقة لا تقبل النقاش: ينبغي المشي أقل ما يمكن! أو عدم المشي إطلاقًا. وهل يمكن انتزاع اللعبة المحببة من أي صاحب سيارة، ولو كان يقود خردة أكلها الصدأ؟ وكيف تقنع من يعمل بعرق جبينه، ويحرم نفسه كل شيء، ويغرق في الديون ويأخذ القروض ليشتري أخيرًا «سنونوتَه» المنشودة، بألا يبدد عمره في هذه التفاهات؟

ذاك هو القديس سرجيوس الذي «اعتاد السير على قدميه». أما اليوم، فحتى الأب الكاهن يدخل بوابة دير لافرا وهو يقود بيسراه سيارة «مرسيدس» فارهة، ويرسم بيمناه إشارة الصليب على نفسه.

ثم انظروا إلى عربات الأطفال هذه الأيام، إنها مركبات قمرية حقيقية! يدفعون فيها الصغير إلى السوبرماركت الكبير، وهناك عربة خاصة. يحمّلون الطفل فيها، ثم يلقون معه كومة من العلب والعبوات. وبعدها يعيدونه إلى الموقف، وينفضون المحتويات في علبة صفيح على عجلات. يمضي الزمن، ويكبر الطفل، ويجلس خلف المقود. وينطلق في الحياة كما في متجر كبير، يختار من الرفوف سلعة بعد أخرى. (وليس من الصعب تخمين إلى أين سينقلونه هو أيضًا في النهاية من علبة الصفيح… إلى علبة خشبية. ويخصصون له موقفًا إلى أجل غير مسمى.)

من حقق شيئًا في حياته يملك، بالطبع، سيارة، بل أكثر من واحدة. فما بالك بمن يملكون سككًا حديدية ويخوتًا وطائرات؟ من ذا الذي سيشرع فجأة، بلا سبب ولا مقدمات، في «المشي قدر المستطاع»؟! (إلا إذا كان، تفّ تفّ، درءًا للشر طبعًا!، يخرج تحت الحراسة للتمشية في باحة السجن؟) لن يفهم المقربون هذا المهتدي طوعًا إلى حياة المشاة. وسيدير له الأصدقاء والمعارف ظهورهم. سينبذه المجتمع ببساطة، ويقاطعه.

يا لغرابة أفكار هذا الطبيب الأمريكي! ما قيمة دعواته، ولمن يوجهها؟ إنها أشبه بقصر من الرمل على شاطئ البحر. رياح الزمن وموج الواقع الذي لا يرحم لن يتركا أثرًا لتخيلاته!

ها أنا مثلًا أمشي إلى عملي: من محطة ستاروداتشنايا التي أستقل منها القطار إلى سترويبرليت. وأمشي من العمل أيضًا. نحو عشرة كيلومترات في المجمل. لكنني أعمل فنان تزيين في قصر الثقافة «إمبولس» (عند أطراف سوتسغورود القريبة من موسكو). راتبي ضئيل للغاية. وإن كان ثمة من ينتظرني في العمل، فهي أولغا يوريفنا كولاكوفا. طوال نصف سنة تترصد وصول الموظفين في العاشرة، وتسجل الوقت في دفتر. أما نصف السنة التالي فيأتي الجميع متى شاءوا.

كل نصف سنة يأتينا مدير جديد. تبدلهم إدارة الثقافة في سوتسغورود وفق المخطط التالي: مدير شرير، فمدير طيب. وفي الفترات الموافقة يشتد النظام، ثم يعقبه تراخٍ تام.

قاعة المتفرجين في القصر مجهزة تجهيزًا ممتازًا، وتتسع لـ600 متفرج. والمسرح ذو تجهيزات ميكانيكية مدروسة بعناية، بل فيه منصة دوارة! ومعدات إضاءة بالغة القوة، ونظام صوتي حديث، وأجهزة عرض سينمائي. لكن لا أحد يحتاج إلى هذا كله، فيظل عاطلًا بلا جدوى.

قرأت في مكان ما عن موسيقيين رائعين من بلدة صغيرة في ألمانيا، يصنعون آلاتهم من الخضراوات. قبل كل حفل ينحتون من القرع والشمام والكوسا والخيار… ومن شيء آخر أيضًا… «آلات خضرية». ويعزفون عليها مؤلفات كلاسيكية. باخ، موزارت، بيتهوفن. جالوا العالم كله في حفلاتهم، وجنوا مالًا كثيرًا، وجدول عروضهم محجوز لسنوات قادمة. عجيب! أما موسيقيونا في القصر فلا يستطيعون العزف حتى على آلات الدومرا والبالالايكا والأكورديون المعتادة، أو على أي دفّ كان. لا يدعوهم أحد إلى أي مكان، ومظهرهم بائس، والجمهور لا يصفق لفنهم.

في استراحة الغداء أذهب إلى المتجر، وأشتري الخس والملفوف والخيار، لغدائي بالطبع. (فالطبيب الأمريكي يضع الغذاء الصحي في المرتبة الثانية بعد المشي. إنه يناشدك حرفيًا أن تلتهم، مثل الأرنب، الأوراق الخضراء وحدها!) وفي المتجر حامل خاص يمكن أن تأخذ منه صحيفة مجانية اسمها «نشرة التوظيف». فيها مئات الإعلانات عن وظائف شاغرة، ورواتب مغرية يعرضها أرباب العمل. وها قد، إن جاز القول،

خفت الضجيج. خرجت إلى الخشبة،

أي خرجت إلى مقدمة مسرح قصرنا. وفي يدي تلك الصحيفة. وفي مكان ما فوق، متشبثًا بالهيكل السقفي المثبتة عليه كشافات كثيرة، كان أحدهم يزحف ممدد الأطراف كعنكبوت هائل. إنه أوليغ كازانين، مشغّل الصوت عندنا! كان يربط مصباحًا لولبيًا في أحد الكشافات. كيف تسلق إلى هناك، أمر لا يستوعبه العقل!

«يا للعجب»، قلت في نفسي، «يربط مصباحًا. بينما، وفقًا لهذه الإعلانات، يمكن كسب مال محترم في شغلة مريحة، لا غبار فيها إطلاقًا».

— هيه، أوليغ! — صرخت إليه. — أهذا أنت؟

— نعم، أنا… ومن غيري… — أجاب مشغّل الصوت.

— تربط مصباحًا؟ — سألته.

— نعم… جرّب أنت أن تربطه هنا… — وعطس عطسة مدوية من الغبار.

يا لها من حال! فمنذ عهد قريب فقط، كان بين موظفي القصر مختصون بميكانيكا المسرح، وبالإضاءة، وبأجهزة العرض السينمائي. أما الآن فمنهم من سُرّح، ومنهم من طُرد، ومنهم من رحل بنفسه. وأوليغ وحده يتحمل العبء عن الجميع (ويعطس عنهم، في هذه الحالة). ومن حسن الحظ أنه يعرف الإنجليزية، ويقرأ تعليمات أي جهاز مباشرة بلا عناء، ويستطيع توصيل أي شيء وإصلاحه.

— اسمع، أنت تتكلم الإنجليزية بطلاقة، أليس كذلك؟ — تابعت استجوابي.

— عمومًا… إذا كان المطلوب ترجمة شيء… أما المحادثة فلم أمارسها منذ زمن. لعلني نسيتها بعض الشيء، — أجاب أوليغ.

— لا بأس، ستستعيد معرفتك بسرعة! انظر، مكتوب في نشرة التوظيف أنهم يحتاجون إلى أدلاء مترجمين في جزيرة كريت. الراتب ألفا دولار، والأكل والسكن والطيران مجانًا.

— لا أريد الذهاب إلى أي جزيرة كريت! ماذا سأفعل هناك؟

«لا يريد الذهاب إلى جزيرة كريت!» احتججت في سري. «بحر لازوردي، وشمس برتقالية، وشاطئ ذهبي. وسائحات من العالم كله».

وصرخت إليه: — كان خيرًا لك أن تربط مصباحك… في إسكندنافيات وسويديات من ذاك القبيل!

* * *

حين دوّى الجرس الأخير في حفل التخرج، معلنًا لزملائي ساعة اقتحام قمم الجامعات، أعلنت لوالديّ فجأة أنني ذاهب إلى كويبيشيف، عند جدتي، وسأحاول الالتحاق بمدرسة الفنون هناك. والحقيقة، أي كويبيشيف، وأي مدرسة فنون؟ فقد كنت أحلم بالوصول إلى موسكو، وشق طريقي إلى معهد الأدب. كنت قد كتبت آنذاك «أغاني شعبي البرية»، وظننت أن أبواب ديار الأدب ستنفتح أمامي، وأنني سأدخل بتلك «الأغاني» تحت أقبابها المباركة وأصلصل بقيثارتي. ويبدو أن تلك الصلصلة (في الأحلام) حجبت عني تحذيرات أهلي الحنونة، وكذلك تحذيرات المعلمين والأصدقاء، من أن بوابة مكتب التجنيد في الحي، الخضراء ذات النجوم الحمراء، تنتظرني في القريب العاجل. وهي لا تفضي إطلاقًا إلى جنان الفردوس، وإن أوحى أول اسم المكتب الروسي بذلك، بل إلى النقيض تمامًا! بوابة لن تحتال على تجاوزها ولو امتطيت عنزة عرجاء. بقيثارة أو بلا قيثارة.

وأين سنتا الخبرة في العمل اللازمتان للقبول؟ وأين توصيات الاتحاد الإبداعي، والمنشورات في الصحف، ورسائل التزكية من الرفاق الكتّاب الأكبر سنًا، وبطاقة الانطلاق في الحياة من لجنة الكومسومول في المدينة؟ كم بدا لي هذا كله صغيرًا وعديم الأهمية.

وها أنا وصديقي أولدريل (الذي كان ينوي الذهاب إلى أقاربه في أنابا) نجلس في عربة خالية بقطار «أولان أودي — موسكو». زملاؤنا السابقون، الذين درسنا معهم حتى الصف الثامن، ثم انتقلوا إلى المعهد التقني للسكك الحديدية، حيث كانوا يعملون كل صيف مضيفين ضمن فرقة طلابية، كانوا قد عادوا لتوهم من العاصمة على متن هذا القطار. وقد وعدونا بنقلنا إلى موسكو كرمى للصداقة (فنوفّر المال الذي أعطانا إياه والدانا لشراء التذاكر). جرى هذا الحديث قبل نحو ثلاثة أسابيع، وكان كل شيء يومها، بالكلام، يسير على أفضل ما يرام! لكن الشباب ظلوا منذ ذلك الحين يعملون في رحلات متوالية بلا تبديل، ويحلمون بأن يمنحوهم راحة هذه المرة. «وما الفرق عندكما؟» كانوا يقولون. «بعد أسبوع سنذهب بالتأكيد، ونأخذكما بكل سرور!»

كان الليل موشّى بومضات إشارات السكك، وكان صوت مراقبي حركة القطارات يصدح من السماء، وعمال الصيانة ينقرون بمناقير حديدية على الأغصان البعيدة من تاج المحطة المتشعب، حيث سحبت قاطرة المناورة عربات القطار. وفي عربة القيادة، كما قيل، كان رئيس القطار يتلقى برقيات عاجلة من موسكو. وعلى ذلك كان يتوقف مصيري! هل سيخرج أصدقاؤنا في الرحلة هذه الليلة أم لا؟! كنت أعلّق أملي على قوة خارجية ما… ليُحسم كل شيء من تلقاء نفسه!

وفي هذه الأثناء، كانت الشرارات المقلقة الآتية من عربة القيادة تؤجج نيران الشائعات المتناقضة. وكان الشباب يطفئونها بفودكا موسكو، ويسكبون لنا منها أيضًا، ويطعموننا من نقانق موسكو وخبز موسكو.

كان صدى قرع العجلات يهيم، وأوتار القضبان تواصل طنينها تحت الأرضية، والستائر ترتعش من ريح خطوط عبر سيبيريا القلقة، الحاملة تغيرات إلى الأفضل، كما كنا نحب أن نصدق. ويأتي رسول جديد، ويعلن أمرًا مرعبًا (ومبشرًا بالنسبة إليّ): «لا أحد في الاحتياط. استعدوا، يا إخوة، للذهاب من دون بدلاء!» وكنا نغني مع ماريلا رودوفيتش، التي كانت ذائعة الصيت آنذاك:

اركب أي قطار، وكن كالريح

ولا تشغل بالك بالتذكرة،

أطبق كفك على وريقة خضراء،

فلن يلحق بك الماضي بعد اليوم.

وها هي وريقتك الخضراء! لقد طلع الصباح منذ وقت طويل، وقرع العجلات في أحلامنا حقيقي! والمشاهد المتسارعة خلف النافذة… حدث كل شيء على حين غرة. في الساعة التي تسبق الفجر، تحوّل القطار كما في الحكايات من ضفدعة إقليمية إلى أميرة موسكوفية. كانت «يد موسكو» تصنع قدري بالمعنى الحرفي!

كم من مرة بعد ذلك، حين أتشابك في خيوط مشكلات ملحّة ومستعصية، اقتنعت بأن في مكان ما في أعماق وزارة المواصلات، واليوم في شركة السكك الحديدية الروسية أيضًا بوصفها وريثتها القانونية المباشرة، ثمة… لعلها غجرية عجوز بأوشحة زاهية تخلط أوراق اللعب بأصابع سمراء تثقلها خواتم ضخمة؟ راهب تبتي سلّم نفسه للتيار، يقلّب صفحات «كتاب التحولات»؟ ببغاء مدرّب عند بهلوان جوال، يسحب من قبعة، بين نقود مهترئة لبلدان مجهولة وشعوب بادت، لفافة تذكرة؟ فلا بد أن أحدًا كان يلقي بورقة الطريق المقبل، سواء أكان الطريق سعيدًا أم لا، لكن تجددًا عجيبًا كان يحدث مع ذلك، ما إن تمد يدك طلبًا للنجاة إلى شباك التذاكر!

لم يكن ثمة وقت لإطالة الجلوس، فقد ألحقونا بالفرقة «أبناءً للفوج». وفروا لنا الإعاشة، وسلمونا الزي. كنا نتبختر بسترات العمل البيضاء المميزة، ونطوف بصواني الشاي في كؤوس داخل حواملها المعدنية. كل شيء كان مفعمًا باتساع لا يُصدق، بروح كونية! تعاقب المناطق الزمنية، وتلاحق وجوه الركاب الذين يتبدلون باستمرار، والوصول والانطلاق، والمحطات الكونية والمحطات الصغيرة على درب التبانة العظيم للخط العابر لسيبيريا. حتى حوامل الكؤوس كان يلمع عليها بالفضة نقش بارز لقمر صناعي دار حول برج سباسكايا في الكرملين وهو يصعد إلى النجوم. وكانت عاملات تقديم الطعام الموردات الخدود يأتين من المطعم بأوعية طعام براقة، مصطفة في «بطاريات شمسية» حقيقية، فيها بورش ناري، وهريس بطاطا وأقراص لحم للطبق الثاني. وماذا عن خردل موسكو في أنابيب، «مثل ما لدى رواد الفضاء»، وعلبة سجائر «كوسموس» بلون أزرق داكن غامض؟ وإذا تعرفنا إلى فتيات، أمكننا الاستماع طوال الليل إلى التسجيلات الموسيقية: «زودياك» الليتوانية، و«سبيس» الفرنسية.

كان رواد الكومسومول عائدين من خط بايكال — آمور. وهذا يبث روح إخضاع المساحات الشاسعة، والاتحاد بقوة جبارة تأتمر بأمرها الأنهار وفيافي التايغا، بل، ولماذا نصغّر الأمور، الآفاق الكونية! كان جميع العاملين في خط بايكال — آمور يرتدون أطقم جينز متماثلة، يابانية لسبب ما (لعلها وُزعت في المؤتمر الثامن عشر لاتحاد الشبيبة الشيوعية اللينينية لعموم الاتحاد؟). ولوازمهم التي لا تفارقهم: مسدس إشارات، وسكين صيد إيفنكية في الحزام، وقرون رنّة كثيفة التشعب. وكان هؤلاء الشباب جميعًا يشربون كثيرًا جدًا. (كانت ثمة تعليمات سرية ما بألا تُفرض أي قيود على الشباب الأبطال، ولذلك كانوا يبيعونهم الفودكا بالصناديق وبثلاثة أمثال السعر.)

كنا نجلس في مقصورة المضيفين و«نحتسي الشاي». نصب زجاجتي فودكا وأربع زجاجات من «فانتا»، التي ظهرت حديثًا وكانت رائجة آنذاك، في إبريق شاي كبير مطلي بالمينا. وإن أطل أحد، فلا شيء غير عادي، عمال الطرق الفولاذية يستريحون. إبريق على الطاولة، وشراب كهرماني في الكؤوس، وملاعق صغيرة، وشرائح ليمون.

كان أولدريل قد سمع منذ زمن عن «أغانيّ»، فالأخبار تعمّ الديار! وطلب مني مرات عدة أن أعطيه إياها ليقرأها. فسلمته المخطوطة الأسطورية. وانغمس صديقي في القراءة. وها نحن في نوفوسيبيرسك، نتوقف نحو 30 دقيقة. وعلى السكة المجاورة قطار في الاتجاه المعاكس، «موسكو — فلاديفوستوك». وفجأة أرى أولدريل يتصرف بغرابة… مرّ بي مستغرقًا في عالم آخر، وعلى وجهه ابتسامة غبطة، يلوّح بيديه كقائد أوركسترا على نحو أخرق، كأنه يدندن في سره لحنًا لا يسمعه سواه. أثار ذلك ريبي. وحين صعد بهدوء، كأن الأمر طبيعي تمامًا، إلى عربة قطار فلاديفوستوك، لم أعد أعرف ماذا أظن! وها نحن نوشك على الرحيل!! لعلني فقدت صوابي، وصاحبي هو الذي يتصرف بعقل؟! كلا، بالطبع! اندفعت راجعًا، فرأيت «ركابي» الذين صاروا كالأهل في هذه المدة… كانوا يُتمون بهدوء صعودهم إلى عربتنا الصحيحة!

قطار «موسكو — فلاديفوستوك» يتحرك، وسيحمل أولدريل الآن إلى آخر الدنيا!

اندفعت وقفزت إلى العربة النقيضة. فماذا وجدت؟ إنه جالس مع مضيفيها كأن شيئًا لم يكن! السترات البيضاء نفسها، وإبريق شاي كبير مطلي بالمينا على الطاولة. وكان إخوة السكك الحديدية قد قدموا له «الشاي». كأس في حامل معدني، وملعقة صغيرة، وشريحة ليمون… كل شيء كما عندنا! هل جُننت يا رجل؟! أمسكت به من قفاه، وجررته إلى المخرج. قفزنا والقطار يسير، ولحقنا بقطارنا — إلى موسكو، والحمد لله! — وبالكاد استطعنا القفز إلى درجة آخر عربة وهي تبتعد.

ثم سألت صديقي: «لماذا يا أولدريل ركبت غير قطارك، وقررت الذهاب في الاتجاه المعاكس؟ أي ماضٍ كان يلاحقك، وممّ أردت الهرب؟».

فأجاب ببساطة: «حشوت رأسي بقراءة كل هالخرا».

مضى ربع قرن. وخضت، بالطبع، مدرسة التدريب العسكري القاسية. ثم، كما في أغنية فيسوتسكي عن «الحقيقة الصافية» (إذا غيّرنا الكلمات قليلًا): «… تشردت طويلًا، ومرضت، واحتجت إلى المال». وبعد محاولات مضنية التحقت بالدورات الأدبية العليا (في معهد غوركي للأدب)، وتخرجت فيها. وكتبت كتابين، أصدرتهما أكبر دار نشر في العاصمة. لكن كثيرين حتى الآن، حين يقرؤونهما، إما يتبرؤون مني بالطريقة نفسها، وإما يهربون، وإما يأتون أفعالًا أخرى ليست دائمًا سوية.

وفجأة حملت إليّ رياح موطني نداءً من أولان أودي!

استجابت وزارة الثقافة في بورياتيا، ودعتني إلى زيارة صالون الكتاب التقليدي. (وهو، بالمناسبة، الخامس عشر. وأنا أسمع عنه للمرة الأولى. كما أسمع أنني خلال السنوات العشر الأخيرة الشخص الوحيد من بورياتيا الذي صدرت له كتب في موسكو.) أصاب عرض وزارة الثقافة قلبي في الصميم! فحتى ذلك الحين لم يكن وجه الأم بورياتيا (أقصد وجهها الرسمي بالطبع) قد أضاء بابتسامة حانية نحوي، أنا ابنها الضال، و

حين كانت عربتي تندفع في المنحدر،

هل كنت مطمئنًا؟

(تذكرت أغنية دميتري ريفياكين، قائد فرقة «كالينوف موست».) وحشوت حقيبة ظهري فورًا بـ60 نسخة من كتبي، اشتريتها من متجر إلكتروني. عسى الله أن يرزقني 60 قارئًا عزيزًا في بلادي «بلاد التايغا والبحيرات والسهوب»!

كنت أطير من موسكو فوق مساحات سيبيريا المكسوة بالثلوج، وأرى في الأعماق المتلاطمة نثارًا ذهبيًا من الأنوار… تشيليابينسك، نوفوسيبيرسك، كراسنويارسك، إيركوتسك. «وماذا عن القراء في هذه المدن السيبيرية؟» فكرت. «فليس وراء الأورال كتاب واحد لي. لا في متاجر الكتب، ولا في المكتبات. وحدها شاشات الإنترنت تومض في الليل. أحقًا

سنحترق على شاشات من جليد أزرق،

كما غنى باشلاتشوف متنبئًا؟

ألا يجدر التفكير في الإمكانية التقنية لتجهيز الطائرات بفتحة لـ«قذف الكتب»؟ كي نلقي لهم، لعشاق القراءة السيبيريين الذين تطمرهم الثلوج في المساحات اللانهائية، طرود كتب من الطائرات العابرة؟

…ولم يُجبني سوى عواء الريح القارسة، إذ حاولت بكفها الحديدية المخلبية أن تطرحني أرضًا في مطار أولان أودي في الصباح الباكر. لكنني ثبتُّ على قدمي، ولم تحملني الريح، ولم أختفِ كحبة رمل في تيار الوجود، بفضل كتبي في حقيبة ظهري البالغة الثقل.

استقبلوني، ونقلوني، وأدفؤوني. وجرى كل شيء بلا رسميات متخشبة، «كأننا في البيت». شكرًا لأصدقائي الذين ما كان لهذا العيد أن يكون من دونهم!

ومرة أخرى الريح القارسة، والصباح الباكر، والطائرة إلى موسكو.

وزعت كتبي كلها، وأهديتها، وكتبت عليها إهداءات للذكرى. لكن هل فرغت حقيبة ظهري؟ أمشي، وأجرّ على ظهري تحت الهبّات الجليدية جعبة بالغة الثقل. فيها 60 سهمًا. رؤوسها مغلفة بفولاذ ذي تقسية خاصة من بلاد ما وراء بايكال، وفي داخلها حرارة لا تبرد من قلوب أبناء موطني… حفيف التايغا، وغناء أعشاب السهوب، وصمت الجبال الصارم، وهدير أمواج بايكال. أستقر في المقعد، وألقي من نافذة الطائرة نظرة وداع على الآفاق الزرقاء التي تناديني، ولا تتركني أهدأ، وتعدني بأسفار واكتشافات جديدة. فأنا آتي كل صيف إلى موطني، إلى بورياتيا، إلى أولان أودي؛ وأنطلق في رحلة إلى حيث، وراء حدود الغابة، يمتد قلب بايكال الهائل. وصلاته العصبية أشعة نجوم تخترق الأعماق منذ ملايين السنين؛ وهو ينبض بتيارات حارة حينًا وجليدية حينًا آخر؛ وبإيقاعه الكوني تتوازن الحياة والموت في رحاب سيبيريا الشرقية. تتولد فوقه دوامات هوائية تحمل تبدل الطقس، وتنتشر منه خطوط طاقة تخلق مجال جذب قويًا. إن فهم العالم لدى المولودين على ضفافه قد تشكل بتأثيره المغناطيسي. وعي أهل منطقة بايكال موضوع داخل دمية ماتريوشكا الغابة. وماتريوشكا الغابة داخل فضاءات السهوب. وماتريوشكا فضاءات السهوب داخل آفاق الجبال. وماتريوشكا آفاق الجبال داخل كرة البحر المقدس. ثم في غلاف السماء. في الكون.

…ما زالت حية ذكرى الأزمنة الملحمية، حين كان الناس يفهمون لغة البحر المقدس. يميزون في خفق الأمواج الهادئ تحذيرًا من عاصفة تقترب. ويعرفون الشرايين المحيية في الأعماق، حيث يسري الدم الفضي لأسراب السمك. كانوا يشعرون بنضج خيرات التايغا من توت وجوز وسواهما. وبنمو صغار الوحوش حتى يحين، وفق قانون الصيد (الذي كان يضارع قانون الله في تلك الأزمنة الملحمية)، وقت جواز صيدها للقوت. كان أهل البحيرة يجدفون ليلًا ونهارًا في قوارب خاريوزوفكا السوداء المطلية بالقار؛ وأهل التايغا يشقون بزلاجاتهم دروب الثلج طوال ساعات الضوء في النهار الشتوي القصير، متعقبين الطرائد في القمم الجرداء البرية؛ وكان أهل الصيد والجمع يكادون ينقصمون تحت أكياس الجوز التي تزن بودات كثيرة وهم عائدون إلى المساكن. وكانوا يشكرون الشيخ على الغنيمة، هامسين بالكلمات القديمة… مع وهج نار أنقذتهم وأدفأتهم في الليل القارس، ومع تيبّس جلد يبرد بعد أن سُلخ لتوه، ومع كهرمان حبات البطارخ في بطن سمكة مشقوق، ومع الرائحة الحامضة قليلًا المنبعثة من جوف مأوى الشتاء الدخاني، المتكئ في مكان ما على جنب وادٍ صغير، الغائر في الأرض، المثقل بأزهار عشبة النار على سقفه من رقائق الخشب.

أين هي، تلك الكلمات؟ يسد الراتنج جراح العلامات المحفورة في جلد الشجر، وتداوي الأعشاب حروق مواقد النار السوداء، وتخفي الشجيرات الجامحة ندوب الدروب البنية كأنها لم تكن. وتترقق سيور الجلد الخام في الأنشوطات حتى تصير خيوط عنكبوت، وتبلى الشباك، ويأكل الصدأ الفخاخ، وتردم الأخشاب الساقطة حفر الصيد المتداعية. يتهرأ الرق، وتتفكك اللفافة، وتتلاشى إلى غبار الخريطة بما عليها من علامات اعترافية لأولئك الذين عاشوا رحلة منفردة في كون الغابة.

…ولكن ها أنت وحدك. يتعالى حفيف الموج، وعين القمر الصفراء تراقب بلا رمشة، وحراس الجبال متجمدون في الصمت، وهاوية التايغا قد انفتحت. وتفتل ثرثرة الجدول الملحّة خيط حكاية جنائزية عن أولئك الذين سحقتهم أشجار الخوف اليابسة حين هوت، وجرفتهم انهيارات انعدام الإيمان، وأغرقتهم أنهار انعدام الإرادة الجليدية. والآن يتسلل أولئك الراحلون أرواحًا جوالة إلى الأبد. وقد يجلسون أحيانًا عند نارك ليتدفؤوا. فالويل لك عندئذ، أيها الوحيد الذي يبيت في الغابة!

…يرفرف طائر ليلي مجهول بجناحيه في قلق، عابرًا فوق رأسك طوال الوقت كمنديل أسود مضطرب، لكنه مع ذلك لا يُرى. وتشعر كيف تصرّ The Doors وتنفرج قليلًا، لتُدخل رعب الليل الذي لا يُحاط به. وتأتي الكلمات. تمتمة شبه مفككة، ضرب من الصلاة بلغة الوحوش والطيور.

أفليست هذه إذن «أغاني شعبي البرية»؟

لكن توربينات الطائرة زأرت!

و«زأر» ريفياكين في سماعتي مشغّلي الموسيقي،

أعود خفيف الحمل، ومعي ذخيرة سهام

إلى الأقبية من جديد.

* * *

بتكليف من شركة عملت فيها لبعض الوقت عملًا إضافيًا، أتيح لي أن «أرسم» صورة الروسي المتوسط إحصائيًا. كانت الشركة تدرس السوق الروسية للأجهزة المنزلية. وكان عليّ تنظيم كم هائل من المعلومات: تقارير إحصائية مملة إلى أقصى حد، وفوق ذلك مقالات مترجمة من مواقع أجنبية.

بعد أن جمعت المعلومات وعدّلت بعض الأشياء، خلصت إلى أن الروسي المتوسط إحصائيًا، انطلاقًا من دخله المتوسط، يشتري غسالة متوسطة السعر بـ10 آلاف روبل. (الأسعار كلها افتراضية لتيسير الحساب.) والآن صارت أغطية فراشه المتوسطة وملابسه المتوسطة هي الأخرى نظيفة دائمًا، في المتوسط. ويخصص المالك السعيد لآلة الغسيل مقدارًا معينًا من الوقت الذي توفر له لضرب معين من الترفيه.

لكن بعد فترة يلاحظ فجأة أنه بدأ يسمن. يزعجه ضغط الدم، ويظهر ضيق النفس، وتداهمه آلام القلب، وهكذا دواليك. ماذا حدث؟ يلجأ الروسي إلى الأطباء. فحوص وتحاليل واستشارات. بطريقة أو بأخرى، عليه دفع 5 آلاف روبل، و5 آلاف أخرى للأدوية، والمجموع 10 آلاف. قد تتحسن صحته، لكن بعد ذلك… يخبره أحدهم (أو يدرك هو بنفسه) أن السبب هو نمط الحياة القليل الحركة، وسوء التغذية، وغياب الجهد البدني. ممتاز! يذهب روسيّنا ويسجل في نادٍ للياقة. (وتتبخر 10 آلاف أخرى.) ينهك نفسه على الأجهزة في قاعة ليست سوى علبة بلاستيكية بهواء مكيّف، تخترقها الإشعاعات الكهرومغناطيسية. عمومًا، كل شيء على ما يرام حتى الآن.

واصلت تحليل الترجمات عن المصادر الأجنبية… فانكشفت أمور مدهشة! تبين أن في العالم شخصًا مسؤولًا عن جميع الاختراعات العالمية والمستجدات الهندسية والتقنية في مجال الغسالات، وكذلك عن إنتاجها وتسويقها. وبفضل الأدوات المالية، لا شك في نفوذه وحضوره غير المباشر في كل غسالة تُنتج في العالم. (لا يُعرف الكثير عن هذا المعلم الأكبر لتجارة الغسالات. ومنعًا للالتباس، فلنسمّه السيد ألفا.)

إذن، السيد ألفا، أحد أغنى رجال الكوكب، يعيش في شاليه جبلي متواضع في مكان ما من كانتون سويسري ناءٍ، ولا يملك غسالة. وعادةً ما تأتي مارتا في نهاية الأسبوع من الوادي حيث تقع القرية، حاملة الشوفان والخضراوات والخبز. وتغسل له أيضًا غيار ملابسه، فالقيام ببعض أعمال البيت لا يثقل على الفتاة الألبية الوردية الخدين. (أيربطهما نوع من العلاقات أم لا… هذا كله غذاء لتخمينات الصحفيين. وعلى أي حال، فإنه في صور الصحفي الذي زار السيد ألفا — وهو ياباني قصير القامة، أسمر الوجه، مبتسم، يمكن القول إن عمره فوق الأربعين ودون الثمانين — يشع ثقة رجولية ورضًا عن الحياة.)

من الصعب معرفة شيء عنه، لا لأن كل شيء مشفّر. فهو لا يثير اهتمام وسائل الإعلام. لا يجري مقابلات، ولم يُرَ في تجمعات سياسية أو اجتماعية راقية، ولا يصادق أقوياء هذا العالم. ها هو يخرج صباحًا بعد تساقط الثلج، ببذلة تزلج ومجرفة، إلى باحته وينظف الممر. وها هو يتمرن. يطبخ الشوفان. يجلس إلى الطاولة في غرفته الصغيرة، والمنحدرات المكسوة بالثلج ظاهرة من النافذة، وأمامه دفتر حسابات عادي، يكتب فيه شيئًا. يخرج للتنزه في الطرق والدروب الجبلية بعصوي التزلج: الأسلوب الصحي لما يُعرف بالمشي الشمالي (أو الإسكندنافي). يعود. يقشّر حبتَي بطاطا وبصلة وجزرة للحساء. يقرأ تحت المصباح لفلاسفة اليونان القدماء.

وخلال مواصلة معالجة المواد، وقعت على معلومات عن شخص يُدعى السيد بيتا أيضًا. إنه يحسم جميع مسائل تطور الطب في العالم. تصنع استثماراته خطوط قوة تربط المنظّر المثقف المتبحر في وادي السيليكون بالمتطوع في أعماق أفريقيا الذي يلقّح الأطفال السود، وبالطبيب العام المنهك في عيادة إحدى المناطق الروسية. ففي كل مكان تُستخدم إما أجهزة صُنعت في مصانع ومختبرات يملكها بدرجة أو بأخرى، أو أجهزة أُنتجت بتقنياته وبراءات اختراعه وتصميماته. وعلى جزيرة مجهولة في المحيط الهادئ، يتجول السيد عند حافة الموج، ويجمع كائنات البحر النافعة مع السكان الأصليين. ومن أين تأتي غسالة إلى كوخه المصنوع من النخيل؟ وهو نفسه لم يلجأ قط إلى الأطباء. فالهواء النقي وخيرات البحر والسباحة والمشي الطويل تتيح له الحفاظ على النشاط والصحة الممتازة.

وها هي الشخصية الثالثة التي أمكن التعرف إليها، = إنه السيد غاما. تقع على عاتقه مسؤولية إنتاج كل الأدوية في العالم. وتبين أنه يقضي معظم وقته في قرية بعيدة في لابلاند. ويصحبه الصيادون المحليون أحيانًا… وإن كان لا يصلح للتسلل إلى الطرائد، فمظهره الأفروأمريكي يبرز أكثر مما ينبغي على الخلفية الناصعة البياض. يمكن طلاء الوجه بشيء أبيض، لكن كيف تُموّه قامة بطول مترين؟ (يقول الصيادون مستنكرين: «أوف، يا له من طويل أهبل كجذع شجرة! كان الأجدر به أن يلعب كرة السلة في المنتخب الوطني!») لكنه يتقن استخدام الزلاجات إلى حد لا بأس به، ويقطع عشرات الكيلومترات ليتفقد المصائد والفخاخ، ويشق الثلج البكر من الغسق المبكر حتى الظلام. ولكن ما أروع أن يتدفأ بعدها في الساونا! وهو أيضًا لا يملك غسالة، ولم يتعرض طبيب لجسده القوي العضلي، ولم يتناول حبة دواء واحدة طوال حياته.

وكيف يعيش السيد دلتا؟ أمواله مستثمرة في صناعة اللياقة البدنية العالمية. وبها يؤثر في كل ما يتصل بالدعاية لهذا المجال، وإنتاج أجهزة التمرين والملابس والأحذية والأغذية، وتطوير الأساليب، وافتتاح مراكز لياقة جديدة. شخصه ونشاطه محجوبان عن أنظار الغرباء في مزرعة قديمة في مكان ما من براري وايومنغ التي لا تحدها حدود. يملك بضع بقرات، ويصنع الجبن المنزلي بنفسه، ويفخر بذلك كثيرًا. العناية ببقراته، وحمل الماء، وشق الحطب، وجز العشب، هي أفضل تدريب في رأيه. وفي الصباح يقوم بإحماء خفيف، ويقفز فوق السياج مرات عدة، ويتعلق بعارضة البوابة ليرفع جسمه، ويسكب على نفسه دلوين من ماء البئر المثلج.

…وإذا كان السيد ألفا سعيدًا تمامًا مع مارتا خاصته (وهذا أمر لا يسعنا، بالطبع، إلا تخمينه)، فإن السيد بيتا تصادقه فتاة من أهل الجزيرة ضحوك. ترتب الكوخ، وتطبخ السمك المصيد، وتغسل الملابس في الجدول — تضربها على الحجارة بمدقة خشبية — وتغني أغاني شعبها. وحين يسافر سيدها الأبيض إلى مكان ما ثم يعود، يهديها خرزًا زجاجيًا أو مشبك شعر، وأحيانًا كومة من التنانير الزاهية. وكل نساء القرية يحسدن هذه الفتاة.

وغاما أيضًا لا يأخذ حمام البخار وحده. يخرج من الساونا بصحبة امرأة لابلاندية فاتنة (وبالمناسبة، معه كيس ملابس نظيفة غسلتها ابنة الشمال بين عمل وآخر). كلاهما يرتدي سترة كُخليانكا من الفراء بغطاء للرأس، وقد طوّق الصقيع المتلألئ حواف غطاءَي رأسيهما الفروية، مبرزًا بجمال سواد وجه الرجل وحمرة وجه المرأة. وتنتظرهما أمسية رائعة عند مدفأة متأججة، ونبيذ ساخن بالتوابل، وتسجيلات لأوبرات كلاسيكية.

وفي الوقت نفسه، يستلقي السيد من وايومنغ في علّية التبن فوق كومة من الأعشاب العطرة، وينظر عبر شقوق السقف إلى النجوم القريبة. وقد وضعت رأسها على كتفه ونشرت حرير شعرها الأسود، ترى ابنة البراري الحرة أحلامًا سعيدة. وعندهما أيضًا كل شيء على ما يرام، وكل شيء مغسول، ولا حاجة إلى الذهاب إلى الأطباء، أو تناول الحبوب، أو ممارسة تلك اللياقة الحمقاء.

نعيش أنا ومارينا منذ سنوات طويلة في دار الإبداع قرب موسكو، ولا نملك غسالة، فليس لدينا ببساطة مكان نضعها فيه. ونشاطنا أيضًا لا يعرفه الجمهور الواسع إلا قليلًا، ولذلك تتاح لنا الأفراح البسيطة. الخبز، والنبيذ، وصيد الفطر، والمشي والتزلج، والحمام البخاري. محيط حبنا الهادئ يحملنا فجأة من خضرة الجزر الاستوائية إلى قمم الألب البراقة، أو تلفحنا بصمتها الجليدي المساحات المكسوة بالثلوج، أو تهب علينا بعطرها البراري المزهرة…

فليغضب منا سيد تجارة الغسالات أو لا يغضب، لكننا لا نستطيع إعطاءه حتى 10 آلاف من روبلاتنا التي كسبناها. وبما أن الغسيل باليد يوفر جهدًا بدنيًا يضاهي ساعتين من ركوب الدراجة أو ساعة من السباحة، فإن صاحب الطب وصاحب الدواء يخسر كل منهما 5 آلاف، ومنظّم اللياقة يخسر 10 آلاف. وبالمال الموفر نذهب إلى البحر الأسود (في منطقة سوتشي)، ونقضي في مخيم سياحي يحتضر منذ العهد السوفييتي نصف شهر عسل — 15 يومًا من الإجازة الرائعة.

…يقولون إن الطرق في روسيا سيئة. وخيرٌ أنها سيئة! ففي هذا نجاة الزوايا البكر من الطبيعة الروسية عمومًا، والمناطق المصونة قرب موسكو خصوصًا. فلا يستطيع «محبو» الطبيعة المزودون بالمركبات الوصول إليها. ما زالت، والحمد لله، حفر ومطبات، ومنخفضات مستنقعية، وأشجار صرعتها الرياح، وأدغال يتعذر اختراقها… ما زال لمشّاء ضواحي موسكو متسع يجول فيه!

قبل أن ننطلق إلى أي مكان، ندرس الخرائط، ونبحث عن انطباعات الرحالة الذين يشاركوننا الميول، لعل أحدًا قد زار تلك الآفاق الرائعة وترك وصفًا للمسار على الإنترنت.

اكتشفنا مؤخرًا بحيرة جميلة. ولكي نصل إليها ركبنا القطار الكهربائي، ثم حافلة منتظمة، ومشينا. كانت المداخل إلى البحيرة مستنقعية، وكنا نصطدم بأرض ذات حدبات مكسوة بالطحلب، وقفار رخوة من المستنقعات الغائرة. تهنا بضع ساعات، وأخيرًا خرجنا إلى غابة كثيفة من الصنوبريات الداكنة تطوق الضفاف. كان النهار حارًا، وسطح البحيرة الفضي ساكنًا، وكأنه يتنفس في الوقت نفسه، باعثًا أعمدة متماوجة من النور. تجمد بضعة صيادين في قوارب مطاطية سوداء، مرسومين في المشهد. وفي كل مكان، قرب الماء، قصب وأعشاب عالية. في الغابة كاد البعوض يأكلنا، لكن ظهر أمامنا رأس بري يمتد بعيدًا في الماء، وعليه جزيرة مضيئة من أشجار البتولا.

شققنا طريقنا إليه عبر أعشاب بارتفاع الإنسان، وكان يعلو صخب لا يُتصور، يكاد يصم الآذان! عصافير مجهولة تنفذ بزقزقتها في كل شيء، وضفادع تنط من تحت أقدامنا وهي تنقنق، وسحالي هاربة تحفّ، وقضاعة تهوي في الماء من جذع ناتئ، وتتعالى بطبطة بطة تنادي فراخها… ووحش بحيري ما، بذيله — أو لعلها فقاعات تصعد من القاع؟ — لكن شيئًا ضرب الماء مرات عدة بفرقعة مدوية. كانت الأعشاب ترتجف كغابة كاملة من الهوائيات الفضية، وكرة طنانة من البعوض تتدحرج خلفنا، والريح تسوق التموجات على البحيرة. وكانت طيور مالك الحزين الرمادية ترفرف في أعمدة النور، رافعة ثقل الأصوات الأرضي إلى الفضاء المفتوح.

ارتمينا ببساطة بين أشجار البتولا المضيئة، واستلقينا نحدق في الجذوع الصاعدة إلى العلاء، وفي تشابك الأغصان المتمايلة، وفي أوراق التيجان المضطربة، وتلك التيجان تدور في رقصة دائرية لا تنتهي، مجرّبةً قبعات من الغيوم…

لكن حتى الحديث عن هذا سخيف!

وقع في يدي ذات يوم كتيب عنوانه «أنا هاوي سينما»، صدر سنة 1969. وجاء فيه أن على كل هاوي سينما، قبل أن يبدأ العمل على فيلم، أن يقسم قسمًا. أولًا، ألا يصور أبدًا، تحت أي ظرف، جذوع الأشجار من أسفل وهي تتلاقى في المنظور، وكيف تنفذ الشمس بينها، وكيف يبدو هذا كله كأنه «يدور في عيني» البطل المفعم بالمشاعر الرومانسية. وثانيًا، ألا يصور كيف تركض البطلة سعيدة بين أشجار البتولا (أو غيرها من المزروعات المعمرة)، ويلحق بها البطل، وما إلى ذلك. حتى آنذاك، في عام 69 البعيد، كان هذا يُعد نموذجًا للكليشيه المبتذل!

أما أنا فلست هاوي سينما أصلًا. ولهذا كنت مستلقيًا في العشب، واضعًا يديّ خلف رأسي. لكن شعورًا غريبًا، كأن أحدًا في داخلي… (ربما «مؤرخ» ما؟ يبدو أنه يستعجل أن يطبع في الذاكرة إلى الأبد أجمل لحظات الصيف وأشدها نفاذًا إلى القلب)… أمسك فجأة «بكاميرا سينمائية» — ذهنية بالطبع — وراح يصوّر تلك البتولات من أسفل، ملتفًّا حولها! وماذا عن القسم بأن هذا مبتذل، وكل ما إلى ذلك؟

ومن جديد، من جديد تلك الرقصة الدائرية للجذوع الناصعة البياض وهي تدور! ومالك الحزين الرمادي يقلع، جارًّا وراءه هدبًا مائيًا يتساقط من جناحيه. ونحن، سعداء، نركض بين البتولات بتلك الصورة المبتذلة. نتلاحق، ونسقط في الأعشاب.

* * *

حين رسم الرب بايكال (وهو فنان بلا شك)، استخدم أسلوبًا في الرسم كثيفًا سميكًا، يُسمّى «الإمباستو».

والعجيب أن فلاديمير نيكولايفيتش يرسم لوحاته بهذا الأسلوب تحديدًا. يعمل منذ ما يقارب أربعين سنة فنانَ ديكور في قصر الثقافة التابع لمصنع «بوليميرديتال» («إمبولس» حاليًا)، عند أطراف سوتسغورود في ضواحي موسكو، ويكرّس وقت فراغه للإبداع. فلاديمير نيكولايفيتش لا يقتصد في الألوان. يعصر ما يكاد يكون أنبوبًا كاملًا، وضربة، ضربة! — بسكين الرسم… هكذا وهكذا! ثم أنبوبًا آخر، وآخر. أصباغ السترونشيوم، والكادميوم، والكوبالت، والأزرق فوق البحري، واللازوردي، والمارس. كل مسحة لونية سخية إلى حد (كسخاء روح فلاديمير نيكولايفيتش) يجعل اللوحات تبدو كثيفة الشعر؛ ملمس اللوحات كأنه «فراء» منتصب، كأنه الجوانب الخشنة لوحيدات قرن خرافية تنطلق بلا نهاية… تنطلق، على ما يبدو، في أحلام فلاديمير نيكولايفيتش. صفراء بلون السترونشيوم، حمراء بلون الكادميوم، بنفسجية بلون الكوبالت.

رسم مؤخرًا لوحة أظهر فيها عند بايكال: أجلس القرفصاء عند حافة الموج وأنظف سمكة. فلاديمير نيكولايفيتش نفسه لم يزر بايكال، بل رسمها من وصفي، ومن تأمله أيضًا عشرة آلاف صورة التقطتها في رحلاتي إلى بايكال كل صيف. والحق يُقال، يصعب أن يخمّن أحد أن المرسوم هناك هو أنا بالذات… حسنًا، شخص أشعث يجلس على الشاطئ، يبتسم ويقطّع وحشًا بحريًا. (لقد بالغ فلاديمير نيكولايفيتش بوضوح في حجم السمكة.)

إذا كنت قد التقطت عشرة آلاف صورة، ففلاديمير نيكولايفيتش رسم، على الأرجح، بضع مئات الآلاف من اللوحات. لديه شهادات وتقديرات لمشاركته في المعارض، وأعماله في الفهارس، ومقالات عنه في الصحف. يحمل لوحاته المرسومة حديثًا إلى الرواق المحلي، إلى فرع اتحاد الفنانين، ويعرضها للبيع في الصالون… ثم يجلس في مشغلنا (أنا أيضًا أعمل في القصر، والملاك الوظيفي ينص على فنانَي ديكور)، يغفو، كأنه نائم. لكن معظم أعماله محفوظ في «المستودعات» (في ملجأ القنابل تحت القصر، في الحقيقة). ولهذا يستحيل دخول الملجأ (فما بالك بأن يحتمي فيه أحد لو حدث، لا سمح الله، شيء).

يرسم أساسًا طبيعة ضواحي موسكو… الفيضان الجامح، وأعشاب الصيف المتنوعة، وقرمزية الممرات المشجرة في الخريف، والأحراج والغُيَيْضات المكسوة بالثلج. (لا توجد بالطبع «وحيدات قرن» في لوحاته. إنها شيء كامن، أشبه بالخلفية المستترة للإبداع. ولا يمكن ملاحظته — والحديث عنه — إلا بتأمل شديد التدقيق وغير محايد، في أعمال الفنان طبعًا، وفي مجمل ظروف مصيره، في ذلك الكون الذي صاغ الشخصية المبدعة.) حين ينتهي من لوحة جديدة يجلس أمامها وينام بسلام. ثم يستيقظ فجأة، وينظر بعين واحدة نظرة ثاقبة… ويمسك سكين الرسم… يصحح شيئًا، ويزيل ما زاد. أو يغطي موضعًا ما باللون — ضربة، ضربة! — فيغيّر شيئًا، ويجدد صورة العالم.

ضربة، ضربة! هكذا وهكذا!! — أظن أن الرب كان يهتف وهو يمدّ غروبًا من الكادميوم على عرض قماش السماء كله فوق بايكال، ويبرز التباين بأصفر السترونشيوم، ويُشبع صفحة الماء بالأزرق البروسي، والغابات بالأخضر الزمردي، والجروف والصخور ببنيّ المارس. حين تُرى لوحة بايكال أول مرة تذهل المرء… بفوضاها؟ بشعثها؟ كأن كل شيء رُسم للتو أمامك. وكأن حركة كائنات مجهولة وركضها قد توقفا؛ تجمدت وحبست أنفاسها، لكنها ستندفع حالًا، وتنطلق — وتغيّر صورة العالم — ما إن يتشتت انتباهك.

في كل إجازة أقصد ضفاف بايكال وأخرج في رحلة جديدة. وألاحظ… (فلا يمكن أن أغمض عيني عن هذا)، كيف أن هؤلاء البشر التافهين، بعدما انتقلوا إلى سيارات جيب جبارة تجتاز كل التضاريس، وزوارق فائقة السرعة، وتسلحوا بأسلحة متعددة الطلقات، وشباك ضيقة العيون، وصنارات إلكترونية، يتوغلون أبعد فأبعد في أماكن كانت متعذرة المنال، ولهذا ظلت على بكارتها. أقول «البشر التافهين» — فأي شيء يستطيعون أن يخلقوا؟

أرض ميتة، مسمومة، محروقة وراءهم. جبال قمامة، ومازوت مسكوب من البراميل، وإطارات سوداء تلبدت بفعل الاحتراق. مزبلة.

وأحيانًا تتراءى لي صورة: بعد أن تشق جماعة طريقها بمحركات جبارة إلى البرية المصونة، تنكبّ من السيارة الرباعية الدفع — وتزحف إلى الشاطئ من الزورق. أرواح الناس منتشية بالجمال المنبسط أمامها! يصعب تخيل كل تدرجات اللون المتجلية على ألواح السماء والبحر والغابات. لكن هؤلاء البشر التافهين… «هيا، أخرجوا الأغراض! لنبدأ إذن»… — يأمر رأس الشلة، الذي لا يغفل عن شيء. فيخرجون الأكياس. زجاج قناني الفودكا، وبلاستيك عبوات الجعة الكبيرة، وصفيح العلب الفارغة، ومزق الورق، والعفن المقزز للأواني ذات الاستعمال الواحد…

يبعثرونها حولهم. يحرقون كل حيّ بنابالم نيرانهم. يقطعون الشجر.

وما أشق، ما أشق عليهم، شأن كل روح بشرية، ارتكاب هذه القبائح! لكنهم يواصلون بآخر ما لديهم من قوة، وقد خدروا أنفسهم بالفودكا، كيلا يتذكروا شيئًا مما اقترفوه. حسنًا، هل خَرِئنا في المكان، أم ماذا؟ خَرِئنا. أوف… يركبون وسيلتهم الآلية منهكين، خاويين. وها هم قد انسلّوا، تبخروا، ذابوا في عادم البنزين المزرق.

أعرف أن الفنان ذات يوم، وقد قطّب حاجبيه ولاحظ خللًا ما في اللوحة، سيبتسم ساخرًا في لحيته — وكما يفعل فلاديمير نيكولايفيتش — سيمسح البقعة البرتقالية لخيمتي في مكان ما على الشاطئ تحت الجبل، ويمحو شرارة النار الصغيرة بجوارها… ويمسّ الموضع بصباغ السترونشيوم النقي، مجددًا شريط الرمل عند حافة الموج. فأختفي.

وربما يلقي نظرة ثاقبة… ضربة، ضربة! ويطمس باللون البشرية كلها، التي انتشرت عفنًا رماديًا دنسًا تحت ألوان الغروب البديعة، وعند المياه الشفافة، وبين الغابات الضاجة.

همم، فلاديمير نيكولايفيتش… سيخبئ اللوحة في القبو تحت القصر. ثم يغفو من جديد، متنفسًا من أنفه بهدوء.

أحيانًا أنظر إليه، وأهمس على عجل… «يا رب، يا رب! خلّصنا، يا فلاديمير نيكولايفيتش…».

* * *

في العهد السوفييتي، كان فنانو قسم الجماليات التقنية في مصنع «بوليميرديتال»، عند أطراف سوتسغورود في ضواحي موسكو، يحبون الرعي في حقول قصر الثقافة التابع للمصنع السخية. (وكان قد تكدس في هذا القسم نحو ثلاثين فنانًا. وكلما اتسع حجم الدعاية البصرية التي يصنعونها للأعياد الشعبية العامة، زادت أجورهم، فوق الراتب الأساسي، بموجب أوامر عمل تُسوّى على حدة.) ومع بدء البيريسترويكا، لم يعد ثمة عمل في المصنع المنهار، لا للفنانين وحدهم، بل لنصف العمال أيضًا. ولم يعد ثمة مال لإعالة القصر. فسُلّم إلى سوتسغورود وأعيدت تسميته «إمبولس».

حين التحقت به فنانَ ديكور، كُلّفت بإعداد تصاميم اللافتات الجديدة الرائجة على برامج الرسوم. فقد خطر للمديرة أن تطلب من وكالة إعلانات طباعة هذه اللافتات — وهي رقع هائلة من الفينيل — وتزيّن بها واجهة القصر. (أما كل ما صنعه فنانو «بوليميرديتال» على مر السنين الطويلة فهو «خردة، مكانها المزبلة». كان هذا هو الخط العام.) لكن اللوحات القديمة كانت أعمالًا حقيقية من فن التصميم الزخرفي. وأي «أيديولوجيا عفا عليها الزمن» فيها؟ رأس السنة المعتادة، والثامن من مارس، ويوم النصر، ويوم حماية الأطفال. ثقيلة، ذات شأن، مجسّمة — كانت تشغل مستودع الديكورات الكبيرة.

أما تصميم اللافتة؟

هذا الطيف الافتراضي المحض، يمكن «طلبه صوريًا» عشر مرات من شركة الإعلانات تحت أسماء مختلفة، وهم «يطبعونه صوريًا». ثم «يركبونه صوريًا»، وبعد ذلك يُشطب من العهدة — شطبًا حقيقيًا تمامًا، ينبغي القول. أما الأموال المخصصة لهذه الفكرة فتتحول بمهارة إلى مواد بناء. فالمديرة، كما كانوا يقولون، تستكمل بناء بيت في بلدة راقية قرب موسكو. وبعد مدة جاءتها إشارة «من فوق»؛ فأُغلق مشروع «هاوية الفينيل» بهدوء. والرقع القليلة التي صُنعت بالفعل تُفرش على خشبة المسرح. في الربيع، حين تذوب الثلوج، وفي الصيف أثناء الأمطار. فالسقف يسرّب الماء كالغربال!

انتقلت إلى تنسيق الملصقات والمنشورات عن الأعياد والحفلات المقامة في القصر. يغطّون المنطقة كلها بتلك الداتسيباو الزاهية، ويغمرون بها مداخل العمارات، ويحشرونها في صناديق البريد. وهذا يخلق وهمًا بأن النشاط الثقافي الجماهيري عندنا يغلي ويفور. وفي الحقيقة، الفعاليات شحيحة كدموع القطط.

وراتبي أيضًا بقدر دموع القطط. أضطر إلى الركض وراء الزبائن، واقتناص أي عمل. وفي الأمسيات وأيام العطلة أجلس في المشغل إلى الكمبيوتر، أعالج الصور… آلاف الصور… التي أعود بها حين أنطلق كل صيف في بعثات إلى ضفاف بايكال، إلى المناطق القاسية العسيرة الوصول المحيطة بها. على سفوح سلسلة خامار دابان، وفي تفرعات سايان الشرقية، وعند أقدام سلسلة بارغوزين، وفي شبه جزيرة سفياتوي نوس — أبحث عن «الهيروغليفات الحجرية». علمت بها في أول رحلة منفردة لي إلى سفياتوي نوس. والأدق أن تُسمّى تلك «الرحلة» — بلا أي خطة أو إعداد — هروبًا من مشكلات الحياة التي حاصرتني آنذاك. كان مساري يتشكل من حكايات الصيادين عن صيد خرافي ينتظر في مكان ما… أحدهم أقلّني بشاحنة، وآخر أوصلني بزورق. ثم جاءت أيام ممطرة، وكان الأجدر نسيان الصيد أصلًا! وجدت نفسي في المتاهات الحجرية للقسم المنخفض من سلسلة سفياتوي نوس، المنحدر نحو الطرف الجنوبي لشبه الجزيرة. وفجأة، في ظروف غريبة جدًا، التقطت نداء استغاثة: حدث أن تواصلت عبر اللاسلكي مع طيار صيني لطائرة شراعية معلّقة تعرّض لحادث، وكان مصابًا بجراح قاتلة. كان ينتقي العبارات الروسية بصعوبة، ويضيع صوته في بحر من التشويش. والمنطقة التي انجرف إليها الطيار التعس — إذ قذفت هبة ريح مباغتة طائرته إلى الصخور فتحطمت — مرتفعات برية في مكان ما من وسط السلسلة. كان الطقس العاصف يزمجر؛ ولم تكن لدي مؤن ولا معدات ولا خبرة بالترحال. والحديث عن أن أندفع في تلك الحال إلى حيث لا أدري لإنقاذ من لا أدري — محض عبث.

من هذا الصيني، وماذا كان يفعل هناك، وكيف وصل؟ وإلى من كان يمكنني اللجوء؟… إلى خدمة الإنقاذ؟ إلى الشرطة؟ (وينبغي القول إننا كنا في منتصف التسعينيات. يومها كان أهل بلادنا أنفسهم يختفون في وضح النهار وسط المدينة.) أخبرت رفيقًا لي بكل شيء، وكان يخدم في وزارة الداخلية. فنصحني أن أطرد الأمر من رأسي وأنساه سريعًا. يبدو أن المفرزة الكبيرة لجمهورية الصين الشعبية «لم تلحظ فقدان» أحد «مقاتليها». فلم تتلق الجهات المختصة أي بلاغ باختفاء شخص في تلك المنطقة (ناهيك عن مواطن دولة أجنبية).

طوال العام التالي ظل شيء مقلق لا يفارق روحي، ويثير خيال الباحث فيّ. كان يدفعني إلى الفعل، إلى البحث. درست ما استطعت العثور عليه من مؤلفات عن بايكال وعن شبه الجزيرة، وكذلك الخرائط وتقارير الرحالة. وفي إجازة الصيف ذهبت إلى شواطئ سفياتوي نوس، وصعدت السلسلة، وعبرت البلاد الجبلية الخالية. هل كان ما تمكنت من العثور عليه موضع السقوط؟ لقد وجدت شيئًا يشبه «الصندوق الأسود»… في كيس من البلاستيك الأسود نحو عشرة مخططات فوتوغرافية، تُظهر مواقع «الهيروغليفات» الحجرية. كان الصيني، وهو يحلّق فوق «الصفحات» الحجرية — فوق هضبة سلسلة سفياتوي نوس — يلتقط صورًا من علو الطير، أملًا في تسجيل رسائل قديمة. لا يُعرف مَن خطّها، ولأي غرض، ولمن وُجّهت؟

وها أنا اليوم، إذ أستكشف الأماكن المحددة في المخططات، أصور «العلامات» الغامضة من المرتفعات المحيطة، أو متسلقًا أشجارًا عالية، أو مركّبًا من العصي الطويلة «حاملًا ثلاثيًا» عملاقًا، أو مستخدمًا بالون هيليوم وكاميرا آلية.

حين أعالج صور بايكال، أحوّلها إلى رسوم متجهية. ينتج شيء أشبه بـ«رسم خطي». إنه «منظر من أعلى» للرقعة التي تقع فيها أحجاري: وباللغة العلمية، «منشآت طقسية أو ملاحية من نمط تشكيلات المشهد الطبيعي». بعد المعالجة في المرحلة الأولى، تصبح المادة جاهزة لتسليمها إلى معهد يُعنى بأبحاث الفضاء (في كوروليوف القريبة من موسكو). واستئجار آلة حوسبة قوية خدمة تجارية (ثمنها مبالغ لا تُصدق). لكن لا سبيل آخر للحساب والكشف عما لا يرجع إلى التلاعب العشوائي للقوى الطبيعية، بل تظهر فيه آثار العمل الخلّاق لأولئك الذين تركوا سجل حضارة مندثرة — أو نظامًا ملاحيًا ما صُنع لمن زاروا / سيزورون الأرض (أو بأيديهم). والمعلومات الواردة من المعهد ليست كل شيء، بل هي، إن صح القول، دليل للعمل. لا بد من وضع وصف صحيح للاكتشاف أيضًا — وبالاستناد إلى بعض «المؤشرات» الخفية في ترتيب الأحجار — تحديد اتجاه، ودراسة منطقة جديدة مسبقًا، يُرجح أن يتواصل فيها البحث في الموسم التالي.

وفوق هذا عملي الأساسي في القصر. وفوق هذا زبائن من خارج القصر، وتنسيق مجلداتهم المالية الضخمة، وكتالوجاتهم المملة إلى أقصى حد.

كمبيوتر العمل في القصر يعمل بكامل طاقته من الصباح إلى المساء. وذات يوم لم يحتمل، وتعطل. الشاشة سوداء، ووحدة النظام ماتت، لا علامة حياة. أبلغت كراسنوفا، مسؤولة الخدمات. فحذرتني عشر مرات ألا ألمس شيئًا، ولا أحاول فض الأختام، فهو في الضمان، وسيأتي المختصون ويصلحونه. حسنًا، كما تشاؤون! نقلت المعدات، بأمرها، إلى قاعة المحاضرات. وأحضرت حاسوبي المحمول، وحمّلت المعلومات المحفوظة، وواصلت العمل.

لم يكن الكمبيوتر مشمولًا بأي ضمان بالطبع. لكن مسؤولة الخدمات كانت لها مصلحة في تحويل أموال لإصلاح هذا وذاك عبر مخططات ملتوية. والنتيجة أن كل شيء عندنا، من استبدال الأدوات الصحية إلى العزل المائي للسقف، كانت تنفذه «فرق يا سلام!» مشبوهة، جُمعت من أصقاع بلاد البطاطا العظمى. وكلما قلّ، على ما يُفترض، ما يتقاضونه مقابل عملهم، زاد، كما هو واضح، ثمن الحلي الذهبية ومعاطف الفرو التي كانت إيزولدا كراسنوفا تستبدلها كل حين. لكن ما كانت تفعله لا يهمني. وفي هذه الأثناء لم يكن أحد يتعجل إصلاح أجهزتي وإعادتها!

مرّت بضعة أسابيع. أتيت إلى العمل ذات مرة، فقال الحارس إن «مقاتلي الجبهة الخفية وصلوا؛ لعلهم يصلحون كمبيوترك». كانت في كلامه سخرية مريرة.

انشغلت بأموري، لكنني ظللت أتذكر ملاحظة الحارس، فقد علقت بذهني لسبب ما. وحين فرغت، قررت أن أرى ما يجري هناك. صعدت إلى قاعة المحاضرات وأطللت.

ما رأيته أحدث صدمة ثقافية حقيقية! على طاولات دُفعت إلى بعضها استقر ما يشبه «جهاز القطع الزائد للمشير كيم تشير أون»… (تذكرت صورة من الأخبار يتفقد فيها الزعيم الكوري الشمالي «باعثًا سريًا لأشعة إكس».) أي أسطوانة كرتونية — طولها نحو مترين وقطرها متر تقريبًا — ملفوفة بشريط لاصق فضي. وإلى جوارها كان «مختصان» ظهرا للتو، ببزتي عمل زرقاوين عليهما رقع عاكسة للضوء، يفكان لفائف الأسلاك، ويمدان «أنابيب» غليظة من البلاستيك المموج (قطرها نصف متر). (إن حاولنا وصف ما يفعلانه، فبالمعنى التقني كانا كأنهما «يوصلان» الأسلاك و«الأنابيب» المموجة بـ«جهاز القطع الزائد»… الذي يُفترض أن «أجهزة» ما كانت بداخله.) وفي كل مكان أجهزة تشبه طاولات مزج الصوت لدى مهندسي الصوت؛ وفي الزاوية كومات من لفائف الحبال، وعصي طويلة برؤوس حديدية، وصناديق أدوات، وسلالم قابلة للتمديد…

ربما يجري الإعداد عندنا لشيء ممتع؟ عرض استعراضي بتقنيات معقدة، أو عرض لمسرح الأوهام، أو انطلاق متسابق بدراجته النارية داخل كرة شفافة هائلة؟

هذا لا يعنيني بالطبع. هززت كتفي، وكنت قد هممت بالعودة.

لكن لماذا أخرجوا وحدة نظامي وشاشتي من الصناديق؟

في هذه الأثناء كان أحد العاملين قد نزع اللوحة الخلفية لوحدة النظام، وسحب كابلًا بالغ الثخانة وأخذ يثبته بالبراغي داخل الصندوق. يعيث بالمفك — ولا تسمع إلا الجلبة! وبجواره مباشرة «خرطوم» مموج — جاهز على ما يبدو لتوصيله هو أيضًا. أين، وكيف؟ بالقرص الصلب، أم ماذا؟! هدوء هذا المعلم في صنعة المفك وثقته واحترافيته الحقيقية لم تترك مجالًا للشك في أن الأمر عنده عادي تمامًا: لا شيء استثنائيًا، هكذا ينبغي أن يكون.

يشوهون كمبيوتري أمام عيني! أيًا كان، فقد كنت أعمل عليه، وملفاتي محفوظة فيه!! هيه، يا إخوة الإلكترونيات، ماذا يحدث؟!

وبالجملة، تبيّن أن هذين «المعلمَين» هما «اختصاصيا كمبيوتر متسلقا أشجار». غليب أكبر سنًا، يناهز الخمسين، وأليس أيضًا تجاوز الثلاثين على الأرجح. هما من بيلاروسيا، ويعملان في موسكو لدى شركة، ولديهما تصريح عمل وتسجيل إقامة، كل شيء وفق القانون.

لكن ما حكاية «متسلقي الأشجار» هذه؟! لم أسمع قط بـ«اختصاصيي كمبيوتر» كهؤلاء!

غليب وأليس — لم يكونا يذكّران بأعضاء فرقة «بيسنياري» الشهيرة في الاتحاد السوفييتي (والتي لم تُنسَ إلى اليوم) إلا بشاربيهما اللافتين للنظر نوعًا ما، لكن القادمين من بيلاروسيا للعمل يسمونهم فعلًا «بيسنياري» — وهذان «البيسنياري» حسباني شخصًا آخر… ظنا، على الأرجح، أنني ممثل جهات التفتيش (والعقاب). لم يجيبا مباشرة، وتوترا، وأحالاني إلى شركتهما كي أتصل بها إن كانت لدي أسئلة. وكانا يستندان بين الحين والآخر إلى أوامر العمل والتراخيص. «لدينا أمر تكليف بالعمل — ظلا يرددان الشيء نفسه — ولدينا تصريح، ومهمة تقنية. ومن طرفكم دُفع كل شيء بتحويل مصرفي. ما الحكاية؟».

ليس هذا ما أعنيه، يا إخوتي السلاف! أي «أشجار» تنويان «تسلقها»؟ في الكمبيوتر، أم ماذا؟ (يوجد بالطبع مفهوم «شجرة الكمبيوتر». لكنه يخص سجل مجلدات النظام. كيف يمكن «تسلق الأشجار»؟ سواء أكانت في القرص الصلب، أم في السجل، أم في مكان آخر لا ندريه.) وكيف ستدخلان إلى هناك؟ ستتسللان عبر منفذ USB؟ بحبالكما وعصيّكما وسلالمكما؟ وبرشاشة الحدائق… («تعمل بالبنزين، من النوع المحمول على الظهر»، كما أخذ أليس يشرح بتفصيل بالغ لسبب ما.)

هذه المرة بالغت إيزولدا كراسنوفا نفسها! أين عثرت على آخر هؤلاء «المقاتلين البيلاروس غير النظاميين» (وربما ليسوا آخرهم)؟!

أصر غليب بعناد: «…سننظف هناك، ونحذف الزائد. وإن كان ثمة فيروس، فلدينا مبيدات…» لكن كيف ستدخلان إلى داخل الكمبيوتر… «سندخل عاديًا. كالمعتاد. هذا هو المهايئ».

— هذه الأنبوبة الكرتونية؟!

— أي أنبوبة هذه؟ — دخل أليس، الأكثر تقدمًا تقنيًا، في المشادة. — المجال المغناطيسي في المهايئ وتردد مجال التسريع ثابتان مع الزمن، لكن شرط الرنين يظل متحققًا خلال عملية التسريع بتغيير مضاعَف التسريع g.

ما هذا؟! هل اكتشف العلماء البيلاروس شيئًا قلب الصورة العلمية للعالم رأسًا على عقب؟ لكن مجتمع الإنترنت لا يدري. ولجنة نوبل غارقة في جهل مطمئن. ووادي السيليكون يغفو بهدوء. ولماذا ما زلنا نمشي على الأرض ورؤوسنا ليست إلى أسفل؟

— يبدو أن لديكما مصادم الهادرونات الكبير؟ (كنت أعني بالطبع مصادم الهادرونات الكبير. وكم وددت أن أتهكم وأسميه مصادم الهادرونات البيلاروسي.)

تأهب أليس، وتوتر كنابض، وابيضت مفاصل قبضتيه المشدودتين بقوة.

— يبدو أنك تريد افتعال مشكلة معنا؟

ولماذا أفتعل معكما مشكلة، يا شباب؟!

…لم أفعل إلا أنني تخيلت كيف يدخلان الكمبيوتر. ماذا سيفعلان فيه؟ سيدوسان ملفاتي بأحذيتهما الخشنة، وينبشان الصور، ويفتحان الرسائل الإلكترونية؟ كيف ينبغي لي (وهل ينبغي أصلًا؟)… أن أتصدى لهذا؟ أن أقنعهما بأن الأمر يتجاوز حدود المعقول؟ أن أنقض عليهما بقبضتيّ؟ أيعني هذا الإقرار بحقيقة ما يحدث؟ والمشاركة في هذا الفعل المجنون الذي لا يُدرى من اختلقه ولأي غرض؟!

وإذا تذكرت ملاحظة الحارس (الصحيحة في هذا السياق)… من يسمّونهم «مقاتلي الجبهة الخفية»؟ رجال الاستخبارات، والمخربون؛ كل من يستخرج المعلومات السرية. ماذا لو احتاج أحدهم إلى فرض مراقبة شاملة عليّ؟ قلب روحي وملفاتي وصوري وبريدي من الداخل إلى الخارج؟ لا، أي شيء هذا الذي يخطر بالبال! هذيان كامل!! في أي لحظة أغيب فيها عن المشغل، إن دخل أحد وشغّل الكمبيوتر — فليتفضل، لينظر وينقب عما يشاء.

أما تفقد البريد… فيستطيعه أي قرصان. (ولا حاجة لأن يكون «متسلق أشجار»!) لكن ماذا فيه سوى الأمور العادية، اليومية؟ نعم، كنت أتراسل مع الشباب في نادي «غيوبويسك» في نوفوسيبيرسك. كانوا يرسلون إليّ طرائق لدراسة «هيروغليفاتي». واضطررت في المراسلات إلى حكاية أمر «الكيس الأسود» ذي المخططات الفوتوغرافية، الذي وجدته في الموضع الذي يُفترض أن الطيار تحطم فيه. صوته البعيد، الذي اخترق طقطقة التشويش وفرقعاته، صار نقطة انطلاق رحلاتي. وقد مر أكثر من عشر سنوات.

أتهيأ للرحيل، وأحزم حقيبة ظهري… أي شيء يثير النفس أكثر من استشعار الطريق — مغامرات خطرة، ولقاءات غير متوقعة — تستحضره رائحة نار المخيم المنبعثة من الأغراض المتشبعة بالدخان. صباح باكر، وصخور هائلة، ورحابة بايكال، وعوامة صنارة على موجة تتنهد برفق. ناداني صوت بايكال النفيري، وشعاع يتلاعب في بلور الأعماق المخضر، وأنابيب الأرغن في أنفاس الرياح الجبارة، وأريج شعاب التايغا التي سخنتها الشمس، وبريق القمم الشامخة. هذا مسار حياتي — وعلامات معينة أحاول أن أتبينها كيلا أفقد الاتجاه المحدد. منعطفات، وصعود شاق، وهبوط حاد على هذا الدرب… قادني تضافر الظروف إلى «إمبولس». أعالج آلاف الصور، وأكلّف برسم «الرسوم الخطية» — ثم ألصقها وأبسط على خشبة المسرح «حقول» أحجاري الهائلة. وأحيانًا، وأنا كأنما «أطفو» فوقها، أشعر بصلة غامضة… بـ«إسقاط» ما للسحب؟ بالسماء فوق بايكال؟

أعادني صوت غليب من تأملاتي التي انسقت إليها إلى الواقع.

— اسمع، هل تعيش في موسكو؟ — سأل بـ«لطف» متكلف.

— في ضواحي موسكو، — أوضحت.

— ها! أما لو كنت تعيش في بيلاروسيا، لمنحك باتكا دفعة بحذائه الحديدي في مؤخرتك، بحيث إنك، من دون أي مسرعات دورية،

لن تكتفي بالدخول إلى الكمبيوتر عبر أنبوبة كرتون،

بل ستطير إلى حيث ينبغي، كالذبابة، فهمت؟

نحن، مثلًا، نستطيع أي شيء تريد! عندنا اختراعات عجيبة! لو طلبوا منا اختراق شبكة صرف البيت الأبيض والاتصال بها — لاخترقناها! وسنتسلل إلى مرحاض الرئيس، وندخل مؤخرة باراك أوباما بمصابيحنا! ولولا فجوركم الفكري المونتريالي، لتلاحمنا في قبضة الاتحاد الحديدية. وأي ناتو وأي منظمة تجارة عالمية، يكفينا أن نبصق عليهما ونسحقهما!

حسنًا، يا أصدقائي! لندع الثرثرة الجيوسياسية! أرسلوكما لإصلاح الكمبيوتر — وفوق هذا كله «دُفع من طرفنا بتحويل مصرفي» — فأصلحاه. ومضيت إلى شؤوني، أفكر بحزن أنه لا شيء مضحكًا ولا غريبًا في هذين البيلاروسيين وأنبوبتهما الكرتونية. وبماذا نحن أفضل… كيف نتدبر أمرنا، ومن أين نأتي بالمال للبعثات والأبحاث؟ كل صيف، مع بدء الإجازات، يرفع الأوليغارشيون الطفيليون — الذين تطوق لوامسهم شرايين وطننا الفولاذية وأجنحته — أسعار تذاكر القطارات والطائرات. كما يرفع فيي جفنيه الحديديين! هذا لون خاص من التنكيل في روسيا، حيث الفضاءات عظيمة لا تُحاط، وحيث يفتح الإنسان الروسي — الباحث دائمًا عن إجابة للأسئلة الأزلية — الروايات العظيمة. «الحرب والسلام»، و«الإخوة كارامازوف»، و«اللص» لليونوف. فقد خُلقت لتُقرأ على مهل، أربعة أيام، مع الشاي ووقع عجلات عربة النوم المفتوحة، من موسكو إلى بايكال؛ ولتناقش مع الجيران ورفاق السفر صفحات وفصولًا بعينها؛ ومنها صفحات وفصول الحياة، والمصير، والوجود. أحقًا ينبغي للروس — أحفاد المكتشفين العظام، ومواصلي عمل من عمّروا سيبيريا وشقوا الطريق إلى الفضاء — أن يقعدوا في بيوتهم، ويُحرموا السفر؟ (فلا يمكن اعتبار ما تعرضه وكالات السياحة غزوًا للفضاءات: إجازة في محميات المنتجعات، وزيارة «معالم» غطاها الذباب؟) إلى أين يذهب الروسي؟! في معهد أبحاث الفضاء، وفي شركة الكمبيوتر التي تثبّت البرامج الجديدة، وعند موردي معدات التصوير الجوي — ما إن تنطلق نحوهم، وقبل أن تصل — تكون الأسعار قد كُتبت من جديد! كل شيء صار أغلى بثلاثة أضعاف. لا همّ لهم إلا أن يتربحوا منك — الآن، في هذه الدقيقة!

أكدح من الصباح إلى الليل. ومارينا تدرّس في ثلاثة أماكن، وتعود نحو المساء. لكن ماذا نستطيع أن نوفّر لأنفسنا؟ نصبّ المال الذي نكسبه في هاوية ما.

وكيف نقضي الإجازة معًا؟ قبل أن أنطلق إلى مجاهل بايكال، نذهب إلى ساحل البحر الأسود، إلى مخيم سياحي غير بعيد عن سوتشي. لم يتغير في المخيم شيء منذ ما قبل البيريسترويكا، والزمن يكاد يكون ساكنًا، نقضي في لزوجة الأيام العسلية إجازة تمتد ضعفي مدتها. في سفوح الجبال الرعدية، التي تحوم فوقها أرواح الجبليين الذين اختفوا، نحلم بالعثور على مقام بيثا المقدسة. كان الأوبيخ الذين عاشوا في هذه الأماكن يعبدون هذا المقدس — نسرًا حجريًا بعينين من أحجار كريمة، ومنقار مكسو بالذهب، وجناحين ومخالب مكسوة بالفضة. وبحسب الروايات القليلة التي وصلت إلى أيامنا، كانت بيثا المقدسة في الأزمنة الغابرة «تنهض» في مطلع الصيف و«تطير» إلى المراعي الجبلية العالية. وفي الخريف تعود إلى موضعها في الغابة المقدسة. إنه «جسم طائر» ما! من أين جاء، ومن «برمجه» ولأي غرض؟ نستكشف أخاديد أنهار أوسوكاي، وخودجيبسي، وبيراندا، وديتلياجكا، وبوو. نصادف أحيانًا ندوبًا ملتئمة لطرق سَوْق الماشية، التي كانت القطعان تسير عبرها إلى المراعي الجبلية. وأحيانًا تظهر على جذوع الأشجار الضخمة حزوز بالفأس… شيء أشبه بعلامات «منارات»، تحدد من واحدة إلى أخرى «اتجاهات»، لكنها لا تقود إلى أي مكان، وتختفي سريعًا. ويخامرنا أحيانًا شعور غريب بأن نقاط هذه الرسالة المشفرة وشرطاتها ستكشف فجأة عن رسالة، تقود إلى أعماق الغابة، إلى مركز ما أُرسلت منه.

لكن قلب أوبيخيا الجبلية موصد في وجوهنا، ويلزم الصمت.

* * *

في أواخر الثمانينيات، في مسقط رأسي أولان أودي، في قبو مهيأ داخل مبنى سكني، كان لي — مشغلي الخاص. وكان يقع فعلًا في شارع لينين — وكنت أعيش فيه أيضًا، لا أغادره تقريبًا — ولذلك، مثلي مثل البطل الغنائي لأغنية فيودور تشيستياكوف المعروفة (فرقة «نول»)، كان الهوس يضرب رأسي من حين إلى آخر. لكن هذا على سبيل الاستطراد.

أصالة المشغل الحقيقية مرهونة بثلاثة جوانب (يعبّر عنها مبدأ Analogia Trinitatis)، مثلما تشكل النغمة الأساسية والثالثة والخامسة «نواة» جميع البنى النغمية. لكنها، في هذه الحالة،

الزبائن،

والأصدقاء

والفتيات.

يقيم فنان الديكور مع الزبون توازنًا روحيًا. يتوقف رخاء الزبون على السماء الزرقاء الأبدية في روح الفنان. والعكس صحيح. قال الصينيون القدماء إن العمل الفني يبقى على مر العصور إذا ظل غير مكتمل. ولهذا، حين أنفذ طلبًا — أصنع أي إعلان خارجي — كنت أترك في المرحلة النهائية تفصيلًا كأنني تعمدت ببراعة ألا أتم رسمه. لم يكن الجميع بالطبع قادرين على رؤية متجه صوب المستقبل في ذلك. بعضهم كان يرفض تصوري رفضًا قاطعًا — ولا يدفع شيئًا لقاء العمل المنجز. وآخرون… حسنًا، ربما دفعوا نصف ما اتفقنا عليه.

لا بأس! فالأصدقاء يأتون لدعم الفنان. ودائمًا يحملون معهم شيئًا يسخّن الدم ويفرح الروح. يقولون: «أنت تفعل الصواب يا أخي. كل شيء في هذا العالم زائل. الفن وحده خالد. فلنشرب».

أما الفتيات فيأتين لمجرد أن الربيع يأتي دائمًا بعد الشتاء، وأن الصيف المشرق يأتي بعد زمن الإزهار الجامح.

سألتني فتاة: «كم جزيرة في هذا الموضع الذي تصب فيه قنوات نهر أودا التي لا تُحصى، المتفرعة بين رواسب الطمي، في جذع سيلينغا الجبار؟» لم أدر أأضحك أم أبكي! هذا السؤال — وسط الجزر الكبيرة والصغيرة والضئيلة جدًا، كأن يدًا سخية نثرتها من فوق، من سماوات بورياتيا — ذكّرني باقتباس من «باليساندريا» لساشا سوكولوف: «ولا تنسَ بلاد النيرفانا المنتصرة. هناك، حين تبلغ قطرة المطر سطح البركة، تلفظ بوضوح، لا «طق»، بل «زن». هناك — كل النهايات والبدايات. هناك — النعمة. لكن وأنت تحاول نيل نصيب منها، لا تسأل عابرًا:

كم الساعة أو أي قرن هذا،

وهل رأى كيف يجري النهر

أو مربع ماليفيتش؟».

— لقد صنع الجزر مهندس تنسيق المناظر الطبيعية، — قلت. — هو من أرسل الكراكة إلى دلتا أودا، راسمًا لها الطريق الذي يخلق نموذجًا واسع النطاق لباطنية بوذية الزن، التي تنكر بذاتها وجود أي طريق، وتوجب اتباع المقادير الكارمية بلا وعي وبعفوية.

حكيت لها كيف أن مهندس تنسيق المناظر الطبيعية كان يطل على «مخطط أولان أودي» من علٍ، من مرتفعات متنزهة عن كل شواغل الدنيا، حيث يتلألأ ورق الرسم البكر ببياض مطلق، وحيث سواد سنون الأقلام لا يقارن إلا بسواد الظل الذي تلقيه الصخور الأزلية تحت لمعان الزرقة الجليدية — نعم، من تلك المرتفعات. وأنجز الرسم، حاصرًا تخطيط المدينة بخطوط إبراز ضمن النسب المتناغمة لسباعي الأضلاع؛ وحين حدد نقطة التأمل، ذاق تناغمًا ساحرًا لا يُتاح للفانين العاديين، صادرًا عن منظومة متناسقة ذات منظورات هندسية تمتد إلى ما وراء حدود الحيز المحدود.

— أتذكرين كيف كان شاطئ مدينتنا من قبل؟ — سألت. — كان نصف دائرة السد في مجرى أودا يشكل ما يشبه «المضيق»، وعلى ضفته اليمنى مرسى لزوارق وزوارق آلية تنفث دخانًا أزرق بفحيح بديع. وبعده كان شاطئ طفولتنا يتلون بمظلات بائعات المثلجات، ويرن بأصوات الأطفال، وينبض بضربات قوية على الكرة الطائرة، ويطقطق بقطع دومينو المتقاعدين، ويزمجر بجهير أبواق المنقذين الصفيحية، وهم يطالبون عشاق الاستجمام النشط في الماء بألا يسبحوا وراء العوامات.

— لا، لم أدرك ذلك الزمن، — أجابت الفتاة بحزن.

— نعم، هناك الآن أرض خلاء مليئة بالقمامة، و«المضيق» صار مستنقعًا. لا أعرف ماذا حدث… هل جرف التيار السريع كتلًا من الرمل فتغيرت مجاري النهر؟ ثم صُنعت الجزر. وعددها 35. أتعرفين لماذا؟ الرقمان 3 و5 أساسيان في علم الأعداد الصيني، الذي اقتبسته اليابان مع البوذية.

— وما دخل علم الأعداد الصيني واليابان والبوذية هنا؟ — تعجبت.

— دخله أن… باختصار، من أي نقطة تنظرين إلى الجزر، فهي دائمًا 34. تبقى جزيرة واحدة غير مرئية، تحجبها الأخريات. ونحن موجودان عليها بالذات، ولهذا لا يرانا المحيطون بنا!

نظرت إليّ بدهشة.

— ألم تقرئي في طفولتك كتاب «الحجر الخامس عشر لريوانجي» لكاتبنا في الشؤون الدولية تسفيتكوف؟

— لا.

يا لَفتيات هذه الأيام! لا يقرأن الكتب الممتعة، ولا يتذكرن كم كان شاطئ المدينة رائعًا حقًا!

اضطررت إلى القيام بجولة معرفية في حديقة الحجارة بمعبد ريوانجي، أبرز معالم مدينة كيوتو اليابانية. هناك، على رقعة مفروشة بالرمل الأبيض، تتوزع 15 قطعة صخرية سوداء غير مشذبة، بحيث لا يستطيع المتأملون رؤية أكثر من 14 منها في وقت واحد، أيًا تكن زاوية نظرهم. رأى بوذيو الزن في هذا الانسجام الغامض طبيعةَ الوجود العصية على الفهم، ومن كان يبلغ الاستنارة بالتأملات الطويلة وتهيئة الوعي كما ينبغي، كان يتكشف له الانتظام الزمني لتعاقب الوقت.

— ظلت الكراكة تجوب شرايين أودا الزرقاء عدة سنوات، كرصاصة أُزيح مركز ثقلها، — تابعت حكايتي. — اغترفت من القاع ملايين الأطنان من الحجارة والرمل، وكدست تلالًا رملية. بعضها مسطح، وبعضها على هيئة مخاريط بركانية، تعلو فوق تعرجات النهر، تحيط بها هنا أعماق الكون وهناك ضحاضحه — وكأنها «تطفو»، شبيهة بالسحب، في حركة هادئة بطيئة، تُدخل وعي سكان المدينة في حالة من السكينة المطمئنة… لا في تأملات دنيوية عن أن استحداث «الجزر» بالرمال أتاح لأحدهم انتشال مال لا بأس به من ميزانية المدينة، وجرفه وغسله، وإطلاقه إلى الآفاق الزرقاء التي لا عودة منها.

كنا مستلقيين، أنا والفتاة، على إحدى تلك الجزر. وفي مكان ما خارج مجموعتنا الشمسية، كان مسجل بعيد يدير على شريطه دفعات صوتية رتيبة. يحمل تيار النهر والريح أصداء فضية… «آه!-آه!-آه!»… كأننا وقعنا داخل مذياع عملاق! لمعان المياه الخنجرية المنسابة في أغماد الضفاف المنقوشة بالصفصاف، المفضضة والموشّاة بالسواد، والشمس المبهرة التي بلغت سمتها وبقيت هناك، مسمّرة بمسامير أشعتها، كانا يصنعان لعبة من الانعكاسات. كانت الجزر تتجاوب بالرنين، وتضخّم التشويش الإذاعي الذي تسوقه الريح فوق القنوات. ومرّت «آه!-آه!-آه!» اللانهائية من المسجل، طافيةً ككرة أطفال مطاطية ملوّنة على هيئة بطيخة… إنها تانيا بولانوفا تسأل «أتامانًا» ما… تقول له: «قل لي الحقيقة! لماذا تريد حبي؟!» وفجأة يحل الصمت، ويدوم لحظة. ثم من أعالٍ ما، في عنق الغلاف الشفاف الذي احتوانا، من الحجرة العليا لساعة رملية خفية فوقنا — تنهال كالانهيار الجارف خطفات النوارس، وخرير المياه، وأزيز الحصى، ونباح الكلاب الواثب بمرونة، وصيحات الأطفال…

«ما دمنا «غير مرئيين» على جزيرتنا، — قالت رفيقتي، — فلماذا يظل ذلك الرجل هناك، جارنا ساكن الجزيرة الأخرى، يحدق فينا كل حين؟ وفوق هذا، يبدو أنه يتشمس هناك من دون لباس داخلي إطلاقًا!»

لكن هذا تجاوز الحد… هؤلاء الفتيات يلتفتن دائمًا إلى غير ما ينبغي تمامًا! نهضت قليلًا، ولمحت بجانبي حجرًا ثقيلًا، لأرمي به في حديقة هذا الهاوي للحمامات الهوائية والشمسية عاريًا كما ولدته أمه، إن اتضح أنه كذلك فعلًا.

يبلغ عرض القناة بين جزيرتنا والجزيرة المجاورة نحو خمسة أمتار. والحق أنني لاحظت أيضًا شخصًا غريبًا يلوح هناك، مرة فوق المخروط الرملي، ومرة إلى جانبه. أسمر حتى السواد، كقطعة خشب متفحمة. ما الذي كان يفعله هناك روبنسون هذا، وحيدًا بلا فرايداي، أمر غير مفهوم. وسرعان ما رأيته. كان يرتدي، على أي حال، ضربًا من المئزر. جثم عند ضفته وصاح: عندكم ما ندخنه يا شباب؟ كان عندنا، فقلت له أن يخوض الماء إلينا، فلا يعقل أن نلقي بالتبغ الطيب في مهب الريح، بالمعنى الحرفي.

رجل شوته الشمس، ودبغت الرياح والمياه جلده، فبدا كحذاء خشن منكمش. في الثلاثين تقريبًا، يغطي تفاحة صلعته المشوية منديل سخيف عُقدت زواياه. وكان يضم تحت إبطه ما يشبه «حقيبة يد نسائية» من القماش المشمع، يصلصل فيها شيء حديدي. ظننته صياد سمك محليًا مخضرمًا، وكان ذلك طبيعيًا تمامًا، فسألته عن الصيد… لكنه تملص بكلام عام، ولم يكن يعرف شيئًا مثيرًا للاهتمام. ثم تجاذبنا الحديث، واتضح أن هناك، على جزيرته، «مستعمرة للعراة». كانوا نحو عشرة إلى خمسة عشر شخصًا، رجالًا ونساء، يتشمسون هنا عراة، ويدعون إلى الاندماج الكامل بالطبيعة والتخلي عن أعراف الحضارة.

في تلك الفترة بالذات، في الثمانينيات، تدفقت علينا شتى التعاليم والطوائف والوعاظ. هذا يردد المانترا، وذاك يمشي حافيًا على الثلج، وآخر يأكل الطعام النيئ، وآخر يعقد جسده عقدًا يوغية، وآخر يستنبت فطر الشاي ولا يشرب إلا شرابه، ويرى فيه دواء لكل داء، وخلاصًا، أو نسيانًا؟ في زمن تبدل فجأة وبغرابة. لكن عراة؟ تحت سماء بورياتيا، وسط جريان أنهار السهوب، في ريح مرة قليلًا تحمل من سهول منغوليا رائحة الأعشاب المحروقة… في الأمر شيء من السخف. أهذه الريفييرا الفرنسية عندنا أم ماذا؟! لكن ما رواه باقتضاب هذا المريد لعدن أرضية «جديدة» ما، ومشكوك فيها جدًا، جاء قاسيًا مريرًا.

نعم، في البداية كان هواة التشمس والسباحة عراة ينعمون براحتهم في الجزيرة البعيدة، ولا يزعجون أحدًا. وكان عدد أنصارهم يتزايد. وفي هذه الأثناء نصّب زعران المنطقة أنفسهم مدافعين غيورين عن الأخلاق العامة! راحت قطعانهم تحوم حولهم، تطلق قهقهات من أعماق البطون وتكشر عن ابتسامات بذيئة. لكن ذلك كان لا يزال محتملًا. ثم شرعوا يستفزونهم مباشرة، بل يترصدون للعائدين مساءً على الكورنيش. وبالطبع، بعد مثل هذا «التأديب»، هذا إن لم ينته الأمر في المستشفى، لا سمح الله، لم يبق إلا قلة مولعة بهذا الاستجمام المتطرف.

— اقتحموا علينا الجزيرة، — قال صاحبنا الجديد. — تصدينا لهم بما وقع في أيدينا. استعملنا قضبان التسليح والعصي والزجاجات المكسورة. وظللنا نتقاتل ونتقاتل… فأي تشمس وسباحة، وأي لعب بالكرة الطائرة؟

— والشرطة، ألم تكن تحميكم إطلاقًا؟ — سألت الفتاة.

— الشرطة؟ هيهات! — لوّح العاري بيده مستسلمًا. — يأتون، يتفرجون. ومن يجدونه مطروحًا لا يقوى على شيء يحشرونه في عربة الترحيلات، ويسوقون الجميع دفعة واحدة إلى القفص. ثم يقولون إن المواطنين الذين بلا سراويل داخلية ليسوا من اختصاصهم، فهم أنفسهم يخلون بالنظام العام.

أخذ الحر ينحسر شيئًا فشيئًا، وهبت من الماء نفحة منعشة، والشمس تميل تدريجيًا إلى الغروب. كنت أفكر أن الوهج القرمزي، حين يُذهّب قباب الجزر الأربع والثلاثين بلمعة الوداع، سيترك واحدة خفية في الظل، مستترة، لم تتجل في الواقع. سيصعد إلى قمتها بطل حقيقي، ويرسم بتلويحة قضيب تسليح في يده المفتولة العضلات حدود العالم الهيليني. وستزحف إليه مسوخ الظلام من كل ناحية، إلى دائرة الضوء.

— كان يفترض أن يأتي صديقان لي… — أخذ ابن الجزيرة يتلفت بقلق. — لكنهما لم يصلا. ربما نكّل بهما الزعران وهما في الطريق.

— إذن أنت وحدك هنا… وستتشمس؟ — سألته بحيرة مفهومة تمامًا.

— سأتشمس. وما العمل.

— أعني… ستبقى هكذا، بهيئتك… العارية؟ — استفسرت الفتاة. ما لها ولهذه الهيئة «العارية»!

— هم! أجل!! — أكد بحزم، مشعرًا إياها بأن السؤال في غير محله. — إن لم يقتلني الزعران اليوم نفسه. وعدوني بأن يقضوا علي. لكنني أعددت لهم شيئًا… فليجرؤوا على الاقتراب. — وأشار إلى «حقيبة اليد» الغريبة التي معه. — صنعوا لي مسدسًا.

— مسدسًا؟!

— نعم، عدلوه من مسدس بدء سباقات ليطلق ذخيرة حية. طلبته من حرفي ماهر في المصنع.

— ستطلق عليهم النار لتدافع عن نفسك؟

— سأضطر.

مددت إليه نصف علبة سجائر، كل ما كان معي. «خذ، هذه «ذخيرة». فالوضع عندك هنا يوتر الأعصاب قليلًا». وخاض الماء عائدًا إلى جزيرته. أي يقين بأنه على حق كان في هذا الرجل؟ وددت أن أصيح وراءه: «اسمع، ما رأيك أن تلبس سروالًا داخليًا؟ أتستثقل التشمس بسروال داخلي إلى هذا الحد؟!» لكنني صمت. فهذا كأنك تحاول إيقاف جوردانو برونو وهو يصعد إلى المحرقة.

* * *

* * *

* * *

لا يمكن بحال أن أسمي رحلاتي إلى بايكال «رحلات طلبًا للصحة». ربما يعود غيري من الأسفار منتعشًا، أسمر البشرة، وقد نقص وزنه بالقدر المناسب. أما أنا، فليوصلني الله إلى البيت وحسب: وجهي أحمر متورم، تغطيه لحية وحشية؛ وجسمي كله قرصه البعوض؛ ونظرتي، كما يلاحظ كثيرون، فيها شيء من نصف الجنون. ويكون خيرًا إن لم تكن هناك جروح ظاهرة، مفتوحة ومتقيحة. وبالجملة، الشيء الوحيد الذي أريده بعد مثل هذه «الراحة» هو النوم والنوم والنوم.

وفي الصيف التالي أشرع مجددًا في إعداد مسار إلى شواطئ بايكال. عامًا كاملًا تنتظر وتستعد وتحلم بذلك. وها هي التجهيزات أخيرًا. وفجأة يتضح أنك تنظم في خيط ما خرزات من أشياء تعرفها، سبق أن حدثت لك. أمارات، علامات، أحداث. لا تدري كيف يحدث ذلك، بإرادتك أم من دونها؟ تعد نفسك مثلًا: هذه المرة سأشتري حقيبة ظهر حديثة، ملائمة لشكل الجسم، محكمة العزل، موفرة للطاقة، ومعها قدرًا وبكرة لصنارة الرمي. لكن لا جديد، كما لم يكن! تنظر: حقيبة الظهر نفسها، والقدر نفسه، والبكرة نفسها. ومجددًا، عدد بعينه من علب اللحم المطهو، وعدد بعينه من البصل، وقطعة شحم خنزير بوزن بعينه. كل هذه معالم واضحة، تلك الحزوز في جذوع الأشجار، علامات الطريق في التايغا، تتبعها من واحدة إلى أخرى، لكي تعود بعدها بالطريقة نفسها تمامًا. كيلا تتيه أو تضيع في المساحات اللانهائية المحيطة بك، من غابات وألسنة جبلية وأودية أنهار عميقة.

كتب ستانيسلاف ليم بدقة بالغة في «الدورية»، من «حكايات الطيار بيركس»: «حين يحيط بك تريليون ونصف تريليون كيلومتر مكعب من الخواء، لا تجد فيه حتى رشة من رماد السجائر، تتحول الرغبة في أن يحدث أي شيء، ولو كان كارثة مروعة، إلى هوس حقيقي. في طلعاته الدورية المئة والاثنتين والسبعين، مر الطيار بيركس بمراحل مختلفة: أصابه النعاس، وتكدر، وشعر بأنه شيخ، واستسلم لأطوار غريبة، وكاد يفكر في ضرب من الجنون لا يتسم بالهدوء أبدًا، وأخيرًا أخذ، كما كان يفعل تقريبًا أيام دراسته العسكرية، يختلق شتى الحكايات، وكانت كثيرًا ما تتشابك إلى حد لا تكفي معه طلعة كاملة لإنهائها».

كما هو معروف، فإن الطيار بيركس، وهو يجوب في دوريته منطقة من الفضاء سبق أن اختفى فيها عدد من رواد الفضاء بلا أثر، يلاحظ فجأة «جسمًا» غامضًا، فيبدأ بمطاردته. ويؤدي السباق المجنون إلى أن بيركس، فاقد السيطرة، ومقتربًا من جنون حقيقي تمامًا لا متخيل، يكاد يختفي في مهاوي الفضاء. ويتبين أن هذا «الجسم» ليس في الحقيقة إلا انعكاسًا ضوئيًا يتراقص على شاشة المراقبة بفعل بعض الخصائص التقنية.

في بعض المناطق البرية المحيطة ببايكال، التي بقيت على فطرتها لصعوبة الوصول إليها، أستكشف ما يسمى «الدوائر الحجرية». لا يصح بالطبع الحديث عن «تريليونات من الكيلومترات المكعبة من الخواء»، فعالم التايغا والجبال والأنهار، وكل ما يحيط بأعظم البحار، الذي لم يسم عبثًا بالبحر المقدس، كثيف إلى حد… كحساء السمك الذي قد يتاح لك أن تطهوه، فتنتصب فيه ذيول الأومول أو الغرايلينغ خارجة من قدر المرق العطر. ومع ذلك، اللعنة، كيف يحدث هذا؟! فإن نفضت كل مظاهر الجمال، ومزقت الطبقات الكثيرة المحيطة بالجوهر نفسه، فلن يبقى إلا… ماذا سيبقى؟ ذلك الشعاع نفسه، اللمعة، بقعة الشمس الراقصة، أو «الرغبة في أن يحدث أي شيء، ولو كان كارثة مروعة»، كما قال كاتب الخيال العلمي الرائع.

وهذه اليراعة، التي ظهرت من حيث لا تدري، قد تغريك، وتناديك لتتبعها، وتستدرجك إلى برية سحيقة بحيث… وحين تطلقك الغابة من مخالبها، إن شاء الله، ولو بوجه أحمر متوحش، ولحية منفوشة، وجسم قرصه البعوض، ونظرة لا بشرية، ستبقى في القلب آثار وندوب. وسيأتيك في الأحلام، بل وفي اليقظة أيضًا، ذلك الغامض المستعصي على التفسير الذي لمسته، أو اختلست رؤيته أو سماعه هناك، في أعماق الغابة، التي خرجت منها هذه المرة حيًا.

حتى الآن لا أستطيع أن أفسر لنفسي رحلة واحدة… أو، الأدق، بضعة أيام من تلك الرحلة في شبه جزيرة سفياتوي نوس، حين كنت أهيم في وادي نهر أونغوكونكا الشديد الاستنقاع، محاولًا شق طريقي إلى سلسلة سفياتوي نوس. ما الذي ضللني حينها؟ ربما قرأت كتاب «مرحبًا، بايكال!» للباحث الرائع في شؤون بايكال ومروج المسارات السياحية ف. ب. بريانسكي، فآمنت ببساطة بأن هناك في كل مكان دروبًا مطروقة تسير عليها بخطى نشيطة مجموعات السياح المتعطشين للمعرفة. لكنني لم آخذ في الحسبان أن كل ذلك، أي «مئات الشبان بحقائب الظهر»، وكيف «يجتازون شاطئ خليج بارغوزين عبر الكثيب»، كان قد حدث قبل أكثر من ربع قرن، حين كُتب الكتاب. ومنذ ذلك الحين ابتلعت الغابة كل الآثار، لا آثار السياح وحدهم…

عند الطرف الشمالي من خليج أونغوكون، في سنوات ما قبل الثورة، وأثناء ترسخ السلطة السوفييتية، كانت قرية صغيرة تعتاش على صيد السمك والحيوان. وتجري فيها بعض أحداث الرواية الثلاثية «بودليموريه» للكاتب البورياتي الرائع ميخائيل جيغجيتوف. وعلى خريطة المسح الطبوغرافي لعام 1943 أشير إليها بعبارة «أبنية مهدمة». لكنني لم أجد حتى أرضًا خالية خلفتها تلك القرية. داوت الغابة هذا الجرح في جسدها بأشجار متناثرة، ونسجت عليه الأغصان، ولفته بالأعشاب.

كان يمكن أن تنقطع مذكراتي عن تلك الرحلة عند العبارة: «وداعًا، بايكال! ووداعًا، يا دنيا الله بأسرها».

لم يكن هناك شيء… هنا وهناك، على الجذوع الهائلة للصنوبر والأرز، كانت تظهر ندوب ملتئمة لحزوز، كان درب يقود باتباعها، من واحدة إلى أخرى، ربما في زمن من أزمنة الملاحم، إلى السلسلة الجبلية، إلى الممر. لكن إن أمكن تمييز تلك العلامات القديمة، فإنها كانت على ارتفاع غير بشري، يزيد على مترين. أفكان الرواد الشجعان الذين شقوا الطريق عمالقة حقيقيين؟ لا… منذ نحتت الحزوز، نمت الأشجار واستطالت إلى أعلى. ليتني أجد أي أثر يذكر بالقرية، أما الدرب إلى أعالي النهر فكان ضرورة حياة لي! ولما لم أجد هذا ولا ذاك، أصابتني صدمة جغرافية حقيقية. كنت في نقطة جغرافية محددة، وأحسست بالرعب لمجرد وجودي هنا أصلًا. لكن إلى أين أتراجع… كان الغسق يشتد، وهبات الريح مشبعة بالرطوبة، تنذر بسوء الطقس. وملأت كائنات مجهولة، على قوائم مطرية ناعمة، كل ما حولي بالخشخشة والحركة، كأنها تعدو من مكان إلى آخر… (أتختبئ مني؟ أتحاول جري إلى لعبة مبهمة؟) وكأن محطة الغابة الإذاعية الهائلة قد اشتغلت وبدأت بثها. وجدت نفسي وسط ضجيج غير مألوف، أرهف السمع إليه متوترًا، محاولًا أن أحدد ذلك المجهول الذي بدا لي أنه يهددني.

…في الصباح استيقظت على المطر يقرع سقف الخيمة بإلحاح. لا خير في التجوال يومًا كاملًا وسط الأجمة تحت دش جليدي. لكن الغيم الكالح لم ينقشع حتى المساء، وانهمر المطر طوال الليل. كنت مستلقيًا وسط غابة المطر تحت أنابيب تنقيط فضية تصب سمًا لاذعًا، يشل الجسد ويسمم الدماغ بلوعة امتداد الغابة بلا نهاية. مفتاح هذه اللوعة، طقطقة القطرات القارعة، مسجل في مكان ما من الذاكرة البعيدة، البعيدة جدًا. إلى تلك الأصقاع يبحر طوف نجاة صغير: حصيرة رحلات إسفنجية وكيس نوم. وها أنت تهبط في غواصة الخيمة إلى الأعماق التي يصبح فيها وعي الغابة ووعيك واحدًا لا انفصال بينهما. كما كان الأمر منذ البدء… عامل اللاسلكي المجنون، المطر، يقرع على قماش الخيمة شفرة مورس الملحة نفسها. تنخفض الحرارة، وتنتفخ قطرات التكاثف على الوجه الداخلي أمام أنفك مباشرة، فـ«سقف» الخيمة من طراز «الجحر» منخفض. تتابع ولادة هذه الدقائق المضادة الكبيرة، وكل واحدة منها، ولا شك في هذا هناك، في أعماق غابة المطر، ستلتهم وتبتلع دقيقة حقيقية حية مكتملة. حالة خطرة! قد يسحق ضغط الأعماق غواصتك بمنتهى السهولة… وتذوب في الغابة، وتصير أنت نفسك غابة.

كانت الجذوع الساقطة التي سدت مجرى النهر الصغير نَخِرة، نبتت عليها أشنات الرنة وشجيرات العنبية الحمراء وإكليل الجبل البري. كانت الأشجار التي حطمتها الريح تسد الطريق، فأبتعد عن النهر باحثًا عن منفذ، وأصادف دروب حيوانات تبعث الأمل قليلًا، ثم تختفي في الحال في كثافة الشجيرات التي يستحيل اختراقها. ألن أبلغ المنحدرات الركامية الحجرية، سفح السلسلة؟ كان العرف الصخري يبدو قريبًا جدًا حينًا، ثم يبتعد، وفق قوانين عجيبة للمنظور، حتى لا يجدر بي أن أحلم ببلوغه. وجحافل من بعوض شديد اللجاجة لا تدعني ألتقط أنفاسي. ثم توغلت في مستنقع، بين كتل عشبية متقلقلة، واختفى مجرى النهر في تلك الأراضي الخالية النازّة بعرق جليدي. وفي غشاوة شبحية ما، كان القرص الأخضر الذي سُجلت عليه الغابة يدور برتابة… وقد علقت في موضع ما من أخاديد هذه الأسطوانة، في فجوة من الزمن امتدت ربع قرن.

لكن ماذا لو نظرنا إلى الأمر على حقيقته؟

فـ«الأبنية المهدمة» للقرية غمرتها المياه بسبب تشغيل محطة إيركوتسك الكهرمائية عام 1958، حين رُفع مستوى بايكال اصطناعيًا بأكثر من متر. وهُجرت دروب الصيد بعد إنشاء الحديقة الوطنية عام 1986 وحظر الصيد في أراضيها. والطقس في بايكال يصعب التنبؤ به أصلًا، أما في شبه الجزيرة، فالجبهة الدافئة الآتية من خليج تشيفيركوي، الأقل عمقًا ولذلك تسخن مياهه جيدًا، والرياح الجليدية من سلسلة بارغوزين، والنفس الجبار لشمال بايكال، وكتل الهواء الآتية من امتدادات البحر من جهة إيركوتسك، تتصادم كلها فوق سلسلة سفياتوي نوس في «طقوس جوية غامضة» حقيقية! لماذا لم تخطر لي هذه التفسيرات البسيطة؟ ولماذا أخذت أكوّم أهوالًا غيبية؟! «الغابة التهمت آثار الإنسان»، و«كائنات مجهولة على قوائم مطرية ناعمة» ما… لكن، مهما يكن، ذهبت الخطط كلها إلى الجحيم، واضطررت إلى العودة. وفي الحال، في الصباح الباكر، ما إن استيقظت، حتى كانت أمامي قبة هائلة متألقة، وقصور بايكال البلورية.

ما زالت أمامي بضعة أيام جميلة، وأماكن رائعة سبق أن اختبرت جودة الصيد فيها.

على الدرب الممتد من خليج زمييفا، وبعد كريستوفسكايا بالفعل، رأيت سائحين يسيران في الأسفل على الشاطئ، فيما كنت أنا على الجرف، على الدرب الذي يتسلق السفوح ويهرب إلى الغابة، مبتعدًا عن الساحل إلى الداخل، مختصرًا الطريق عبر الرؤوس الناتئة. بدا لي الرجل والمرأة المسنان أجنبيين… واضح أنهما ليسا من أهل بلادنا. (وخطر لي أيضًا أنهما أول «أرضيين» ألتقيهما بعد التحليق في مهاوي غابة المطر.)

بعد ساعتين تقريبًا، نزلت أنا أيضًا بهذا الدرب إلى الشاطئ، وخرجت إلى خليج صغير وديع اتخذته مكانًا للاستراحة. طبخت عصيدة الحنطة السوداء، وأضفت إليها اللحم المعلب، وتغديت، وشرعت أشرب الشاي. وإذا بتلك السيدة الأجنبية المسنة تمر من أمامي، تحمل آلة تصوير باهظة الثمن جدًا بعدسة قوية. دعوتها لشرب الشاي، لكنها قالت إنها تحتاج «صور كثير كثير». تبادلنا بضع عبارات مألوفة، بالروسية والإنجليزية. نصحتها أن تصعد بالدرب مباشرة، فالصعود قليل، وستحصل على أفضل الصور من هناك، من الأعلى. شكرتني ومضت.

بعد مدة أقبل رفيقها بخطواته الثقيلة. حيّيته أيضًا، وعرضت عليه أن يستريح، وها هو الشاي، تفضل… واتضح أنهما زوجان سويديان. بدا الرجل فوق الستين، على الأرجح؛ قصير القامة، متين البنية كله. وجهه مائل إلى السمرة، وشعر رأسه الفضي مقصوص كأشواك القنفذ، وكوفية «عرفاتية» مربعة النقوش ملفوفة حول عنقه. كان مجهزًا خير تجهيز: حقيبة ظهر، وسترة واقية من الريح، وحذاء، وسكين في غمد على حزامه، ومنظار، وساعة معقدة الوظائف، وكلها من شركات معروفة بتطوير معدات الرحلات، لكنها أشياء لا تباهي فيها، وليست خارجة للتو من المتجر، بل مجربة جيدًا، تشربت روح الأسفار. بدأنا نتحدث، وكان يفهم الروسية ويتكلمها بما يكفي للتفاهم. سألته أين أتيحت له فرصة تعلم اللغة، فقال إن لذلك صلة بالخدمة. (لم يكن الأمر واضحًا تمامًا: ربما الخدمة في الاستخبارات؟ لكن لم يكن من المناسب الاستيضاح.)

كما توقعت، كانا قد زارا الينابيع الحارة في خليج زمييفا، أشهر معالم المكان، على متن زورق الشركة السياحية التي نظمت رحلتهما. ثم نقلوهما وأنزلوهما في خليج كريستوفسكايا، ومن هناك تابعا سيرًا. تبادلنا الانطباعات، وتحدثنا عن الطقس والصيد والاستحمام في الينابيع الحارة. أخرج السويدي خريطة، أطلسًا سياحيًا عاديًا للمحمية، وطلب أن أخبره إن كان بإمكانهما الصعود إلى قمة فيدوفايا؛ فقد سمعا أن مشهدًا بانوراميًا أخاذًا ينفتح من هناك… آه، لا بد أن تزورا فيدوفايا، حتمًا! وأخذت أصف الجمال والصعوبات التي تنتظرهما، وكيف يصلان إلى هناك، وكم سيستغرق الأمر. كان السويدي يطرح أسئلة سديدة، ويحسن قراءة الخريطة.

كان قد تأهب للرحيل، ورفع حقيبته إلى كتفيه. شكرًا، وما إلى ذلك. وفجأة، من دون سبب، سألته: — وأنت، هل خدمت في الجيش أصلًا؟

لا أفهم لماذا خطر لي هذا الجيش.

فكر قليلًا، لم يتوقع السؤال، وراح يبحث عن الكلمات: — آه، نعم. خدمت. بالطبع.

وهنا، كما يقال، انطلقت بلا كابح. — وأي جيش عندك أنت؟ السويدي أم ماذا؟!

— نعم، السويدي. القوات المسلحة. Försvarsmakten.

أعرف بنفسي أنها القوات المسلحة! لسبب ما أغضبني ذلك بشدة.

— ها، جيش أيضًا! تقطعه كله بالسيارة في يوم واحد، جيشك هذا! أما جيشنا فهو جيش بحق… يا سلام! — باعدت بين ذراعي على اتساعهما، لأقنعه بأنه لا وجه أصلًا للمقارنة بين جيشنا وجيشهم، فما جيشهم إلا بصقة نمسحها. — عندنا تظل أسبوعًا كاملًا في القطار، تمضي وتمضي حتى أقصى التخوم. أو عشر ساعات بالطائرة من طرف إلى طرف، ها؟ ما رأيك؟! لقد وقّع المارشال غريتشكو نفسه أمر تسريحي!!

انفلتت مني رغمًا عني، مجرد زلة لسان! ربما لأنني التهمت الحنطة السوداء… هل أثارت عصيدة الحنطة السوداء مع اللحم المعلب في القدر العسكري تداعيات لكل ما هو عسكري؟ أم أن أندريه أنتونوفيتش غريتشكو، وزير دفاع الاتحاد السوفييتي من 1967 إلى 1976، رسخ في ذاكرتي منذ الطفولة المبكرة، منذ أيام نشرات تاس الإذاعية عن المواجهة بين حلف الناتو العدواني والدول الأعضاء في منظمة معاهدة وارسو؟ بالطبع، كان دميتري فيودوروفيتش أوستينوف هو من يصدر الأوامر في سنوات خدمتي. ومنها أمر تسريح المجندين عام 1982، الذي مسني شخصيًا. فشكرًا له على ذلك، ولتخلد ذكراه.

— آه، غريتشكو، رائد فضاء روسي! — هتف محدثي، ودفئت عيناه.

ويعرف رواد فضائنا أيضًا! اضطررت إلى الشرح:

— لا، ليس رائد الفضاء غيورغي غريتشكو… وزير الدفاع. لكن هذا غير مهم. لا يمكنك أن تتصور معنى أن تخدم في جيشنا! — انقضضت على السويدي من جديد. كان وجهه يعبر عن حيرة واضحة. لكن ذلك لم يزدني إلا اندفاعًا. — حين كنت أجر نير الخدمة، أرسلونا إلى كازاخستان لخوض معركة الحصاد… للمساعدة في حصاد الحبوب، هكذا كانوا يسمونها. كانت وحدتنا هيكلية، تُستكمل عند الحاجة برجال الاحتياط. بالاحتياطيين، أعني. بـ«الأنصار»، مفهوم؟

— آه، أنصار روس!

— «الأنصار» تسمية مجازية فحسب… من الفولكلور. أتعرف كيف هي السماء في كازاخستان؟ سماء لا تحد، عالية، هائلة، تمتد على الرحب كله. وأي فضاءات هناك! ليس عبثًا أن ميناءنا الفضائي بايكونور، أول مرفأ فضائي في الكون، يقع في كازاخستان. هناك، وسط السهوب، هبطت كبسولة عودة رائدة الفضاء سافيتسكايا، فكانت فصيلتنا أول من هرع إليها بشاحنة. ثم أقبلت المروحيات… يصرخون عبر مكبرات الصوت أن لا يقترب أحد! لكن هيهات… مزقنا المظلة تذكارات للتسريح، بل حصل أحدهم على خفيها. وعلى هذه الكبسولة، وكانت متفحمة كلها، أحرقتها السيول النارية عند دخول الغلاف الجوي، خدش كل واحد، بمسمار أو بما استطاع، اسمه وموطنه و«التسريح عام كذا». وفي المساء عرضوا كل شيء على نحو آخر في برنامج «فريميا». المروحيات تحوم بجمال، والفنيون والأطباء يقتربون بانسياب من الكرة، بحقائبهم الصغيرة. وتخرج سافيتسكايا منها نشيطة بسترة رياضية زرقاء، مثل سترة منتخب الاتحاد السوفييتي، كأنها القيصر غفيدون خارجًا من برميله. وتتجه مباشرة إلى رئيس اللجنة الحكومية، وهو يمشي بأبهة على السجادة الحمراء. صوروا كل شيء مسبقًا في أحد استوديوهات «موسفيلم»، هذا واضح!

من سيل الكلام الذي صببته عليه، التقط السويدي أهم ما يسمى «العلامات الثقافية»: كازاخستان — بايكونور — سافيتسكايا — «موسفيلم».

قال إنه رأى كازاخستان، وإنها بلد هائل. وإن بايكونور قفزة إنسانية وتقنية كبرى في تاريخ البشرية. وإن سفيتلانا سافيتسكايا أول امرأة روسية جميلة خرجت إلى الفضاء المفتوح. وإن «موسفيلم» تعني «إيفان الرهيب» لأيزنشتاين و«الغرانيق تطير» لكولوتوزوف.

يا للموسوعي الذي وقعت عليه! أم أنه أكثر من مشاهدة أفلام بي بي سي الوثائقية؟

— وأين رأيت كازاخستان أنت… في التلفزيون أم ماذا؟! ليتك وقعت فيها بنفسك في الثمانينيات! لا طرق هناك، مجرد اتجاهات. كأن ملاكًا قاذف قنابل مجنونًا طار فوقها… هياكل السيارات المقلوبة والمحطمة والمحترقة تسود في كل مكان. في غيبوبة الكحول، كان «ربابنة نقل الحبوب السريع» ينامون خلف المقود، ويتدحرجون إلى خنادق الطريق، ويصدمون كل من أقبل أو اعترض. لعل الحراس الخفيين الواقفين عند جذور الأعشاب، ظلال الرحل التي أُقلقت راحتها، كانوا يضللونهم في غسق ما قبل المساء. كانت التلال والمرتفعات المحيطة تطفو كظهور أسماك عتيقة من شرائط الضباب الطويلة المتعرجة. ويخيل إليك بوضوح: ها هم فرسان متوحشون على خيول هائجة سيثبون فجأة إلى العرف المتكسر! وكانت صهاريج ناقلات الوقود تشتعل بالسهام الصاعقة المطلقة، وتتفتح ورودًا سوداء ذات بتلات من معدن ملتف، مسننة على نحو مشوه.

كان أهل المنطقة يصطادون الأنصار بطعم مخصوص. بدلو فارغ يتركونه عند بيت في القرية. تدخل الشاحنة إلى الفناء، وكان حوشًا حقيقيًا من أحواش البايات، لا يشبه ما اعتدناه في روسيا، وتُفرغ الحبوب في حفرة معدة سلفًا. علفًا للماشية والدواجن، ولصنع الكحول المقطر منزليًا. ويدفعون للسائق بـ«العملة السائلة»، دلوًا ممتلئًا. وبعضهم، على ما يبدو، كان يتفق أيضًا على شيء من مخدرات تلك النواحي.

وأحيانًا كانت ناقلتا بنزين تطارد إحداهما الأخرى في السهب! كأن أحدًا يدحرجهما كرتين فوق طاولة بلياردو لا نهاية لها… وفجأة تتجهان إلى الاصطدام، وجهًا لوجه، إلى التناطح. ولا يبقى من المتسابقين المتفحمين إلا دعامات الكتفيات الفولاذية وحدوات الأحذية المصنوعة يدويًا.

كنت أخدم في مقر ضابط المناوبة العملياتي، وكان علينا الخروج إلى كل حادث. نصل في سيارة العمليات «غازيك»، مغطاة بالغبار وملتهبة الحرارة. وكنا نضل الطريق، ونتوغل في خلاء السهب حتى لا نكاد نرى وجه الدنيا! كانت موجة النار الخارجة من مركز الانفجار تحرق دوائر متحدة المركز، تتلاقى كأنما عند قلب هدف، عند الهيكلين المشوهين لبرونتوصورين من ناقلات الوقود، متشابكين في عناق مفنٍ. نلبس وجوه الأقنعة الواقية من الغاز، ونتدثر بدروع الوقاية الكيميائية الضخمة، ونخوض بحر الرماد الناعم الذي لا يُسمع فيه وقع الأقدام. وفي الموضع نفسه الذي امتصت فيه المادة البلازمية الأرواح، كما في «عين» هدف اخترقته إصابات متقاربة، كان الخواء يفغر فجوة. حتى النسمة الخفيفة لا تبلغ ذلك المكان، بعدما جف جناحاها واحترقا. نجمع ما بقي في علبة من الزنك. ولسبب ما كانت البقايا دائمًا دعامات كتفيات وحدوات أحذية.

— توقف، توقف، توقف. — نظر إلي السويدي بتمعن وبرود. كأنه «كشف» علي بجهاز أشعة سينية مثبت، كما خيل إلي، داخل جمجمته. — انتظر! — أوقفني…

أنا أعرف ما جرى لك…

كان السهب آنذاك يرتفع في انحدار لطيف كعدسة محدبة، ويبدو أن أحدًا يرقد تحته، يرى من الأسفل نعال أغطية أحذيتكم الواقية التي كنتم تنسون خلعها. كنتم تهبطون إلى أودية صغيرة ضبابية مفعمة بغسق حبري. ويطير في وجوهكم بط أقلقتموه، ينفض عن أجنحته خيوطًا فضية. وبحيرتان صغيرتان تلمعان كعتامتين قمريتين في عيني أعمى. كنتم تلقون بأنفسكم في الزجاج الساكن، وتدورون في البدلات المطاطية التي التصقت بجلودكم، باسطين أذرعكم كالصليب. وحتى علبة الزنك كانت تطفو بجواركم. رؤوس أجهزة التنفس وخراطيمها المموجة كالجذوع تتجه إلى قناديل النجوم التي انخفضت قريبًا. وكانت نجيمة المحطة الفضائية الصغيرة تعبر محجري العينين المستديرين في أقنعة الغاز. أما رائد الفضاء الذي كان عليها، فكان يرصد، بأنبوب سمع خاص، اختراع فائق السرية للخبراء العسكريين، خرير بحيرات الأرض الخافت وصلصلة غريبة لأجسام معدنية… كانت تلك صلصلة علب الزنك الطافية بجواركم، وبداخلها قبضة من رماد الأنصار السائقين المحترقين، ودعامات كتفيات فولاذية وحدوات أحذيتهم.

— نعم… — كدت أهمس. — من أين تعرف؟ — انحبس نفسي، وبالكاد استطعت النطق.

— حسنًا… لقد رأيتك ببساطة.

— أنت؟ رأيتني؟! ما هذا الهراء الذي تقوله، غفرانك يا رب!!

على أي حال، قال إنه كان ذلك الرائد الذي يحلق في محطة فضائية فوق امتدادات كازاخستان اللامتناهية. كان يراقب بجهاز خاص كل ما يحدث في أراضينا. لكن أي «محطات فضائية» في السويد؟ كنت خارج نفسي من السخط. قال إنه مشروع فائق السرية، وإن لدى السويد منذ زمن بعيد مركبات طائرة للاستطلاع. ولا أحد ملزم بأن يطلعني، أنا المواطن العادي، على كل المستجدات في مجال التسليح. وقال هذا السويدي أيضًا إن شاعرنا توليا بوبيريتشني كان صديقه، وإنهما شربا في زمانهما كمية لا بأس بها من فودكا «أبسولوت» السويدية. وعندها أوحى إليه بالفكرة، أي إن هذا السويدي هو الذي أوحى، بأن «رواد الفضاء يحلمون بشيء حميم جدًا، أرضي حقًا». وقد عبّر بوبيريتشني عن ذلك ببراعة في أغنية «ولا نحلم بدوي الميناء الفضائي، ولا بهذه الزرقة الجليدية…» التي أدتها فرقة «زيملياني». أغنية ضاربة لكل الأزمنة والشعوب!

…فليذهب هذا السويدي إلى الجحيم! حمل حقيبته، ومضى يصعد الدرب بحذائه الجبلي ذي النعل المسنن. طريق السلامة! تضايقت جدًا لسبب ما، وتألمت، وثقل علي شعور بأن شيئًا غريبًا من الخارج اقتحم حياتي والتصق بها ماصًا إياها، بل أخذ يتفحص أخص أسراري، ربما بأنبوب تلسكوب ما. لم يطاوعني شيء، لا صيد، ولا استجمام موفق. وفي المساء عبرت الجبل إلى قرية الصيادين المجاورة، كاتون. وهناك اشتريت زجاجة فودكا من أحد السكان، وبطريقة «أنصارية» جدًا أيضًا، خفية من تحت المعطف. عدت إلى مخيمي وشربت الزجاجة؛ وأعددت لأتناوله معها شيش كباب «الرواد»: دوائر من النقانق المجففة التي بقيت لدي، وحلقات بصل، وشرائح شحم خنزير، وقطع خبز، منظومة على عود مبري ومحمرة على النار. وفي صباح اليوم التالي شربت خمسة أكواب من الشاي أعددتها بماء بايكال المغلي. كانت عاصفة تبدأ، والشمس مع ذلك ساطعة، وعصفت الريح القوية بكل الترهات من رأسي.

* * *

* * *

* * *

فيما مضى كان مصنع «بوليميرديتال»، على أطراف سوتسغورود القريبة من موسكو، غنيًا جدًا. كانت في أحشائه تغلي بحيرات البوليمرات، وتنساب منها أنهار من اللينوليوم وبلاط البولي فينيل كلوريد، تغذي ورش بناء الاقتصاد الوطني. وعلى نفقة المصنع بُني حي سكني وروضة ومدرسة وعيادة ومتجر شامل وملعب ومسبح وقصر ثقافة «بوليميرديتال». فرشوا اللينوليوم في كل مكان، وغطوا كل شيء ببلاط البولي فينيل كلوريد، مع عناصر من الزخارف القومية للجمهوريات الشقيقة. لكن عواصف البيريسترويكا التي بدأت مزقت سفينة قيادة الصناعتين الكيميائية والإنشائية، وقذفت بها إلى الأنياب الصخرية على شاطئ السوق الحرة، الحرة من كل القوانين. وها هو هيكلها الصدئ يكمل تعفنه اليوم، وقد تحولت عنابرها الهائلة إلى أحواض ركود للبضائع الاستهلاكية الصينية، وتنهش الشركات الصغيرة المستأجرة آخر ما بقي في العملاق.

وكان الحي السكني بكل بنيته التحتية ينتقل من يد إلى يد، كما في معارك طويلة. فأحيانًا، بجرة قلم، ينقلون الأطفال اللاعبين في صندوق الرمل، والتلاميذ الكاتبين للإملاء، والمرضى الذين يقيسون ضغطهم، والمتسوقين الواقفين في الطابور، ولاعبي الكرة الراكضين، والسباحين المرحين كالدلافين، من ملكية إلى أخرى. وقد ينطلق عداء مسافة 500 متر على مضمار ملعب تملكه عشيرة، ثم يصل عند خط النهاية إلى أملاك جماعة مناوئة.

نُقل قصر ثقافة «بوليميرديتال» إلى سوتسغورود، وأعيدت تسميته «إمبولس». كان موقد الثقافة بالكاد يتقد، لكنه حافظ على شعلة في ليل التسعينيات… ومن ذا الذي لم يطمع فيه! تجار الجملة والتجار الصينيون حلموا بتحويله إلى سوق، ورجال الأعمال أرادوا مركز مكاتب، والمحتالون اندفعوا بخطط كازينو، بل إن طائفة شيطانية نوت أن تعشش فيه… جميعهم تحطمت أسنانهم على جزئه الخفي تحت الأرض. فهو «منشأة مزدوجة الاستخدام». في أساسه ملجأ من القنابل، يبسط التفافات متاهاته كوردة خرسانية. ووزارة الطوارئ المسؤولة عنه تخصص أموالًا لمنشأتها، فتضطر إدارة سوتسغورود إلى صيانته (فالملجأ معد لكبار المسؤولين، وعند الضرورة ينجون فيه وينظمون مركز قيادة).

عرفت منظومة الجذور السرية هذه من فلاديمير نيكولايفيتش. فقد عمل في القصر فنانًا للديكور منذ يوم افتتاحه. وحين التحقت بـ«إمبولس» فنانًا ثانيًا، عملنا معًا. ولا بد من القول إن فلاديمير نيكولايفيتش نفسه ذو «استخدام مزدوج» أيضًا.

…في زمن ما كان عدد الفنانين في قسم الجماليات التقنية بمصنع «بوليميرديتال» نحو 30. كانوا يخطفون العمل من أيدي بعضهم، ولا سيما أنهم كانوا يتقاضون أجور تزيين القصر بموجب تكليفات منفصلة. فلم يبق لفلاديمير نيكولايفيتش إلا رسم ملصقات الفعاليات الجارية، وخط تهاني العاملين في الثقافة بحروف جميلة في الأعياد واليوبيلات. وهكذا خصص، مع استثناءات قليلة، 40 عامًا من وقت العمل لرسم لوحاته الخاصة. كان يرسم كل يوم دراسة واحدة على الأقل! وإبداعه في مجمله يحتمل آراء متباينة… فقد كان قادرًا على تحويل ظهيرة في ضواحي موسكو، متلألئة ببياض الثلج، إلى ليلة أوكرانية بديعة. وكان يستخدم تقنية كثيفة سميكة تسمى الإمباستو، ولا يبخل بالألوان أبدًا. تذكّر لوحاته أحيانًا بسطح المريخ، وأحيانًا بأمواج محيطات بنفسجية على كواكب أخرى. أو ينقض انفجار كوني من زهور الليلك على المشاهد الذي اقترب من اللوحة!

قضى فلاديمير نيكولايفيتش طفولته في بلدة عمال مناجم بمنطقة دونباس. أي أحلام حملته في أسفار خيالية، وأي أصداء لمناظر غريبة ترددت في زوايا الروح الخفية، وتجاوبت بأغنية رحبة؟ إذا كان يرسم نحو 300 لوحة في السنة، وكان متوسط مساحة الواحدة مترًا مربعًا، فهذا في 40 عامًا يبلغ 12 ألف متر مربع من الرسم! وكل ذلك، ومعه الأطر والقماش ومخزون الألوان، يحتاج إلى مكان يُحفظ فيه. فاحتل فلاديمير نيكولايفيتش ملجأ القنابل كله. يكاد يستحيل دخوله. فكيف بنجاة أي أحد فيه!

كان الفنان المتحمس أول من يأتي إلى العمل؛ وفي استراحة الغداء كان يخرج نحو أربع ساعات إلى النواحي المجاورة، بحقيبة ظهر خبرت الأيام وحامل رسم. فُرَشه وألوانه هي عُدد صيده وطُعمه. وإذا به يحمل مربعًا طازجًا من الغابة والهواء والزرقة والثلج. أو مرجًا مزهرًا، أو تموج الماء. لقد اصطاد هذا اليوم، وثبته. وفي المرسم ينصب دراسة أخرى من اليوم السابق، أو لوحة يعمل عليها، وينام بسلام وهو جالس على كرسي. كبير الجثة، ثقيل. ثم يستيقظ فجأة، وينظر بحدة… يمسك سكين الرسم والفرشاة! يصلح شيئًا، ويضيف، ويغير صورة العالم. ثم يغوص مجددًا في أحلام متعددة الألوان.

كان يذهب في إجازة لنحو شهرين. ويسافر مع زوجته عبر الحلقة الذهبية، وعلى أنهار روسيا في سفن الرحلات السياحية. وفي السنوات القليلة الأخيرة كانا يذهبان إلى البحر الأسود، إلى مخيم سياحي في منطقة لوو، قرب سوتشي. وله عن ذلك أيضًا «يوميات الطبيعة»، مرسومة يومًا بعد يوم.

حين دخلت المرسم أول مرة، غمرني النور وسحقني الظلام… كأنني صرت في قاع شعب بري من شعاب التايغا! تعالت مصاطب صخرية من اللوحات والتخطيطات، وتكدست أشياء وأغراض لا يكاد يصدقها عقل. أوراق نباتات لامعة في كل مكان، كأنها تصنع «تاج الغابة»؛ وكل شيء ملتف بأغصان مرنة، وحولك أوراق مزخرفة وحزم زهور يابسة وتكوينات من جذور أشجار عجيبة؛ ولا يمكن التنقل في هذه الأدغال إلا عبر دروب ضيقة.

استمرت المواجهة مع وزارة الطوارئ إلى ما لا نهاية؛ فقد كانت تحاول، بتعليماتها المهددة، طرده من ملجأ القنابل. لكن فلاديمير نيكولايفيتش كان يتعامل مع كل شيء بهدوء. ولم يكن مع ذلك متعصبًا عنيدًا منعزلًا… كان يشارك في حياة الفنانين المحليين، وكثيرًا ما دُعي إلى المعارض، وكان عضوًا في لجان تحكيم المسابقات ولجان منح الجوائز لمواهب ضواحي موسكو. وكانت لوحاته تباع من حين إلى آخر، فيشتري بثمنها الألوان. يغلّف بعض اللوحات ويجرّها إلى ملجأ القنابل، ويصعد بأخرى إلى السطح، ويحملها إلى مكان ما، ثم يعود بها. وكان تعاقب المناظر في المرسم بلا انقطاع — تارة تلفحها زمهرير الشتاء، وتارة يغمرها إزهار جامح، وتارة يتخللها ذبول الخريف — يدل على دورة اللوحات المولّدة للحياة في الطبيعة.

كانت مارينا تزورني أحيانًا في القصر، في المرسم. وكنا نناقش لوحات زميلي، ولا سيما «مرحلة البحر الأسود». كان يبدو لنا أن كل شيء فيها أكثر مما ينبغي. قرص أصفر زيتي يسبح في بحر بلون الشمندر، وجبال كثيفة الخضرة مقطعة إلى شرائح، ونتوءات صخرية ذات عروق وردية تشبه شحم الخنزير.

وحين جرى بيننا الحديث عن إجازة الصيف، تمنينا، بمنتهى العفوية، أن نكون هناك بالذات… على تلك الشواطئ، تحت تلك الشمس، وسط تلك الخضرة. سألت فلاديمير نيكولايفيتش، فابتسم لذكرياته: «في المخيم السياحي قرب لوو ستكونان في أمان وراحة، كأنكما في كنف المسيح. سأعطيكما رقم هاتف من تتصلان به».

وكأننا تجاوزنا، على نحو خيالي، ضجة الاستعداد والمحطات والقطارات، وغصنا في لوحاته. كان كل شيء مألوفًا لنا، نتعرف إلى كل شيء. وجدنا أنفسنا في أعماق شعاب تفوح فيها رائحة الولادة والموت، حريفة مثيرة. الهواء كثيف بالأبخرة، وكل شيء مشبع بأصداء المطاردة والحشرجات والأنين الغاضب وعذاب الحب وكفاح كائنات مجهولة من أجل الحياة. كانت تيارات الأرض تسري في الجذور، التي تنكشف أحيانًا فتشبه قوائم هائلة تخطو بها الأشجار العمالقة فوق بساط سميك من الأوراق المتساقطة والأعشاب الكثيفة المتشابكة والشجيرات الشائكة.

كنا نبحث عن شلال في الشعاب المؤدية إلى أعالي أنهار ديتلياجكا وبيراندا وبوو. لكن الذكريات كلها تختفي في هذا المثلث… لم يكن أحد من سكان ديتلياجكا العليا أو بيراندا العليا أو بوو العليا، ممن ألححنا عليهم بالسؤال، قد رأى الشلال بعينيه.

«نعم، أخي ذهب إليه وهو صبي، على ما أظن»، كانوا يقولون لنا.

أو: «آه، كان جدي يحكي عنه، يا له من جمال!»

وأحيانًا: «لا، لن تتمكنا من الوصول إلى هناك، فقد غطى النبات كل شيء».

ذات مرة صادفنا جدًّا مع حفيدته يجمعان العليق. أشار زعيم الهنود قليل الكلام إلى أعلى السفح. لكن إلى أين نمضي؟ فهناك أدغال لا منفذ فيها! ومع ذلك، وجدنا فعلًا شقًّا في الغابة غطاه النبات بشدة. صعدنا إلى الحيد، وسرنا عليه ملتفّين حول الحوض الجبلي، ثم أخذنا نهبط السفح… كنا نغوص أعمق فأعمق في صميم أزمنة مجهولة. انتصبت الأرض الصلبة على قائمتيها الخلفيتين، ومالت الجذوع، وانسابت ألسنة السرخس اللامعة كحمم لم تبرد بعد. اقترب السفح المقابل، وضاقت فسحة السماء، والتحمت تيجان الأشجار. ودوار غريب، كأننا نُسحب إلى فوهة «مفرمة الزمن». كانت أوتار الثواني تطقطق، وأغلفة الدقائق الكيتينية تتشقق، ودرع الأيام يُطحن، وتنزّ الأزمنة عصارة عام لم يتحقق بعد. كأن شيئًا منفصلًا عما يجري «حولنا» و«فوقنا» — ومنجذبًا إليه في الوقت نفسه بقوة مغناطيسية، ومضاعفًا بتنوع الألوان وتعدد الأصوات — كان يغذي جسد الأفعى الزاحفة من السفح ويكثفه بالأحداث، فيما تجرنا إلى حركتها. يصعب تنفس الهواء الساكن، هوة الأزمنة المضغوطة بإحكام، والعرق اللزج يغطي أجسادنا. كنا نقفز فوق الحجارة، ونتسلق الجذوع الساقطة أو نزحف تحتها. كثير منها مكسور، أو حتى مبتور بقطع متشظٍّ، ومتفحم بضربة برق. والعواصف التي مرت راكمت الحطام. أنياب صخرية ذات عروق وردية وبنفسجية، وعلى الجباه الشديدة الانحدار للحجارة التي تسد الطريق التصق الطحلب كثيفًا، تارة بقعًا خضراء شديدة القتامة، وتارة محمرة، وتارة فيروزية. بدا سطح الجلاميد المريخي أسود مساميًّا، شبيهًا بالإسفلت، لكنه كان يلين ويرتد تحت القدم وينضح رطوبة. طنين حشرات، وحفيف وتنهدات، وارتجاف أوراق من نسمة مرت ثم سكنت… تموجات فضية فوق الجنادل، و«نوافذ» مائية — حفر وأحواض محاطة بـ«أضلاع» من الغرانيت — احتوت في انعكاساتها عالم الشِّعب. (يقول الدليل الجيولوجي إن رواسب الفليش ذي المنشأ القاري — وهي طبقات متراكبة من الحجر الرملي والحجر الطيني المتصلب، تتكون منها معظم صخور هذه النواحي — تشكلت في العصر الباليوجيني، الذي انتهى قبل 30 مليون سنة. لو «نشرنا» الشِّعب ذهنيًّا، أفيمكن أن نرى حلقاته السنوية… 30 مليون حلقة سنوية؟)

وفجأة وجدنا أنفسنا فوق الشلال مباشرة!

كانت جداول ذات لمعات صقيلة، كأنها شرائط فيلم أسود فضي حفظ التاريخ القديم لهذه الأماكن، تنفك من بكراتها وتسرّع جريانها. يندفع السيل من الحافة، ويتكسر على الدرجات الصخرية، وينهال شلالات متعاقبة. وفي الأسفل يغلي تحت المياه المنهمرة حوض نحته ارتطامها، مكوّنًا بحيرة صغيرة. وإذا تذكرنا «أساطير» شعوب ديتلياجكا العليا وبيراندا العليا وبوو العليا، أمكن تخيل البحيرة عين تنين التفّ حلقاتٍ من الردم الحجري والصخور المكشوفة. يحرس أعماق الشِّعب، ويلتهم ذاكرة من ينظر في عينه، التي ينكسر فوقها حجاب قزحي من الرذاذ. كان يسحرنا غناء المياه المتعدد الأصوات، وقرع الجباه الحجرية الذي تتجادل به الجلاميد — منذ 30 مليون سنة، على الأرجح؟ — حول أيها تشكّل جيولوجيًّا قبل الآخر.

نعم، ما اكتشفناه بعيد، بالطبع، عن أعظم الشلالات التي أُعجبت بها، على صفحات «ناشيونال جيوغرافيك» مثلًا. (علق بذاكرتي عمل لأحد المصورين: انطلقت بعثة برعاية المجلة إلى جزيرة في نيوزيلندا، إلى بركان خامد ضائع في الأدغال؛ ينهال شلال من الهضبة إلى فوهته. ومن مروحية تحوم في مكانها أنزلوا المصور بكبل إلى الهاوية، فظل يتأرجح تحت السيول المنهالة تقريبًا. لكن يا لها من لقطات مذهلة!)

لكنه شلالنا نحن! ابتعدنا عن الحافة وأقمنا رقصات برية. كانت فرحة الاكتشاف تفيض بنا! نرشق بعضنا بالماء، ونلقي بأنفسنا في الأحواض الحجرية، ونغوص حتى تغيب رؤوسنا. نعترف بحبنا للصخور والوديان والممرات الجبلية والأنهار الجامحة وأحواض ارتطام المياه. ونصيح حتى تسمعنا الغابة كلها، ونقسم ألا ننسى أبدًا الرسالة المقدسة لخدام عبادة أبولو الأوفياء! جدة الأمكنة وبهجة التوفيق! والتطلع الذي لا ينضب إلى بلوغ الأقاصي، واجتذاب شواطئ نائية بسكان مجهولين إلى مدار العالم الهيليني!!

انغمست مارينا في «ملاحظاتها الشعرية»، تصف وجوه الطبيعة المهيبة والجميلة التي رأيناها. وعدت أنا إلى الحافة، والكاميرا في جراب مثبت على حزامي. من الأعلى انكشف منظر حوض عميق… تتمايل قمم الحور والدردار والبلوط؛ وعند أقدام شيوخ الغابة يزبد موج النبات التحتي، وتتعتّم كتل شجيرات البقس. لعل هوة الأزمنة هذه كلها (حسنًا، ليست 30 مليون سنة، بل مليوني سنة أو ثلاثة فقط، إذا حسبنا من بداية العصر الرباعي الحالي)… أُلقيت هنا… أُودعت للحفظ؟

كان سفح حجري شديد الانحدار يصعد إلى اليسار وينتهي عند جبهة صخرية. وفوقها ترتجف تيجان دردارة متشعبة على هيئة قيثارة، فشدت انتباهي. لم يكن ممكنًا من الأسفل رؤية كيف تشبثت جذورها. بدا الجذع المنحني على هيئة الحرف «S» مرتفعًا بلا سند، من تلقاء نفسه. ومن موضع التشعب ترتفع «ذراعان» مرقشتان كأنهما في لباس تمويه. نعم، شجرة أبية. ازدرت الوجود «النباتي» وسط حشد من أمثالها، وانطلقت إلى الفضاء الطلق. معرّضة لكل الرياح والأمطار المنهمرة والصواعق. لكن هذا ما يجعلها بارزة! قررت أنني أستطيع تسلق الجبهة الصخرية، والاندفاع لأجد نفسي في موضع التشعب. ومن هناك سألتقط صورًا فريدة… وأين مني مصور «ناشيونال جيوغرافيك» الشهير! (كان مجده يؤرقني في قرارة نفسي.)

لكنني لم أتمكن من صعود السفح إلى قمة الجبهة الصخرية. فقد تشابكت شجيرات العليق وسياط العنب البري الشائكة في جدار مرن لا يُخترق، يرد المرء إلى الوراء! ومن منتصف الجبهة، وأنا أتنقل بين النتوءات، وجدت نفسي أخيرًا قبالة الشجرة، لكن أسفل موضع التشعب. أسندت قدمي إلى الجذع، أحاول هزه واختبار متانته. ثابت بما يكفي. خطوت خطوة واسعة إلى القوس الصاعد من الجذع… وها أنا في الأعالي. اهتزت الشجرة، بل هبطت قليلًا. تساقطت كتل تراب من جذورها، وانهمرت قشور من فوق، ودارت وريقات في الهواء. كنت أتصبب عرقًا، وقلبي يخفق بسرعة. كما أن الخوف كان يقلب معدتي. لو أهوي من هنا… فستكون سقطة هائلة، على الأرجح… لكن لا داعي للتفكير في ذلك.

اللقطات الرائعة تضيع! عليّ أن أصعد إلى موضع التشعب، فهو فوقي مباشرة. من هناك الرؤية أفضل، ويمكن الاستناد إلى الجذعين، وإلا فكيف أصور؟

رفعت يديّ أتحسس ما يمكن التشبث به هناك، في تجويف التشعب. الجذعان عريضان، لا تحيط بهما الذراعان. تقع يدي على جذيرات متعفنة، والطحلب ينقلع تحتها، وسيقان العشب لا تؤتمن. ارتكزت بقدمي اليمنى، بحافة الحذاء الرياضي، على نتوء في اللحاء. قذفت جسدي إلى الأعلى، وباعدت مرفقيّ، وانقلبت على بطني. ثم اعتدلت بصعوبة. فصلني عن الجبهة الصخرية — عن القارة، عن البر الكبير — متر ونصف من الفراغ. كيف أجتازه حين يحين الرجوع… أقفز إلى تلك الصخرة المائلة؟ حسنًا، ما دمت قد صعدت إلى هنا فسأعود بطريقة ما.

من دون حركات زائدة، أخرجت الكاميرا من جرابها وهيأتها. كنت أقلب في رأسي تكوينات رائعة. الآن أصور هكذا، وهكذا، وبهذه الطريقة أيضًا!

لكن ما هذا؟! رأيت أمامي، على جلد الجذع الرمادي، ما أذهلني.

كانت كلمات لا تُنسى.

حُفرت عميقًا، بوضوح بالغ، في اللحاء بيد لم ترتجف. لم يستطع الزمن ولا قوة الالتئام أن يمحوا الكلمات، أو يسحبوها إلى لحم الشجرة، أو يجعلوها باهتة بلا معنى. لم يكن قرار من خطها وليد لحظته. استُخدم إزميل من فولاذ جيد مخصص للأدوات، مشحوذ كما ينبغي. وفي تكوين الكتابة ورسم الحروف أسلوب احترافي واضح.

دانيلا، أحبك. كاتيا.

هذا ما قرأته على ارتفاع يصيب بالدوار، على جذع يرتجف وينتزع نفسه ببطء من موطنه الحجري، وينزلق تدريجيًّا إلى الهاوية.

يا للعجب… إلى أي حد بلغ الحال بكاتيا؟ لا يكفي أن تكون ذات طبيعة رومانسية؛ لا بد أيضًا من قدرة على الاهتداء في المكان، ومن حد أدنى من التدريب على تسلق الصخور، ودقة مؤدي المشاهد الخطرة في تنفيذ الحركات، ومهارات لاعب الأكروبات الهوائية في السيرك. ومن إعداد الأداة سلفًا، والتفكير في تكوين الكتابة.

لكن من سيرى هذه الكتابة هنا؟ وإلى من تتوجه؟!

وإن كانت هذه الكلمات آخر ما كتبته قبل أن… نظرت إلى الأسفل بحذر. هل أصابني الدوار؟ كنت أحس بحركة ما. أفعى الشِّعب تكشر عن أنيابها المكسوة بالطحلب، وتعقد حلقاتها المرقشة بدرجات الأخضر، وتطوق المكان، وتضغطه بذيل من الردم وأشجار حطمتها العواصف وأكوام الحجارة. تحجب عينها البحيرة بهالة قزحية، ثم تعمي الأبصار بلمعان الماء حين تحمل الدوامات الرذاذ جانبًا.

لكن ما شأني بكاتيا ودانيلا؟ هذه، عمومًا، مسألتهما الخاصة.

فليسر كل منهما في دروبه وطرقه. جميل أن يكون مصيراهما قد التقيا، وأن تنتظرهما أعوام طويلة يقضيانها معًا.

بقيت لي لحظات أقتنص فيها بالكاميرا الشِّعب القديم، وتلونات المياه والأزمنة المتلاطمة. أليست أكوام الكتل الرمادية الشبيهة بقطع الدومينو، التي رماها عمالقة كيفما اتفق بعد انتهاء اللعب، والأذرع الأغصان الخضراء، وأجساد النباتات اللدنة، والجذوع التي تحمل الشفرة السرية للحياة على الأرض… والصخور والوديان والممرات الجبلية والأنهار الجامحة… أليست كلها، منذ ولادتي، مسقطة عليّ وموجهة إليّ، كجمهرة من السراب العابر، من معابد جبلية وقلاع غابية؟ لماذا أحب الدروب التي تقود إلى تشكيل شطرنجي جامد من قطع غريبة مصفوفة على مربعات الفصول، الخضراء الداكنة والمغرة الذهبية والبيضاء الثلجية؟ ولماذا يكاد قلبي يندفع من صدري ويطير فوق سلاسل الجبال كلها، حين أتسلق قمة بآخر ما بقي من قوتي، وأتذكر الجلال الرهيب للأمواج المتحجرة التي كانت ترتفع يومًا في الأحلام؟! أي تشابك عجيب من الطرق والدروب التي سلكتها قادني إلى قصر «إمبولس»؟ تعرفت إلى فلاديمير نيكولايفيتش، وإلى العالم في روحه، بما فيه من

فسحات ضواحي موسكو المتألقة بالثلوج،

والليل الأوكراني البديع،

والمناظر المريخية،

وأمواج محيطات الكواكب الأخرى،

وجموح الليلك الكوني،

كل ذلك سكبه على لوحاته بسخاء، غير ضنين بالألوان.

وعند أي معابر حياتية هائجة التقينا، مارينا وأنا؟ لكن لا، فما كان لنا ألا نلتقي… قبل لقائنا بسنوات، وعلى بعد بضعة آلاف من الكيلومترات التي فصلت بيننا، صادف أن طُبع كتابي الأول في مطبعة مدينة مارينا الأم، دزيرجينسك (في مقاطعة نيجني نوفغورود). كانت مارينا تعمل في مكتبة، وتمر في اليوم مرات كثيرة مسرعة أمام رف ضم، بين الإصدارات الجديدة، مؤلَّفي أيضًا… بعنوان سخيف متكلف، يجدر القول. «لا بد أن يكون المرء أحمق وأبله من الطراز الأول حتى يضع لكتاب عنوانًا كهذا»، هكذا كانت تفكر من ستصبح حبيبتي. وطبعًا لم تقرأه، ولم تمسك به قط حتى.

والآن تجلس قرب السيول المنطلقة، تكتب الشعر. ولا تلاحظ شيئًا مما حولها… وهنا أصوات الشِّعب، ودوي المياه الساقطة، وقرع الجباه الحجرية. لا يمكن إيصال صوتي إليها، ولا استشارتها. (ولا طلب نجدتها إن حدث شيء.)

كيف أصوغ «مذكرة جوابية»، وأقدم ردنا على كاتيا ودانيلا؟

ماذا أنقش ليبقى… حسنًا، ليس لقرون؟ فليبق أعوامًا. (ها هو التكلف من جديد، لا أستطيع التخلص منه.) معي سكين بعثات ممتاز مزود بمجموعة أدوات. ينبغي أن أنقل شيئًا بسيطًا يفهمه من يأتون بعدنا.

مارينا، أحبك.

لكنني لا أستطيع العيش من دون بايكال أيضًا! نعم، إن ذكرت أنني أحب أعظم بحيرة مياه عذبة على الكوكب، فسيكون ذلك رصينًا، وجادًّا نوعًا ما، وعميقَ التأمّل.

لكن لماذا أحب بايكال؟ إنه هو الذي يحبني في الحقيقة! ما جدوى جماله، وأمواجه التي تتلألأ بآيات سرية، حين تشتعل المغارب كأنها رؤيا انسكبت أرجوانًا نازفًا من الأفلاك العليا؟ هذا ما يجب أن أراه أنا! وأن أشعر بضآلتي، وأن أذهل أمام السخاء الذي نثرته يد رحيمة، وأن أقف في مستوى الأمواج المتراكمة والسلاسل الجبلية العملاقة والمغارب التي تملأ نصف السماء. أحمل هذه الهبات وأحاول، قدر الإمكان، أن أنقلها إلى المستقبل.

لكن كم في هذا من خطابية وطنطنة!

ها أنا معلق على شجرة قد تنخلع في أي لحظة. إذن، السكين! أخرجت النصل، وحددت موضع الكتابة، وقدرت ارتفاع الحروف… انغرس الرأس في اللحاء.

فقوة مرنة ردّت يدي إلى الوراء!

انهمرت من الأعلى فتاتات الشجرة، ودار في الهواء غبار ما. وفاحت من زيت الكتان المستخدم في الرسم رائحة حقول الظهيرة، ومن التربنتين نفحة الصنوبر القوية، ومن الورنيش عطر السرو. ارتج التوازن الهش لما حولي فجأة… كانت تلك تنحنحة!

العملاق المستيقظ يجرب صوته. آه، إنه فلاديمير نيكولايفيتش في مرسمنا!

— إيه… من يتململ هناك؟ لماذا تفسد لوحاتي؟!

— آآآه! — صرخت بأعلى صوتي. — فلاديمير نيكولايفيتش! هذا أنا، فنانك. لدي مشكلات كبيرة، ساعدني!

— لا أريد سماع شيء عن أي مشكلات، — جاء التذمر العابس من الأعلى. — كم علّمتك! ألا تستطيع القول، مثلًا… كذا وكذا، لقد سنحت لك فرصة لإظهار أفضل خصالك؟

وعليّ أن أنحني وأتأدب أيضًا! لكن لا بد من إرضاء الأستاذ: — فلاديمير نيكولايفيتش، لقد سنحت لنا، أنا وأنت، فرصة ممتازة لإظهار أفضل خصالنا نحن. أنا عالق في إحدى لوحاتك من «مرحلة البحر الأسود». هنا شجرة تنزلق، وستسقط الآن في الشلال!

— ولماذا تسلقت إلى هناك؟ من طلب منك؟! وفوق ذلك تطعن شيئًا بسكينك.

كنا نتبادل الكلام كأننا داخل «أنبوب». (ويُسمّى الهاتف المحمول أيضًا «أنبوبًا»، لكن هذا لا علاقة له بحديثنا. أما الخلفية الثقافية لهذا فيمكن ردّها إلى ما يدعى «كوميونيكيشن تيوب» — الصورة التي استخدمها سولوفييوف في «آسا».)

— لكنك أنت من أرسلنا إلى المخيم السياحي. قلت إننا سنكون هنا كأننا في كنف المسيح!

— همم، حسنًا… وأي لوحة هي؟

— شِعب وحجارة وبحيرة صغيرة في الأسفل. لا، كل شيء جميل بالطبع. والتكوين مضبوط، والمعالجة اللونية غنية. فيها أجواء، وقد نُقل مزاج الفنان. والارتفاع هنا، بالمناسبة، لا يستهان به. لن أصمد طويلًا!

— لكن عليّ العثور عليها واختيار الألوان المناسبة. ابق مكانك ولا تتحرك. وإياك أن تعبث بالسكين، ستشق القماش!

أبقيت مكاني أم لم أبق، فالمناظر الجميلة تضيع! ضبطت الكاميرا بحذر، وشغلت الوضع التلقائي، وأخذت أصور دفعات. أقتنص اللحظات الهاربة، وأنا على قمة السعادة… أم الأصح على شجرتها؟ أرتجف من الرعب. وأسارع إلى تشرب الإحساس باللحظة الراهنة حتى آخر قطرة، والإحساس الهش بالجمال.

لكن الغائية حلّت، وحلّت قوة الاتحاد التي تضم الأجزاء الآخذة في التبعثر. فاكتسبت معنى، وتوجهًا داخليًّا، ويقينًا. أمسك الفنان الفرشاة ولوحة الألوان وسكين الرسم. وكف العالم عن الانزلاق إلى الهاوية، نحو الجنون. أيمكنني أن أخطو فوق تموجات زيت الكتان التصويرية، ونفحة الصنوبر في التربنتين، وعطر ورنيش السرو؟ وأن أبلغ البر الكبير، القارة؟ هذا ما كان. شكرًا لفلاديمير نيكولايفيتش، فقد أدى رسالة الفنان. ثم استسلم من جديد، كما كان يفعل دائمًا، لأحلامه المتعددة الألوان، وغفا بسلام.

جلست مارينا على جذع ساقط، وانحنت على «يومياتها الشعرية» — تمامًا مثل أرسينييف، مستكشف إقليم بريموريه. أين يتجول ديرسو أوزالا الخاص بها، وماذا حل به؟ (هذا المشهد، انغماسها التام في الكتابة — وأرسينييف لم يكن ينقطع عن تدوين يومياته مهما كانت الظروف — ذكّرني بملحمة أوكينو كوروساوا السينمائية «ديرسو أوزالا»، عام 1985.)

— أين كنت؟ — كانت تعود من «بعيدها الشعري». — بدأت أفكر في البحث عنك.

يا له من لطف. وأنا كنت أتحدث إلى الأصوات التي تربطنا في الكون.

— كنت أصور كل شيء هناك. التقطت لقطات رائعة!

— كنت قلقة. اختفيت في مكان ما.

— نعم، لقد ابتكرت عنوانًا ممتازًا لروايتي الجديدة.

— آه، طبعًا! لقد ابتكرت مرة… عنوانًا لكتابك الأول…

وماذا في ذلك؟ فذلك العنوان هو الذي جذبنا وربطنا في الكون.

— حسنًا، ابتكرت… «الملابس الداخلية للأبطال». ما رأيك؟

— مذهل! سيندفع جمهور القراء كله لشراء مؤلَّفك!

— وماذا تظنين؟ هل تعرفين أصلًا ماذا يفعل رواد الفضاء — وهم أبطال في جوهر الأمر — بملابسهم الداخلية المتسخة؟! أيغسلونها هناك، في انعدام الوزن؟ في المحطة الفضائية، حين يمكثون في رحلاتهم نصف سنة، بل سنة أحيانًا؟! لا! يلقون بها فوق فسحات المحيط الأطلسي.

— لم أفكر في هذا قط.

— أرأيت! ولنفترض مثلًا أن قلبين شابين رومانسيين… كاتيا ودانيلا مثلًا، يبحران على متن سفينة ركاب عابرة للأطلسي…

— ومن هما كاتيا ودانيلا؟

— لا يهم، أنت لا تعرفينهما. يبحران ويريان نجمًا يخط خطًّا خاطفًا في السماء. فيتمنيان أمنية. يؤمنان بأن أكثر أحلامهما استبعادًا ستتحقق في حياتهما. أما هذا النجم المشتعل، فهو في الحقيقة حاوية ملابس داخلية متسخة. تحترق في طبقات الغلاف الجوي الكثيفة، ولا يبقى منها إلا أثر مبهر يتلألأ ثم يخبو. أفهمت الآن؟

— …؟

— حسنًا. عندي عنوان آخر إذن.

— _؟!

— «أحذية بانديراس». كيف ترينه، أيصلح؟

* * *

«أنت غريب نوعًا ما. لست مثل الجميع»، قالت لي معلمة الأدب على قمة تل في منطقة موغويتا. تحت قبة سماوات بورياتيا، الشاسعة المرتجفة التي تشفّ عن فيروز، والمحمّاة بالشمس، كان الرأس يدور. تهب الريح على دفعات، فتبعثر أعراف عشب الريش الصاعدة من الوادي — الممتد في سراب القيظ، في ضباب غبار بني — وحين تخمد الهبة يستمر الاضطراب، حفيف الأعشاب وصرير الجنادب، كأن موجة منسحبة تمضي مسرعة. أو يخيل إليّ أن هذا الحفيف واللمعان صادران عن الدوران الذي لا يلين لأفعى شفافة تبث حرارة حراشفها الزجاجية، وتلف حلقات بنية من شريط مغناطيسي، تنزلق فيه تارة انعكاسات ركبتَي المعلمة، اللتين ضمهما كتاب مغلق على نحو غامض — كما لدى فارلي الشابة في «فيي»، حين يرى خوما للمرة الأولى ابنة السيد ملقاة في العشب بدل الساحرة المرعبة — وتارة بقع الحمرة على وجنتيها، وتارة شرارات ماكرة تلمع من تحت أهدابها. وبحركات بطيئة تردد أنفاس السهوب — الريح المقبلة والصمت المنساب — كانت تغلق زر قميصها ذي المربعات عند صدرها، وتصلح تنورتها، وتزيح خصلات شعرها المنثور.

…في ذلك اليوم من يونيو كنا ممددين على التل. نحن، أي فصيلتنا الصغيرة، المؤلفة من تلاميذ شُعب الصف التاسع المختلفة. من هنا، من القمة المشرفة، كان يسهل علينا متابعة المعركة الواسعة الدائرة في الوادي. هناك كان يجري سباق التتابع العسكري الرياضي «فرخ النسر». تتنافس فرق مدارس مدينتنا أولان أودي — وفريق مدرستنا بالطبع. وكان يشرف على كل شيء عسكريون حقيقيون من الوحدات الراعية للمدارس. يجمع الفتيان بندقية كلاشنيكوف ويفككونها، ويطلقون النار ببنادق العيار الصغير، ويرمون القنابل اليدوية، ويجتازون مسار الحواجز، ويركضون في الأرض الوعرة بأردية عجيبة مبطنة بالقطن (مثل البسماتشي في «شمس الصحراء البيضاء»)، هاربين من كلاب الرعي التابعة لحرس الحدود والمدربة تدريبًا جيدًا.

وفي العلاء كانت طائرة النادي الجوي ثنائية السطح تدور بأزيزها، وترسم في كراسات الخط السماوية شرطات مائلة من المظليين. وسرعان ما يفتحون فوقهم أنصاف كرات كالهندباء، ويحملهم الهواء خلف صف بعيد من التلال، حيث خُيّلت جنة للمظليين، وحقول لينة كالزغب تلطف هبوط المغامرين الجويين. ومن بعيد تصل ترجيعات أغنية تبثها شاحنة عسكرية، وطقطقة «بذور» البنادق، وصيحات «هووورّا!» مدوية حين تندفع الفرق صفًّا في وجه صف إلى القتال بالأيدي، ونباح كلاب فقدت صوابها. كنا نرهف السمع، خشية أن يفوتنا غناء بوق الإشارة. فقد تُرك عمدًا بواق في قلب الأحداث، ينقل إلينا رسائل مشفرة بعزف الموازير الأولى من ألحان البيتلز المعروفة. وكانت فصيلتنا تتناقص بالتدريج…

بين حين وآخر يهب أحد الفتيان أو الفتيات، ويركض هابطًا بأقصى سرعته ليحل محل من أنهكته مراحل السباق واستنفدت قواه. تغوص هيئة الراكض في الأعشاب المتنوعة حتى تختفي، كأن قمعًا فضيًّا ابتلعها، أو كأنها سُحبت إلى حلق البوق المنادي. (ينبغي القول إن في هذا «حيلة عسكرية» ابتكرها معلم التدريب العسكري لدينا. كان المشاركون الذين بذلوا كل طاقتهم في المنافسة يُستبدلون بعدائين ورماة بكامل نشاطهم من فصيلتنا، التي بقيت خفية حتى يحين وقتها، في الاحتياط.)

حتى بقينا وحدنا، أنا والمعلمة…

بقي إحساس تلك التلال التي سخنتها الشمس… وإحساس جسدها الحار المثير تحت الثياب الخفيفة؛ ورائحة جلدها ذات المرارة الخفيفة من رياح السهوب. فقد طرحتها تحتي — وهي تقاوم، وتستسلم رغمًا عنها، وتلتصق بي — لأنقذها من خطر مقبل (والأصح، خطر طائر). مباشرة نحونا، وسط دوران قبة كالعجلة ذات قطاعات فيروزية، ومع صفير مرعب وشتائم بذيئة، كان مظلي يسقط كملاك طُرد من السماء! كانت في نعلي حذائه المحززين تلمع قطع حديدية كأطراف الرماح الثلاثية، والأحزمة تتقاطع على جسمه، وعلى رأسه خوذة سوداء ذات نتوءات، وعلى عينيه نظارات «علب» تغطي نصف الوجه وتومض بانعكاسات قرمزية. كان الملاح الجوي يتخبط كدمية على حباله، محاولًا ضبط شيء ما… وأنا؟! في تلك اللحظة اندفعت عليها وغطيتها بجسدي. (لم أحتمل الانهيار المتعاظم من زئيره، والسباب الرهيب الذي يقذفه من أعماق أحشائه؛ ولم يكن يجوز، في رأيي، أن يصل ذلك إلى سمع معلمة الأدب الرقيق.)

لكن المظلي التعيس انجذب جانبًا إلى السفح، فارتطم به برفق وتدحرج، تجره زهرة المظلة الحريرية الهائلة المجعدة التي لم تستسلم بعد.

— …أنت غريب نوعًا ما، — قالت المعلمة. — يكفي أن نتذكر موضوع الإنشاء الذي كتبته! ماذا، أنسيته؟!

لا، لم أنسه بالطبع. كانت تقصد موضوع الإنشاء «الختامي»، الذي يحمل وسمًا مهمًّا هو «وزاري» (إذ زُعم أن لجنة «من الوزارة» تفحص مؤلفات التلاميذ). لكن لماذا نستعيد تحليق مخيلتي الإبداعية؟

— اضطررت إلى إعادة كتابته بدلًا منك. — تنهدت بعمق. — لقد عُرض عليكم موضوع حر. مثلًا، أي صفات نستطيع أن نقتبسها اليوم من أبطال الكومسومول، بالاستناد إلى الأعمال الأدبية؟

«يا له من موضوع حر! ولم يكن هناك غيره أصلًا»، قلت في نفسي.

— أما أنت فتتناول أغنية

«يا فرخ النسر، يا فرخ النسر، حلّق أعلى من الشمس»

من زاوية أصداء أحداث الكتاب المقدس المشفرة فيها. وتتخذ أساسًا لك عبارة غامضة حقًّا في النص: «يسارع إلى نجدتي فراخ النسور من الكومسومول، وتعود الحياة إليّ».

نعم، من كان يستطيع أن يعرف أن الحياة ستعود إليه بعد الموت، وأن يتنبأ بقيامته؟

والتل الذي «جرفت عنه قنبلة مدوية الجنود»، عندك،

هو الجلجثة،

و«صمت الفتيان المرحون إلى الأبد» —

هم الرسل الذين أنكروا،

و«طر إلى قرية القوزاق، وأخبر أمي» —

معناها أبلغ والدة الإله بأنني سأُصلب،

و«ساقوا الابن إلى الإعدام رميًا بالرصاص» —

هو ابن الإنسان يُساق إلى الجلجثة.

— طبعًا، — تابعت بحماس. — وفي كلمات «للسلطة النسرية ملايين من فراخ النسور، والبلاد تعتز بهم» تختبئ فكرة أن

للكنيسة أعدادًا هائلة من الأتباع،

ومن الأبطال المتفانين الذين تنمو بهم،

لكن أين نسري، الصاعد إلى الشمس — أليس هذا رمز الصعود؟

«النسر، — كتبت بأسلوب قصصي، — رمز الروح التي تبحث عن الله. يستند هذا التفسير إلى تصور مبكر مفاده أن النسر، بخلاف الطيور الأخرى، إذ يطير قرب الشمس ويغوص في الماء، يجدد ريشه دوريًّا ويستعيد شبابه».

— وتذكر أيضًا ذلك الموضع، — ابتسمت المعلمة، — الذي تضرب فيه مثالًا بالقنبلة المذكورة في النص، أي بالقذيفة المتفجرة طبعًا. لكنك تنتقل، على سبيل المجاز، إلى ثمرة شجرة الرمان، باعتبارها «رمزًا تقليديًّا للقيامة، يشير إلى المسيح بوصفه مخلّص العالم. ويُعد الرمان رمزًا للحياة. ووفقًا للأسطورة، أضاءت رمانة فلك نوح. موطن الرمان آسيا، وهو من أوائل الفواكه التي تناولها الإنسان. وثمة رأي بأن الذيل القائم على قمة الرمانة كان النموذج الأول للتاج الملكي.

— نعم، لكن… — قلت مندهشًا.

— وماذا ظننت؟ — سبقتني المعلمة. — اضطررت إلى إعادة كتابة «إنشائك» واستبداله بنموذج عادي تمامًا، من تلك التي يتضمنها المنهج. فأنت لا تتصور ما كان يمكن أن يحدث! — اتسعت عيناها اللتان تعكسان زرقة نورات آيا غانغا. — كانوا سيطردونك من الكومسومول بمكنسة قذرة! أي «كاتب» ظهر لنا، — أضافت بخبث. — لا تنس أننا في عام

ألف وتسعمئة وتسعة وسبعين،

والكومسومول في أوج قواه الجبارة! أما زمن جيل «غريب» و«عسير الهضم» مثلكم، يا تلاميذ التاسع، فلم يأت بعد. أنتم تقفون على عتبة اكتشافات تنتظركم، — ختمت معلمتي بشيء من النبرة الخطابية.

— وماذا تعرفين عن جيلي؟! — صحت بحرارة. — كيف تستطيعين الحكم عليه؟ حين مزق السكون في العالم، في 30 أكتوبر 1962، في الثالثة صباحًا بتوقيت واشنطن، صوت حديد يخدش قاع المرجل النووي الذي أوشك أن يغلي! حدث ذلك على عمق نحو 12 مترًا في البحر الكاريبي، على بعد 300 ميل شمال شرقي مضيق كايكوس. فقد خدش الهوائي الإطاري المرتفع فوق برج الغواصة السوفيتية «Б***» بطن مدمرة أمريكية، حين كانت الغواصة آخذة في الغوص. وخفقت مراوح الأمريكية فوقها، على مسافة لا تتجاوز بضعة أمتار حرفيًّا.

…كنت أعني الأحداث التي يمكن القول إنها سجلت ذروة الأزمة الكاريبية. وجدت «Б***» وثلاث غواصات سوفيتية أخرى، أُرسلت طليعةً إلى سواحل كوبا، نفسها داخل منطقة الحصار البحري الأمريكي البالغ نطاقها 500 ميل، الذي أعلنه الرئيس كينيدي «لوقف عملية نشر الصواريخ الباليستية في كوبا»، كما قال في خطابه إلى الأمة في 22 أكتوبر. وردّ خروتشوف بأن الأمريكيين إن أوقفوا سفينة سوفيتية واحدة وفتشوها، فسيُعد ذلك انتهاكًا للاتفاقات الدولية وعملًا عدوانيًّا. وفي تلك الحال، هدد الزعيم السوفيتي بأنه سيأمر رجال غواصاته بإغراق السفن الأمريكية.

حُشدت في تلك المنطقة تقريبًا مجموعة البحث والضرب الأطلسية كلها التابعة للبحرية الأمريكية. وعلى وجه الخصوص، كانت ثلاث مدمرات تدور فوق «Б***»، تحميها حاملة طائرات، تمر طائرة منها كل 15 دقيقة على ارتفاع منخفض فوق الغواصة، فضلًا عن مروحيات تجوب المكان، مجهزة بسونار يُغمر في البحر ويُجر فيه.

كان لواء الغواصات السوفيتية الأربع يعمل متفرقًا، من دون اتصال بينها. وبسبب السرية الفائقة للعملية، لم يجر عمليًّا تبادل لاسلكي مع هيئة الأركان الرئيسية للبحرية. وفي آخر مرة، يوم 24 أكتوبر، نقلت هيئة الأركان تحذيرًا نشره الأمريكيون (والتقطته استخباراتنا)، جاء فيه أن سفن الحاجز المضاد للغواصات التابعة للبحرية الأمريكية ستلقي شحنات أعماق إشارية لإجبار الغواصات السوفيتية على الصعود والتعريف بنفسها؛ وكان ينبغي الصعود باتجاه الشرق، تأكيدًا لفهم الإشارة.

كان على متن «Б***»، ضمن تسليحها، طوربيد برأس نووي ذي قدرة تكتيكية تبلغ 15 كيلوطنًّا. وهو ما يكفي تمامًا، عند انفجاره تحت الماء أو فوقه، لإبادة كل حي ضمن دائرة نصف قطرها 10 أميال. وقد أُلقيت على عاتق القائد المسؤولية الكاملة عن استخدام «العنصر القتالي الخاص» هذا.

مسؤولية بدء حرب عالمية.

— وُلدت في مارس 1963، — ختمت استطرادي التاريخي. — أي إنني، عند ذروة الأزمة الكاريبية في أكتوبر 1962، كنت جنينًا في شهره الخامس، أتخبط في مياه أمي السلوية — وهي في جوهرها واحدة مع مياه المحيط العالمي. كان يمكن لحكّ الهوائي المشؤوم لقاع المدمرة أن يكون آخر صدى في المجال الكوكبي لوجودي ذي الأشهر الخمسة. أما من الناحية الميتافيزيقية، فقد حفرت تلك الخدشة علامة لا تُنسى في مصير جيلي، الذي يستشعر المسؤولية عن مصائر العالم بإحساس تراجيدي خاص، كأنها شأنه الشخصي الذي دخل لحمه ودمه.

— آه! شفتاك على هيئة «قوس كيوبيد»… — قالت بخجل هادئ، تتنفس بعمق. — كم من النسوان سيذبن شوقًا إليهما!

— «سيستغني عرس الغجر عن المرصبان!» — صحت وأنا أركض بالفعل، كأنني اغترفت هذه العبارة — مجازًا — من الفضاءات التي كانت تسوقني إليها الريح الدافعة في ظهري، وحرفيًّا من كتاب الكاتب البيلاروسي الرائع فلاديمير كوروتكيفيتش «الصيد البري للملك ستاخ» (وقد صُنع عنه فيلم رائع هزّ مخيلتي). كان البوق يغني في البعيد… كدت أغفل عن إشارة انطلاقي إلى مدار «فرخ النسر»، وقد ذبت عاطفة بمشاعر في غير موضعها!

و«الصيد البري» للرياح، وأغنية عشب الريش القلقة، والغبار المثار فوقه — كل ذلك أدركني واخترقني كسهم بدوي أُطلق من بُعد مجهول، وملأ صدري، وأخذ قلبي ينبض بإيقاع المطاردة. طرت هابطًا من التل، وتدحرجت عن ربوة ثم أخرى، وشققت أجمة قصب، ثم أخذت أشق طريقي بين الشجيرات والنبات التحتي من الحور الرجراج. كان عليّ، وفق معالم محددة، أن أحافظ على اتجاه دقيق، لألتحق بخط سباق التتابع في المكان المناسب والوقت المناسب، وأحل محل عداء فريقنا في المرحلة الأخيرة الحاسمة.

لكن أذرع نهر صغير كأنها انفكت ضفيرتها أمامي… اندفعت أخوض مجرى، ثم آخر. كانت تطاردني فكرة يائسة بأنني ربما ضللت في مكان ما وفوّت المقطع الذي ينبغي أن أحل فيه محل رفيقي. لكن كل شيء التقى في لحظة واحدة! تعاظم الضجيج والطقطقة، كأن كائنات وحيدة القرن هائلة تشق الأدغال عن يميني ويساري. كنت أفهم ما يجري: فمعلمو التدريب العسكري في المدارس الأخرى، منافسونا، أخذوا بالتكتيك نفسه! خرج ثلاثة فتيان آخرون إلى الطريق الملتوي في غابة البتولا؛ فتلقف كل منا عداءه المتقدم الذي ظهر، وانتزعنا أرقام الصدور عنهم، وأخذنا عصي التتابع — وكانت قنابل تدريبية، نماذج للقنابل الحقيقية. صاح فتى فريقنا خلفي بمقدار تأخرنا. أنا وحدي أستطيع إنقاذ الموقف، وعليّ أن أتجاوز مدرسة كذا، وكذا، وكذا…

بذلت كل قوتي في الركض، وأخذت أجذب بإصرار، بخيط الطريق الرمادي، ظهور الراكضين أمامي: أتجاوز منافسًا بعد آخر! كان قلبي يضرب صدري… وطنين أذني من ذلك يتردد في العالم كله… لكن ماذا كنت أرى؟ اندمج كل شيء في أفعى تزحف بمحاذاتي من أوراق مرقشة وأشجار وشجيرات لا تنتهي. ثم اختفت الأصوات كلها، حتى القلب الذي كان يضرب في صدري كأنه صمت؛ وحل «انعدام وزن» غريب. ضاق الطريق إلى «أنبوب» لامع، تنزلق على جدرانه وجوه مشوهة تفتح أفواهها صامتة… خرجت راكضًا إلى فسحة واسعة ينتهي فيها سباق التتابع، وأمامي ينبض شريط النهاية الأحمر القاني.

انهال بحر ملتهب، وغمرني وأدارني. ضجيج وصيحات وأصوات — الصوت مفتوح على أقصى قوته! كان الرفاق يقذفونني في الهواء ويهزونني، لكن أصابعي متشنجة، حتى القنبلة المحززة لا يستطيعون انتزاعها. انحسرت لحظة مجدي وانتصاري، وحملت الموجة المنسحبة الجميع إلى بحر أحداث أخرى.

لوَتني قوة رهيبة حتى انطويت على نفسي، وقذفت بي على ركبتيّ. اتضح أنني كنت على مقربة شديدة من عربة إذاعة عسكرية نشرت مكبرات صوت عملاقة تدوي فيها أغنية ما. انقشعت الغشاوة تدريجيًا، وعاد الواقع المحيط بي. ومن سخرية القدر الخبيثة أن ألكسندر غرادسكي كان في تلك اللحظة يجهد حنجرته، ويصرخ بصوت غير بشري:

«لقد لعبنا الشوط الأول،

لكننا لم نفلح إلا في فهم أمر واحد…».

أي «شوط أول»؟ وما الذي «لعبناه بالفعل»؟ أنا شخصيًا لم أفلح بعد في أن أفهَم شيئًا.

كم كنا شبابًا، كم كنا شبابًا، كم كنا شبابًا!

كانت مكبرات الصوت تتشقق عند الوصلات، وتدحرج حجارة الكلمات التي لا طاقة لأحد بحملها.

هويت على ظهري. وتدحرجت جانبًا القنبلة التي خرطها مهرة مصنع الطائرات — بل يمكن القول إنهم صنعوها في نسخة «تذكارية» ما!

انقلبت سماء بورياتيا الفيروزية عليّ.

إنه لون إطار دراجة «فرخ النسر»!

…على تلك الآلة الموثوقة كنت أطوي الكيلومترات على طريق بارغوزين، وأجول في دروب الغابة، وأصعد المرتفعات الجبلية الوعرة، وأندفع هابطًا على سفوح سلسلة أولان بورغاسي التي جرّدتها التجوية حتى صارت فيها بقع صلعاء — وكان جسد ذلك التنين الحجري، المكسو بأدغال التايغا، يطوّق الوادي الذي تنام فيه أولان أودي مدينتي بهدوء تحت لحاف من زغب الحور. ومن شدة الاهتزاز كانت أسناني تنقر شفرة مورس، وتتشنج أصابعي على المقود. لكن «فرخ النسر» خاصتي كانت أيضًا نوعًا من «البرمائيات»: فعليها كنت أشق شرايين سيلينغا المائية التي تخترق جزيرة كومسومولسكي، رافعًا زعانف وذيولًا من الرذاذ تتلألأ كالزجاج، كأن سمكة خرافية أخذت تمرح في ذراع النهر الهادئ. كنت أدير الدواستين بكل قوتي… تخفي المياه المقود، وتبلغ صدري، وتغوص العجلتان في القاع الطيني. أقود الآلة وأدفعها تحت الماء، ثم أخرجها — كروم لامع، وأسلاك عجلات تتوهج بالشمس، وإطار فيروزي! — على وقع تصفيق متحمس من مصطافي البيوت الريفية وحفلات الشواء، الذين عجزوا بسيارات «جيغولي» و«موسكفيتش» عن اجتياز الحواجز المائية وبقوا على الضفة الأخرى. وبعد بلوغ الجزر البعيدة كنت أسبح حتى تصيبني القشعريرة، وأتشمس حتى أتوهج بلون توتي، كتوهج مصراع فرن ملتهب تقريبًا. وأشعل النيران متخيلًا نفسي محاربًا من الهنود الحمر — «تيكومسيه» أو «أوسيولا» أو «فينيتو» — بعدما أكثرت في طفولتي من مشاهدة الأفلام الشهيرة، من إنتاج استوديو DEFA في ألمانيا الديمقراطية، التي كان غويكو ميتيتش يؤدي فيها دور البطولة.

لا أعرف لماذا لم يأخذ مني أحد تلك القنبلة التي كانت «عصا التتابع» في سباقنا. أنسيها قادتنا، أم أخفيتها عمدًا وخبأتها عندي؟ أردت ببساطة أن تبقى للذكرى… فقد كانت تبدو تمامًا «كالحقيقية». ثم بقيت طويلًا في البيت الريفي، في السقيفة، على رف ما بين أغراض الحديقة والبيت الريفي المعتادة.

لكن هذا بالذات هو الذي أدى إلى عواقب مأساوية.

هناك أيضًا، في سقيفة البيت الريفي، تركت دراجتي الرائعة، «فرخ النسر»، لليلة واحدة كما ظننت. لكنني لم أتمكن من أخذها فورًا، فقد اختل شيء ما. وفي إحدى الليالي حاولوا اقتحام بيتنا — حاولوا تحطيم القفل بشتى الطرق، لكنهم لم يفلحوا. أما فتح السقيفة فلم يكن يتطلب أي جهد… وسُرقت الدراجة! كان حزني بلا حدود.

لكن انظروا إلى ما آلت إليه هذه الحكاية…

كان مدمن مخدرات محلي هو من أراد سرقة البيت الريفي، وهو من أخذ الدراجة. ولسبب ما أخذ من الرف قنبلة «التتابع». وانطلق على «فرخ النسر» خاصتي ليتفقد مزارع القنّب السرية التي يملكها في مكان ما من سهوب توغنوي، في منطقة موخورشيبير. لكن كمينًا للشرطة كان منصوبًا هناك. لا أحد يعلم من تخيل ذلك الفتى نفسه، وأي صور نشأت في دخان النسيان الذي كان، على ما يبدو، يملأ رأسه المنكوب. وحين أمره رجال الشرطة بالتوقف، انتزع القنبلة المقلدة… الشبيهة جدًا بالحقيقية. و

دوّت طلقة، والرصاصة تطير،

وصديقي في الأعشاب البرية راقد بلا حياة.

أعني صديقي ذا العجلتين. ضاع أثره في مكان ما وسط سهوب بورياتيا التي لا يحدها النظر. نقرت الغربان عواكسه الجميلة واقتلعتها، وصدئ إطاره الذي غسلته الأمطار، وسكنت أفعى في أنبوب عجلته المنفجر. في المنخفضات الهادئة، حيث تزحف بتمهل من السماء — إلى الأعشاب المحروقة — ثم تعود — أفعى شفافة، بحفيف وصرير غريبين (كأنها تقلّب تروس ساعات متناثرة عند الجذور، وآليات زمن بالغة الدقة)، وتلوي حلقات بنية في حرّ حراشفها الزجاجية.

* * *

في منتصف الصيف نسافر أنا ومارينا في سهل أوكا الفيضي المترامي، نرصد دلائل جنة كانت هنا ذات يوم، يطوّقها أوكا القديم، أوكا المحيط. لكن ها هو أغسطس يلقي طُعمه المعدني الذهبي… يطن خيط السكة الحديدية للخط العابر لسيبيريا، ويلتف على بكرة صنارة الرمي، ويجرني كسمكة غرايلينغ اصطيدت إلى أولان أودي، موطني. وللمرة التي لا أدري عددها أنطلق في رحلة منفردة إلى شواطئ بايكال بحثًا عن «أحجار الساعة» الغامضة. يفحص أبي وأصدقاؤه، الرحالة المخضرمون، عدتي، ويقدمون لي ما يشبه «وصايا للصياد الداخل إلى الغابة» — من تراث نيكولاي ريريخ، بعد إعادة تأويله بإبداع يراعي الظروف المحلية. أشرب معهم شاي وطني وذكريات الطفولة، حين كنت أضع قوائم بما يلزم للرحلة: «سكين، كبريت، مصباح يدوي، شاي، بقسماط»، وأرسم خرائط لأرض مجهولة. (تراكم فوضوي لبقع الألوان والخطوط المتعرجة — إنها المنخفضات المستنقعية، ونتوءات السلاسل الجبلية متعددة الأجساد، والأنهار الهادرة. كانت تطوّق بلادًا سحرية تعيش في مخيلتي، وكنت مصممًا على بلوغها.) آبائي القادة، أتباع الرحلات المنظمة، عرفوا على جلودهم أنه حتى في مسار مخطط بأدق التفاصيل وموزع على الساعات، تحتفظ عناصر بايكال القاسية بواحدة من نوبات pampero تلك، التي لا يبقى بعدها إلا شكر القوى العليا وفرق الإنقاذ إن أمكن الخروج من «الأراضي غير المأهولة» بلا حوادث. (Pampero تعني بالإسبانية «ريح من البامبا». وهي تسمية انفعالية شائعة بين الرحالة — في بورياتيا تحديدًا لسبب ما — لحالات الطبيعة المرعبة التي يستحيل معها مواصلة الرحلة، بل مواصلة الحياة أحيانًا.) ولهذا ينظرون بعين الشك إلى تجوالي حيثما اتفق بحثًا، على حد قولهم، عن «الرجال الخضر الصغار». قد يجرني ذلك إلى أبعد مما ينبغي!

لكن ما العمل معي؟ في رؤوس الرحالة بالفطرة نظام ملاحة خاص، كأنه مشهد من علو طائر… إنها ذاكرة الدروب الهوائية التي رُسمت خطوطها المنقطة منذ زمن سحيق فوق الفضاءات البدائية، التي كان أول من أتاها أولئك الذين ينحدر منهم جنس الرحالة. لذلك يقال «يعرف كيف يقرأ الخريطة» — أي إنه يملك مخيلة مكانية.

تنطلق الحافلة في السابعة صباحًا. وفي السادسة أقف على عتبة شقتنا، وحقيبتي محملة حتى ما فوق رأسي. يدفعني أبي في كتفي: «انطلق!» أقذف بنفسي كمظلي، وأطير فوق فضاءات بورياتيا. نعم، درست هذه الأماكن على خرائط الأقمار الصناعية، وقبلها على الخرائط الجغرافية العادية ومخططات الرحلات. لكن ثمة أصلًا أسطوريًا أول، ومعنى مضمرًا وراء المشهد المرئي… (كما تكتب مارينا في إحدى قصائدها، هكذا يتراءى عبر الماء في ضوء الشمس قاع ذهبي)… ولهذا أتعرف إلى انحدار التلال المحفوظ في الأعماق، وسراب الروابي الأخضر، ورصائع البحيرات الكهرمانية، وعروق الأنهار الملكيتية. تدوّمني الرياح، وأُلقى في ماء بايكال المغلي! تطقطق بكرة صنارتي، ويُشد الخيط، وترسم صواعق الغرايلينغ الفضية المنتزعة من الأعماق علامات خاطفة. أي شفرة لسعادة كانت ذات يوم بلا حدود قد رُمّزت فيها؟ من علامة إلى أخرى، ومن نار إلى أخرى، أي بلاد يبحث عنها الرحالة، وأي مدخل إلى الوادي السري؟ لماذا ما إن تشعل نارًا حتى تتوهج فجأة، بعد حين، في سواد الليل المحيط نقطة نارية بعيدة تتلألأ على الضفة الأخرى… لعل سلسلة الأنوار هذه متصلة حتى تلك النار التي أشعلها أول رحالة؟ لقد كان يعرف تلك البلاد التي تخرج فيها الأيائل المرهفة من الأدغال إلى ضفاف الأنهار، وتمتلئ البحيرات بالأسماك، ويتلاعب الذهب واللازورد بريش الطائر عريض الجناحين المحلق فوق صفحة المياه.

أما أنا فأمد خيط المسار نحو سفوح السلاسل، ونحو المساحات الواسعة المستوية للهضاب الجبلية. إن صحت الحسابات وسارت الأمور على ما يرام، فقد يحالفني الحظ وأجد «أحجار الساعة». في هذه المنشآت (من النمط الميغاليثي)، التي أقامها ضابطو زمن مجهولون، كانت الأحجار المنصوبة، في رأيي، مهيأة لتتلقى مسير الأزمنة المدمّر، وتضمن دقة الخطو الزمني وانسيابه، كما في آلية الساعة المألوفة اليوم، ساعة اليد مثلًا. واليوم تكاد «أحجار الساعة» تكون قد مُحيت، وحطمتها الرياح والتعرية، وغرقت في نوم لا إفاقة منه. تجذرت في الأرض، وتشابكت عليها الأعشاب، وسترها الشجر النامي تحت أشجار الغابة. ولا يمكن القول إن الأزمنة الحالية مستقرة.

أصور المكتشفات من المرتفعات المحيطة، أو متسلقًا أشجارًا عالية، أو بعد تشييد حامل ثلاثي عملاق من العصي الطويلة، بل باستخدام بالون هيليوم وكاميرا آلية أحيانًا. ثم أعالج المواد المجموعة طوال الشتاء، حتى بداية الموسم التالي. لا أفلح في الإحاطة بهذا الكم الهائل، وتنقصني المعارف، ويساعدني شباب نادي «غيوبويسك» في نوفوسيبيرسك الذين أتراسل معهم. في الأشكال الهندسية التي تصنعها أحجاري، وهي أشكال تقريبية بالطبع، يلوح شبه بعيد بالرموز الصينية. وهذه إحدى النظريات التي تقول إن الرموز «ريو»، «جيا»، «شين»، «يو»، «يون»، «جي»، «مو»، «فنغ»، «تيان»، «غو» — وهي التي استطعت فكها — ترتبط بتعابير وجوه وتسريحات شعر محددة لدى أكثر من ثمانية آلاف محارب من الجيش المسمى جيش التيراكوتا، في الحفريات قرب سوان.

تتطلب رحلاتنا وأبحاثي على السواء نفقات خيالية! أين أجد عملًا إضافيًا أؤديه عن بُعد وأتقاضى عليه أجرًا جيدًا؟

اضطررت في شتاء بدا بلا نهاية إلى تحرير روايات نسائية.

كان سيلها إلى دار النشر التي التحقت بها رفيقتنا في «الكأس الواحدة» و«قطعة الحلوى الواحدة» أيام معهد الأدب، لا ينضب. فما إن تخطر لسيدة من ميدفيجيغونسك أو ليسيينورسك أو بوبروفوزابرودينسك فكرة سعيدة بأن تخبر العالم بما عايشته من مشاعر، حتى يطير إليها ملاك السينما الهندية ويضيف ملعقة من «المخدر السحري» (أو «العقار المسحور») إلى «وصفتها الأصلية». وها هي «الرواية» جاهزة. فيها باحثة فقيرة باهتة (هذا في البداية، أما قرب المنتصف فتتحول إلى «مخلوقة شقراء رقيقة»)، أو طبيبة أو محققة، تجد نفسها «بمشيئة القدر»: أ) في موسكو؛ ب) في «بلدة صغيرة وديعة ضائعة في مكان ما على الساحل». وتقع لها أحداث لا تصدق، سببها «أشقر طويل عريض المنكبين بعينين زرقاوين» يسير «بخطى واثقة نحو بنتلي سوداء». (وإذا جرى تمثيل «نسخة الساحل»، سار ذلك الشخص «على شاطئ رملي في زبد الأمواج المخرّم»، مبتسمًا «لشيء ما»، وفي «عينيه الزرقاوين الكبيرتين تنعكس السماء».) وأحيانًا، صحيح، يهبط البطل الفاتن نفسه، صاحب «الذقن الحازمة ونظرة النسر»، كثلج مفاجئ على الرؤوس، في معهد أبحاث مغمور أو مستوصف نسيه الله أو قسم شرطة بائس في ناحية نائية. وعلى الفور «يتحرى عبر قاعدة البيانات» عن المسؤولين المحليين الملتحمين بالمافيا، ويكنسهم من الطريق. يحطم المكائد الشريرة ويفك خيوط الدسائس. وبعدما تقاسي البطلة «آلامًا فوق طاقة البشر» في «الأعماق المظلمة» من «نفسيتها الهشة»، تقرر أخيرًا أن تسلّم نفسها له. «تحترق شوقًا فتهوي في أحضانه».

ليتهما ناما بعد ذلك، وأنجبا أطفالًا، وتعقّلا. هيهات! ففي المخطوط التالي يصطدم هذا الغوليم نفسه، «عريض المنكبين» ذو القدمين الطينيتين (وربما كان الفتى الطيني، إن رجعنا إلى الحكايات الروسية)، بالبطلة «مصادفة» في «مكتب فاخر». أو يكون «البحر يتلاطم عند قدميه»، و«الريح تداعب خصلاته الذهبية».

«إنه رائع البنية، كأبولو، فكرت وهي تعبث شاردة بخصلة من شعرها الأشقر. كان صدرها يعلو بعنف».

«والسنون تعدو كالجواد».

«أيها الزمن، أيها الجلاد الشرير!»

في هذه النصوص المعجونة من تصورات النساء «بوجه عام» عن أي شيء كان، كنت أحاول ألا أغير شيئًا، سواء تعلق الأمر بوصفة سلطة «قيصر» أم ببنية الكون. لكن هذه الشخصية التي «تترك وراءها دائمًا إحساسًا غامضًا بشيء مبهج»، من أين جاءت؟ أولدت هكذا «في بدلة محكمة التفصيل تبرز كل الانتفاخات الذكورية في قوامه العضلي»، ووجدت نفسها فورًا إلى طاولة «مكتب فخم» أو «مطعم فخم»، أو خلف مقود «سيارة أجنبية فخمة»؟ كيف أطلقه في العالم بلا ماضٍ، ولا مصير، ولا أم وأب في نهاية المطاف؟ كان لا بد من إضافة ملامح حقيقية، واختراع وقائع من الحياة، وذكر الوالدين وانطباعات الطفولة وأصدقاء الفناء. كنت أنقل إليه، طوعًا أو كرهًا، صفاتي الشخصية، وأمنحه تاريخي.

وكان الشتاء يطول ويطول. ولسبب ما كنت أمرض باستمرار. الوصايا التي أسداها رحالتي المتمرسون وكنت أنفذها — ركوب الدراجة طوال الشتاء، والتمارين في الحديقة، ومغلي الأعشاب النافعة — عجزت كلها أمام نزلة برد مباغتة، وإنفلونزا خبيثة بصورة خاصة، وعلل تشبثت بي. كنت أمكث في البيت مرة بعد أخرى، ومن ثم آخذ مزيدًا من أعمال التحرير، وهو ما أسعدني في البداية. لكن قواي الدفاعية كانت تهجرني بوتيرة أسرع، وكانت مناعتي «تذوب بالكامل»، على ما يبدو، في «العيون الزرقاء» الباردة للأصنام الطينية التي أهبها حياتي وماضيّ ومصيري. أكثر من ثمانية آلاف محارب من التيراكوتا كنت أتأمل أمرهم — أولئك الذين انطلق الإمبراطور تشين شي هوانغدي بصحبتهم، في عامي 210-209 قبل الميلاد، إلى رحلة العالم الآخر (وكانوا رماة سهام ومشاة وفرسانًا، لكل منهم سماته الفريدة وتعبير وجهه الخاص) — كانوا يتحولون بطريقة غريبة عند «درجة انصهار» الحُمّى… يتحولون فجأة إلى رجال وسيمين مزخرفين يلمعون بالطلاء الزجاجي! طوال رشيقين، عراض المنكبين، ذهبيي الشعر زرق العيون. كانوا يسيرون صفوفًا في هذيان حُمّاي، مستعدين لتطويقي وسحقي ووطئي في التراب.

كنت أهشم رؤوسهم بالمطرقة، وأطاردهم في أدغال اللامعنى، عبر الصفحات والفقرات، بقلم المحرر، متخيلًا إياه ساطورًا أو حتى منشارًا آليًا. أشطب بلا رحمة، وأقتلع الأعشاب الضارة من جذورها، وأجتث مقاطع كاملة.

لكن أي أثر واسع لتصحيحات أدخلتها على عشرة مخطوطات؟ لهذا الشاب من تسع إلى مئة حياة، وقد واصل فتح قلوب النساء، «مبتسمًا ابتسامة عريضة صريحة» من الأغلفة الزاهية في قطارات ضواحي موسكو المكتظة وعربات المترو المحشوة. كانت الفتيات والنساء يسلّمن أنفسهن له، غارقات في أحضان وهمية مختلقة.

فلتبق هذه الكتب إن كانت تمنح أحدًا ولو شعورًا ضئيلًا بالسعادة! لكن حين يصبح هذا الغثاء أساسًا لكل شيء، وحين يفيض عن الحد — وخصوصًا من شاشات التلفزيون؟! مستندًا إلى تصورات عن أي شيء «بوجه عام» (باستثناء مصلحته الشخصية الملموسة، بالطبع)، يسرق جنرال الملايين من الخزينة. وحين يُفضح ويُلحق به العار، هل يطلق رصاصة على جبهته من مسدسه الوظيفي قبل أن يصادروه منه؟ لا! بل «يبتسم بمكر تحت شاربيه»… «أنتم تفهمون، طبعًا. بمشيئة القدر وجدت نفسي في موسكو. وقعت لي أحداث لا تصدق!»

لم أكن إلا أمرض من كل هذا، عاجزًا عن تغيير شيء. ثم سنح لي عمل شاق — تنسيق المعارض وتركيبها، وكان أجره جيدًا. عندئذ لم يعد ثمة مجال للاستلقاء والقعود في البيت.

بحلول الصيف كان لدينا مال للرحلات. لكن إجازة مارينا لا تبدأ إلا في أغسطس. وكما اتفقنا، ذهبت إلى بايكال في يوليو، واجتزت مساري. يصعب أن تقول عن كل رحلة أكانت ناجحة أم لا. ينجز المرء بعض الأمور كما خطط لها، ويضطر إلى تغيير بعضها وهو في الطريق تبعًا للظروف.

ثم عدت إلى موسكو. كان أغسطس يتقد بكل قوته، فذهبنا إلى دزيرجينسك على أوكا، مدينة مارينا الأم. ومن جديد — طريقنا إلى ضفاف كليازما. في منطقة سيما، حيث ينفك كليازما إلى قنوات كثيرة قبل مصبه في أوكا، في قرية تتناثر بيوتها على الضفاف باتساع وفوضى إلى حد أن أهلها أنفسهم، هذا في طرف وذاك في طرف آخر، يسمونها بأسماء مختلفة، يعيش شيخ نعرفه، صياد محلي، لاو تسي. له كوخ صيد ضائع في أدغال الصفصاف عند إحدى القنوات، ويعيرنا قاربًا قابلًا للنفخ. ليس «كعكة» مطاطية عصية على التوجيه، بل زورق كانو بطول خمسة أمتار من شركة أمريكية.

لم نره منذ سنة، وكم من مياه جرت في كليازما! القدر الصغير معلّق فوق النار الصغيرة كما كان، ويغلي فيه «الشاي». بالطبع، ألقيت فيه جذور سيما الغامضة وأعشابها العطرة المخدّرة… لكن بدا، لسبب ما، أن مصائر العالم هي التي تُطبخ فيه. الحزن والغضب، الخير والشر. وبمعرفة لا يملكها سواه يضيف الشيخ هذا وذاك، من كل شيء قدرًا متساويًا.

سألني إن كنت قد أتقنت التمارين التي عملنا عليها في المرة السابقة. إنها انحناءات بسيطة، وتقوس إلى الخلف، وقرفصاء. لكن لا بد من أدائها كل يوم بتركيز، بحيث يصح التنفس والتتابع حين تمر في العضلات موجة من الاهتزازات والتوترات. وبماذا أستطيع أن أتباهى؟ فالأمر دائمًا هكذا — ظروف، لا مال، وعمل من نوع كذا…

قال الصياد العجوز إن عليّ أن أكثر من «تكسير الزوائد العظمية عن جسدي». ففي سنة نمت عليّ كما تنمو على «مدرّع أسترالي» ما.

نعم، نمت! ويا لحسن الحظ لو أن أمطار بايكال ليّنت نصف هذه «الأشواك المتقرنة» (الخافية على العين العادية غير المطلعة على الأسرار)، كما كنت آمل؛ فجفت وسقطت تحت الشمس العنيفة على سفوح الركام الحجري المحماة المنحدرة من الممرات الجبلية؛ وانخلعت في أدغال الصنوبر السيبيري القزم التي لا منفذ فيها، والتي شققت طريقي خلالها حين لم أجد سبيلًا للالتفاف حولها. ثم المبيت على الأرض العارية أيضًا (وماذا تجدي حصيرة الإسفنج وكيس النوم)، والعرق الحار من المسيرات القسرية الطويلة الكيلومترات بحقيبة ذات ثقل معتاد (أي لا تُحمل). ومغطس بايكال الجليدي، ودخان النيران.

في المساء جلسنا عند النار، وكان لاو تسي يقدّم لنا سمكًا مشويًا على الشبك. في هذه الأماكن، كما تقول المصادر العلمية، في ما يسمى «مرجل سيما للتكوّن الإثني»، امتزجت في الأزمنة القديمة، في القرنين السابع عشر والسادس عشر قبل الميلاد، ثقافات شتى لـ«شعوب أطلنطس سيما الأسطورية». اكتُشف هنا كثير من مواقع المستوطنات المحصنة والمدافن القديمة التي درسها علماء الآثار منذ أوائل القرن العشرين وفي الحقبة السوفييتية، أما الآن فكل شيء مهجور. لكن ما الأصل الجوهري لهذه الأماكن، وأين مساكن الروح الخفية للمحاربين الكونيين؟ ظهرت هذه القبيلة على ضفاف أوكا، الذي كان في رؤيتهم للعالم محيطًا، ولا يُعرف من أين جاءت… يكد العلماء لحل لغز أصلهم، لكن لا توجد نظرية مقنعة. من أين جاء المحاربون الكونيون؟

«…اخترقوا هذه الكثبان الرملية والمروج الفيضية بصواعق من السماء، قال لنا الرضيع العجوز (إذا ترجمنا لاو تسي من الصينية). كان الوافدون ذوي ستة أصابع، تابع. في اليد اليمنى واليسرى كان «الإصبع السادس» هو «أداة الكتابة» — أي ما يعادل «قلم الحبر» في مفهومنا. وهكذا كتبوا باليدين معًا الكتب كلها. كلها — من بداية البشرية إلى نهايتها الآتية. كان الزمن آنذاك يجري بتمهل، كهذا النهر، ويمتد طويلًا، وكان في اليوم 36 ساعة بحسابنا المعاصر. ثم جُمّع كل ذلك الحجم من المعارف في حقل معلوماتي، جوهر مفكر».

«في أي حقل معلوماتي… وأي جوهر هذا؟» سألت.

أخرج الشيخ من كيسه دفترًا سميكًا وكتب فيه شيئًا. ثنى الصفحة بعناية، وفصلها بالسكين ومدها إليّ. «هاك. قد يوضح هذا شيئًا».

لكن لمن، وماذا، ستوضح هذه «الطلاسم الصينية»؟! كانت الصفحة مكتظة بالرموز. ومهما قطبت جبيني متظاهرًا بأنني «متخصص في الدراسات الصينية»، لم أستطع أن أجد، في حلقة الرموز التي بدا أنها ترقص مع لمعان النار المتقلب، حتى الرموز المألوفة لي (من بعيد جدًا) «ريو»، «جيا»، «شين»، «يو»، «يون»، «جي»، «مو»، «فنغ»، «تيان»، «غو». حسنًا. ستبقى لدي على الأقل نظرية ما عن الكونيين.

«وما أهمية ذلك، وكيف تطور كل شيء؟» طرحت السؤال بانفعال.

قلّب الصياد الجمر وجمعه تحت الشبك كي تحمر جوانب الأسماك الذهبية. شربت معه الفودكا من أكواب بلاستيكية، فيما كانت مارينا ترتشف نبيذها الأحمر.

«كل ما يُكتب اليوم إسقاط ميتافيزيقي لنصوص كانت موجودة ذات يوم، أوضح. بالذاكرة الأنطولوجية، وبالمخيلة، وبالطاقات والذبذبات التي تُلتقط بدرجات متفاوتة، يعاد إنتاج النصوص من جديد».

«وماذا عن الكتاب المقدس، هل كتبوه أيضًا؟»

«لا. الكتاب المقدس مصدر طاقة ذاتي التنظيم، هو نور الروح المنبسطة التي اجتازت الغلاف المعلوماتي الداخلي للخالق، أو نقطة الدخول إلى العالم الجاري خلقه من جديد. وهذا النور، المنعكس عن الغلاف المعلوماتي الخارجي، والذي أصبح الآن نوعًا من معرفة قانون خلق العالم مع الحفاظ على مبدأ التشابه بين الغلافين المعلوماتيين المطوي والمنبسط، انعكس عائدًا إلى نقطة انبساط الخالق (أو، الآن، نقطة تجميعه)».

ما أشد تعقيد هذا الكلام! من المحاضرة الكاملة التي ألقاها علينا استخلصنا، بقدر ما فهمنا، أن جميع الأعمال الفنية العظيمة قد أُنجزت، ولم تبق إلا تلك «العوالق» الضئيلة الشأن التي تُستكمل كتابتها الآن. وهذا يؤكد التعاليم الأخروية عن نهاية الأزمنة. وبحسب كثير من المعلمين الذين تركوا للبشرية بصائرهم الروحية، فالنهاية قريبة بالفعل. والسؤال هو: متى سيُكتب — أي سيعاد خلق — النص الأخير على الإطلاق؟

في الصباح الباكر انطلقنا بالكانو الأحمر من محطة صديقنا العميق التفكير على النهر المتفضض. حملنا التيار إلى الكون الفائر في مرجل سيما، وجذبتنا خيوط شفافة، ولفتنا شرنقة من ارتجاف أجنحة اليعاسيب الزجاجية التي تضيء نوافذ زجاج معشق خاطفة، ومن طيور السنونو الخاطفة التي ترسم خطوطًا هوائية سريعة. في القنوات التي تتفرع بلا نهاية، وتلتف حول الجزر، وتفيض إلى بحيرات ومجارٍ نهرية قديمة، كان المحاربون الكونيون يقفون في القاع، حراس أطلنطس الغائبة. في عتمة الأعماق المخضرة كانت شعورهم الأعشاب الطويلة المنسدلة تتموج. زمردية وشائبة — للرجال، وحمراء وذهبية — للنساء الكونيات. وبعض المحاربين الساقطين — جذوع سوداء وأخشاب غارقة متعددة الأذرع — انكبوا في الرمال.

في الأسلاك المتدلية قريبًا من الماء من أعمدة تلغراف مائلة، استمر الطنين — أثر ارتدادي لبرقيات مروعة أُرسلت من «مركز» كان موجودًا ذات يوم إلى مديرين سابقين لمزارع جماعية ابتلعها النسيان. ومن فتحات أكواخ الصيادين الفاغرة، الملتصقة كالأعشاش على الجروف، كانت الريح تستخرج من قناني الفودكا المكدسة أكوامًا طنينًا حزينًا… أنشودة جنائزية لمن أغرقهم الشراب… (فقد كنا نصادف غير مرة أهرامات صغيرة معوجة تعلوها نجمة، بعضها ملحوم من أنابيب وبعضها مسمّر من ألواح، وصلبانًا مائلة.) أُحرقت أكشاك العبارات كأن ذلك جرى أثناء انسحاب؛ ولم يبق من الجسور إلا أعمدة ناتئة كفك تنين متحجر… تنين مرّ طائرًا، على ما يبدو، وأخلى هذا الإقليم المنبوذ من سكانه.

كان يمكن أن نضيع هالكين في فضاءات الأنهار والمروج والمستنقعات… لولا العلامات التي أعطانا إياها الشيخ، وقد دوّنها بخطوط سريعة كطيران السنونو على مخطط يدوي. من البارجة الغارقة التي تسودّ في القاع كنا نوجّه مسارنا، مترقبين رؤية شاحنة غارقة في الطمي. ثم سفينة «راكيتا» راقدة على جنبها، منشطرة إلى نصفين يشبهان السيجار. كان نحاس بوق للرواد ملقى في وسط النهر يلمع، وتلعب انعكاسات شاحبة على تماثيل جبسية لفتيات، بلا أذرع ولا مجاديف، تطل من الأدغال الملتفة.

كان النهار يمتد بلا نهاية. لعل 30 ساعة انقضت… ولم تكن الشمس قد بدأت تميل إلى الأفق إلا للتو. تمددت مارينا في مقدمة الكانو، وغطت كتفيها بشال من شالات الهنود الحمر كي لا تحرقها الشمس، وبسطت ذراعيها وأخذت تجدف بهما كأنها تخفق بجناحين… تحول قاربنا إلى طائر! كنت أوجّه الحركة بإنزال المجداف يمينًا ويسارًا (على طريقة الهنود الحمر، كما خُيّل إليّ بالطبع). استطالت الظلال، مشبعة بالرطوبة اللاذعة التي هبت من الماء. كان النهر يصعد إلى السماء… بتموجه اللامع، بجلد الأفعى الكونية المزخرف، أصل أساطير نشأة الكون والأساطير الشمسية، التي تطوّق دائرة السماء وتوحّد الأنهار كلها.

— أحكي لك حكاية؟ سألت. — عن رحالة واحد، يعني…

— وأي حكاية هذه؟ أجابت مارينا. — ذهب «رحالة واحد» إلى بايكال مرة أخرى، صحيح؟ وحدث له أمر لا يصدق!

— نعم. لكنه كان… مجرد رحالة، يعني. لا يهم.

— آه، قلبي يحدثني أن كل هذا لم ينته بخير! هيا، احكِ.

— نعم، صعد الرحالة إلى الهضبة الجبلية لسلسلة سفياتوي نوس، في شبه جزيرة سفياتوي نوس. لكنه لم يستطع اجتياز المسار في تلك المنطقة. لم يبق إلا النزول إلى ساحل خليج تشيفيركوي، والمضي نحو الرأس الشمالي. كان المسافر مستعجلًا وقلقًا: هل سيلحق بالموعد، وهل ينجح الصعود في الجزء الشمالي من السلسلة؟ وصل إلى خليج صغير بعد حلول الظلام، ونصب خيمته. كان المكان رحبًا: تنفرج السلسلة الجبلية إلى وادٍ شديد الاستنقاع، مكسو بالقصب والشجيرات والبتولا القزمة — ويضيع في الأدغال مجرى نهر متعرج. وكان قوس عريض من كثيب رملي تعلوه غابة صنوبر يفصل مساحة الأرض الواطئة المستنقعية كحاجز، وينحدر برفق نحو خط الساحل في شاطئ مستوٍ رمادي اللون، ذي مسحة من لون الرماد. كان المصطافون يكثرون هنا، ممن تُنزلهم الزوارق أو يملكون قواربهم، فيقيمون مخيماتهم ويخرجون للصيد في الخليج. لكن الطقس في الأيام الأربعة الأخيرة كان متقلبًا، فتهب الريح منذ الظهيرة وتجر السحب، ثم يرذ المطر مساء. كان اللسان الرملي شبه خالٍ، إلا نارًا تتقد في البعيد وأصواتًا تُسمع — جماعة واحدة فقط نزلت هناك، وربما كانت وراءها مخيمات أخرى.

منهكًا من يومه، ما إن دخل الماشي كيس نومه حتى غاص كالفأس في أعماق النوم السوداء. أو كان يحلم بأنه يشق أدغالًا سوداء، ويلوح بفأس يقطع بها أغصانًا وسيقانًا تهدد بخنقه… يستيقظ لحظة، ويحس بتلاطم الأمواج وحفيف تيجان الصنوبر. وبحركة ليلية لا تلين، وبسيل النجوم المرئي عبر ستار الخيمة الموارب. كل ذلك مقلق جدًا حين تبيت تحت السماء المكشوفة. والسماء تنفتح أكثر فأكثر، كأن أحدًا يسحب لسان «سحّاب».

مدت الأشعة الأولى من وراء حافة سلسلة بارغوزين البعيدة مفاتيح طويلة من التدرجات الذهبية والليمونية والصفراء والمغرة. مرت الريح الآتية من سلسلة سفياتوي نوس، من الوادي بين نتوءاتها، كاستهلال خفيف. ثم قوة الأرغن المتعاظمة، وأنفاس الخليج وفضاءات بايكال من الشمال. الرنين الجامع لزرقة السماء المتحولة إلى قوس الماء عند الأفق. خضرة قاتمة في البعيد — وعند الشاطئ شفافية زجاج تكسر انعكاس رمال القاع، المحمرة في مواضع والرمادية الشبيهة بالرماد في أخرى. كان غشاء الضباب يلتف ضفائر ويتشابك مع الظل العميق تحت الصنوبر.

هذه الحال التي لم يبدأ فيها الزمن خطوه بعد تدوم لحظة وجيزة، وتكون أحجار الساعة في داخل المسافر — وفي العالم المحيط — متوازنة. في تلك اللحظات لا تفكير ولا شكوك، ولا خوف من المغطس الجليدي — اندفع فورًا عاريًا كما ولدته أمه إلى خليج تشيفيركوي! حطم الومضات الشمسية، ونافذة الزجاج المعشق القوطية. أرجوان وذهب، وارتجاف عباءة الأعشاب المائية. سبح فوق لوحة فوضوية من بقع الألوان وأعراف الرمال، متخيلًا تحت جسده نتوءات سلاسل جبلية ومنخفضات مستنقعية وأنهارًا متعرجة. كان ذلك يذكّر بالخرائط الجيولوجية التي تحدد صخور العصرين الجوراسي والطباشيري، والتداخلات النارية لحقبة الحياة الوسطى، وطبقات الباليوجين والنيوجين، وترب العصر الرباعي… ارتدى الرحالة خليج تشيفيركوي. قبة مرتفع سايان — بايكال كلها، والإطار الجبلي لبايكال. السماء وغابة الصنوبر والكثيب والشاطئ. لقد بدا كأنه وُلد من جديد! خرج إلى البر، وضرب الأرض بقدمه، يختبر صلابة منصة بايكال التكتونية. (بحسب بعض المصادر، تتباعد ضفاف بايكال بسرعة سنتيمترين في السنة. ولحسن حظه لم يلاحظ ذلك.) أخذ ينقر بالفأس ويقطع الأغصان ويلقيها في النار الصغيرة المدخنة. وحين اشتعلت النار، راحت تلعق بلهبها القدر الأسود الذي فيه ماء الشاي.

كان أحدهم يسير على الشريط الرملي عند الماء مباشرة… رجل ما، لا أكثر. وكان الرحالة مشغولًا بشؤونه فلم يلتفت إليه. يعد الفطور، ويطوي الخيمة، ويجمع الأغراض. لكن شيئًا تبدل على نحو لا يُمسك. حين حرّك «سحّاب» الحقيبة بأزيز… انفك «سحّاب» ما، وأدخل القلق… لا، لا شيء غير عادي. لعل هذا الرجل؟ كان يتمشى فحسب، بتمهل واسترخاء. دقق المسافر النظر فيه. إنه يسير فعلًا «على شاطئ رملي في زبد الأمواج المخرّم»! وصحيح أنه كان «يبتسم لشيء ما». وعيناه، بقدر ما أمكن تبيّنه، «كبيرتان وزرقاوان» حقًا… هل كانت السماء «تنعكس» فيهما؟ ثم إن الريح «كانت تداعب خصلاته الذهبية»!

«مستحيل، لا بد أن هذا خطأ تحريري!» هب على الرحالة ظلام الشتاء… المرض واليأس. فهو لم يكن ليتخيل! أو، على الأصح، كان يظن أن كل هذا الموصوف في الروايات النسائية أحلام نسائية لم تتحقق عن «كتف رجولي قوي» (ولا بد أن تكون الكتف لـ«أشقر بعينين زرقاوين»، وأن يكون فوق ذلك ثريًا ثراء خرافيًا، مدير شركة قابضة دولية، لا أقل). أحقًا… «تعدو السنون كالجواد»؟ والزمن «جلاد شرير»؟ ربما خرج أحد محاربي الإمبراطور تشين شي هوانغدي من العالم الآخر وتحول إلى رجل وسيم؟ لامع على نحو لا يصدق، مغمور بالطلاء الزجاجي ومزخرف. لكن أمثال هؤلاء لا وجود لهم في الطبيعة، فهذا مجرد قالب أدبي يمشي على قدمين! أي إنه أُغفل في موضع ما، ولم يُستكمل تصحيحه؟!

حسنًا، ليمش هناك في «الأراضي المأهولة». حيث الجنرال لم يعد جنرالًا. والبطريرك لم يعد بطريركًا. والرئيس لم يعد رئيسًا. لكنه بلغ بايكال، وسيأكل هكذا كل ما يملكه الماشي. غرانيت بايكال وغرانوديوريتها وديابازها وبورفيريتها وبورفيرها. ماذا سيبقى من أهم ما في الحياة… إن تبلدت السكين، ورطب الكبريت، وماتت اليراعة في المصباح اليدوي، وتحول الشاي إلى فتات، وتعفن البقسماط؟

مر الرجل ناظرًا عبر الرحالة كأنه غير موجود. على «شفتي» الوافد «الجميلتي التحديد» كانت تلعب ابتسامة خواء روحي. وكانت زرقة «العينين الكبيرتين» تشف عن فراغ. انتزع الرحالة الفأس من جذع التقطيع. ما زال العالم متينًا، والفأس ثقيلة. خشب المقبض المريح دافئ، والنصل المشحوذ يلمع. وليست، والحمد لله، تصورًا «بوجه عام» عن فأس ما.

لحق بتلك الشخصية وحرّرها.

— …تلك هي «البامبيرا»، أنهيت الحكاية متنهدًا. كانت فيها أبعاد متعددة: جريان كل تعرجات السهل الفيضي الكوني وقنواته وأذرعه؛ وحركة الأسماك الغامضة في الأعماق؛ وخطو المحاربين تحت الماء، السائرين بإيقاع موزون نحو تقويم جديد بعد نهاية الأزمنة، بشعورهم المنسدلة الزمردية والشائبة — وشعور نسائهم الحمراء والذهبية. تعدد أصوات الماء الذي يشقه القارب، وطرطشة المجداف — وسقوط القطرات التي تخترقها الشمس، الشبيهة بالنبيذ الأحمر، وخطفات السنونو، والكتلة الرمادية للبعوض، تتدحرج كرات من الضفة وتغطي بسحابة تطن، لكن الريح تحملها بعيدًا، كأنها أنفاس ملك النهر. كان النهر يتنفس، وتتوتر عضلاته، وتمر فيها الرعشة موجات صاعدة وهابطة. كم كان يحمل من نجوم انعكست، وغروب انطفأ، وأمطار سكت ضجيجها، وخدر جليدي، وفيضانات جامحة! وقع حوافر فرق الفرسان الفارة من المطاردة وهي تندفع إلى مياهه؛ وجراد الغزاة الوافدين الداكن وهم يخوضونه؛ وصيحات المحاربين في حمأة المعركة، وصليل السيوف، وأنين المحتضرين. ظلمة التاريخ الزاحفة من الأدغال التي تنضح بالسواد، وثقوب الأزمنة النافذة من القنوات المتفتحة. كان يمكن تصور الأشرطة الطويلة على الماء، المصبوغة بلون الدم بغروب الماضي وما كان، وهي تنساب إلى أوكا، إلى الفولغا، إلى المحيط العالمي.

«لكن أين في هذه التيارات ما يسمى أنماط الآتي؟ كنت أسأل نفسي. فاستنادًا إلى مسلّمات العلم ما بعد غير الكلاسيكي، الآخذ في التطور اليوم… (ومنها عدم قابلية العمليات التطورية للانعكاس، والطابع التشعبي للتطور، ودينامية بنية الأنظمة ذاتية التطور، والفهم الجديد للمستقبل)… هذه الأنماط موجودة اليوم بالفعل. يؤثر المستقبل في العملية الجارية. وفي هذه المياه الجارية أيضًا. إلى أي آتٍ نبحر على هذا النهر؟ صاعدين إلى السماء، سائرين في درب التبانة… أنعود من جديد إلى المنابع؟»

قطع تأملاتي سؤال مارينا:

— وماذا عن ذلك الرحالة… كيف تجاوز ما حدث؟

— تجاوزه، إذن. ليس هذا هو المهم! عليه أن يواصل السير، إلى حيث لا يعلم إلا الشيطان، ويتسلق الجزء الشمالي من السلسلة. إلى الأدغال والبرية المقفرة. وإن وقع هناك شيء، فلن تنقذه روح حية ولن تساعده. لا أمل إلا في نفسه.

— لكن لماذا التجول حيثما اتفق؟ وكم حذروك، وكم رجوتك أنا… لم تعد لدي طاقة! صاحت مارينا بحرقة.

— لا، ليس تجولًا بالطبع… إنها أبحاث على أساس علمي. حسنًا، لنتجاوز ذلك. لكن «الظاهرة» التي واجهها ربما كانت إشارة ما. تحذيرًا. الطريق مغلق، لن يحالفك الحظ، فارجع!

— إذن كان عليه أن يرجع! هل لا بد من تحدي القدر؟!

— هذا هو الأسوأ! لا تحدي القدر، بل تقليب كل أفظع ما يمكن أن يحدث في الرأس مرارًا وتكرارًا. أخذ يفكر في الموت. وكاد يصبح وودي آلن!

— يا إلهي! وما دخل وودي آلن هنا؟!

— حين كنت أمعن النظر في تنوع تيارات النهر، تذكرت أن تشي غيفارا، حين كان طالبًا لا يعرفه أحد بعد، سافر ذات يوم على امتداد الأمازون العظيم. بل عبره سباحة! أتذكرين؟ هذا موصوف في «يوميات دراجة نارية» للمخرج والتر ساليس، فيلم عام 2004؟

— حسنًا، لنفترض ذلك. فما الصلة؟

— لاحظي أن وودي آلن يضع إحالة في «نقطة المباراة»، عام 2005. يذهب كريس وزوجته كلوي مع أصدقائهما إلى السينما، لمشاهدة «يوميات…» هذه بالذات. وقد قال راي برادبري ذات مرة: «لو أن الناس فكروا في الموت ليل نهار، لصاروا نسخًا من وودي آلن». وذلك الرحّال… أخذ يشك في كل شيء! هل اختار الطريق الصحيح، وهل ستكفيه قوته، وهل ينبغي أصلًا أن يذهب إلى هناك؟ إنها النهاية! تسخن أفكار السائح أكثر مما ينبغي، ويحل «الموت الحراري». (كنت أعني مصطلح «الموت الحراري للكون»، بوصفه الحالة النهائية لأي نظام ديناميكي حراري مغلق. وقد صاغ رودولف كلاوزيوس هذا الاستنتاج عام 1865 استنادًا إلى القانون الثاني للديناميكا الحرارية. ووفقًا للقانون الثاني، فإن أي نظام فيزيائي لا يتبادل الطاقة مع أنظمة أخرى يتجه إلى حالة التوازن الأرجح، ذات الإنتروبيا القصوى.)

— أنهك السيرُ الرحّالَ، — تابعتُ. وضربتُ بالمجداف بضع ضربات كيلا ينجرف بنا القارب نحو الشاطئ. — بدا كل شيء مختلفًا عما كان من قبل. حقيبة الظهر ليست كما ينبغي، والريح تبعث على القلق. للشاي طعم شيء من فتات الخشب النخر، ولعل البقسماط قد تعفّن. راح يهيم، ويعيد ترتيب ما في حقيبة ظهره، ويربط أربطة حذائه من جديد. يشرع في شحذ السكين، ويتأمل الخريطة للمرة المئة. وفجأة…

— ماذا أيضًا «فجأة»؟! ماذا حدث هذه المرة؟!

استدارت مارينا بحركة حادة.

— أوه… لا تهزّي قاربنا! كل شيء بخير. — عوّضتُ في الوقت المناسب ميل القارب الذي بدا خطيرًا. — لا شيء يُذكر. مرّ في مكان ما عاليًا في السماء طائر مجهول عريض الجناحين. كان ذلك إحساسًا… بحركة تجمع كل شيء، بالطيران، بالاتجاه. كان يتجه إلى الجزء الشمالي من السلسلة. وأسقط ريشة. هبطت الريشة قريبًا جدًا وهي تدور ببطء. لها بريق ذهبي، وزرقاء من أسفل. تجهّز السائح سريعًا، وحمل حقيبة ظهره على ظهره، ونقل قاذف «إشارة الصياد» الملقّم إلى موضع أقرب، في جيبه، ليكون في متناول يده. حسنًا، لإخافة دب أو اثنين إن صادفهما على الدرب…

— كنت أعرف! فالدببة هناك تمسك بعضها بأكف بعض، وترقص في حلقات حول المغفلين الذين يتوغلون إلى هناك وحدهم!!

…آه، يبدو أنني بالغت في حكاية الدببة! ما الذي ورّطني في ذكر «إشارة الصياد» هذه؟ (إنه قاذف إشارات صغير يشبه «قلم حبر يطلق النار».) ذات مرة، في حديث مع باحث معروف في شؤون بايكال، كتب الكثير عن طبيعة المنطقة المحيطة بها (تبدأ إحدى دراساته بعبارة: «يُسمّى الدب البني سيد التايغا…»)، عرضتُ عليه «سلاحي التجسسي». فقال لي عالم الطبيعة الخبير، الذي التقى الوحش أكثر من مرة وجهًا لخطم، حرفيًا، وبكل مسؤولية، إن الدب سيلوذ بالفرار عند إطلاق طلقة منه. وهذا باحتمال 51 بالمئة. وماذا عن الـ49 الباقية؟ إذا أصابه التوتر، فسيندفع بالطبع… ولكن نحو مصدر الخطر بالذات!

— لا، أي دببة؟ حتى إن وُجدت، فقد أكلت حتى الشبع من حشرات الكاديس المفيدة والمغذية، على الضفاف، وعلى الحجارة. وبحلول ذلك الوقت تصعد إلى السفوح الجبلية المعشوشبة، وتتحول إلى التغذي بالنباتات الخيمية والبقولية. لا حاجة لها بالإنسان على الإطلاق. وفوق ذلك، فقد نمت عليه زوائد قرنية وأشواك كلسية. إنه جدول مندلييف يمشي! يشرب الماء المكلور، ويلتهم المنتجات الكيميائية… المضافات والمبيدات والنترات. وأين لم تعد موجودة اليوم! يستنشق هواءً ملوثًا بالعوادم، ويتشبع بالأشعة القاتلة للحواسيب وشتى الأجهزة الإلكترونية. ولهذا يرحل إلى البراري، إلى المجاهل، ولو لأسبوع أو أسبوعين، ليتنفس ملء رئتيه هواء التايغا والضباب، ويرتوي من مياه الينابيع.

ضرب السائح عرض الحائط بكل الهواجس والشكوك، ونفض عنه الخوف المشلّ. وسلك الدرب، الذي يظل بادئ الأمر ظاهرًا بمحاذاة الشاطئ، ثم يختفي عند المنحدرات الشديدة والجروف، ومضى بخطاه نحو الرأس الشمالي. قال: «فرام!»، ومعناها «إلى الأمام!» بالنرويجية. (وهذا اسم المركب الشراعي ذي المحرك الشهير، من نوع السكونة، الذي صُمّم وبُني خصيصًا للأبحاث القطبية. وقد انجرفت عليه البعثة بقيادة فريتيوف نانسن — وزوجته إيفا، بالمناسبة، هي التي سمّت السفينة — في جليد القطب الشمالي من عام 1893 إلى عام 1896. وفي تلك الأثناء، انطلق النرويجي الشجاع مع رفيقه يوهانسون في رحلة بالزلاجات نحو القطب الشمالي، لا مثيل لها في الشجاعة وقسوة المحن. ولم يتمكنا من اجتياز الكيلومترات الـ400 المتبقية، فقضيا الشتاء في أرض فرانتس يوزف. وبعد عودة نانسن، أبحر روال أموندسن على متن «فرام» إلى القارة القطبية الجنوبية، وأصبح مكتشف القطب الجنوبي.)

…صعد عبر شعب جبلي، وتسلّق الحيد، واقتحم السفح. وبلغ الهضبة، وأجرى بحثه في المنطقة التي حدّدها. تأكدت بعض التخمينات، واضطر إلى التخلي عن أخرى. أما ذروة السعادة فهي أن تجد نفسك في النقطة الجغرافية التي عيّنتها على الخريطة. في النقطة التي كانت في خيالك، والتي سعيت إليها متغلبًا على المسافة المادية والرعب الميتافيزيقي معًا. (فقد رأى ولم يعرف، على حد تعبير نيكولاي ريريخ، «…مَن وضع دوائر الحجارة على حافة الغابة؟ …ومَن تحذّره العلامة على شجرة الصنوبر العالية؟ …ومَن ملأ بالجماجم الأخدود الذي ألقيتَ نظرة فيه؟») الهواجس، وانتظار شيء رهيب «قد يحدث» أو «يقع فجأة»… كل ذلك انكمش، وتلاشى، وزحف كالحلزون إلى قوقعته التوربينية الحلزونية.

في لحظة التوازن والانسجام الذي حلّ، حين انتهى طريق — وقبل بداية آخر — أحس السائح بخفة غير مألوفة. انطلاق، وحماسة! كما في الطفولة، حين كان يبدو أن دفعة واحدة تكفي لتطير من فورك، وترتفع عاليًا، وتغوص في السماء العميقة. هذه السعادة كوكب من الحجارة المتقدة والأعشاب التي سخّنتها الشمس. مساحات من الركام الصخري اسمرّت بفعل الحزاز، وكتل داكنة من الصنوبر الزاحف. نَفَس الأرض الساخنة، والغناء الحلقي العتيق للريح المضبوطة نغماتها على عروق رنّانة مستخرجة من أحلام الجنادب. ارتسم الأفق شرقًا بقمم سلسلة بارغوزين الجرداء المسنّنة. وتعالى فوق خليج تشيفيركوي فضاء لا يحيط به البصر، وامتدّت فسحة مياه بايكال. ورقد في رهبة كونٌ حجري سقط وانغرس بكتله وصخوره. وطُرّز رداء التايغا بتعرجات الشعاب السوداء.

ربما عاش حالة من التحليق في الهواء. ففي لحظة خاطفة، بقيت ذكرى عجيبة للطيران والسحر وانعدام الوزن، انطبعت صورة، مشهد من أعلى. لكن تلك الرؤيا تبدّلت فجأة، كأن حجرًا أُلقي في بركة… وانتشرت دوائر القلق والخطر.

جسم دب ضخم أسود ضارب إلى البني! على مسافة نحو ثلاثين مترًا، على السفح.

سيد التايغا… (لا يمكن القول إن كان ذلك «بسلام» أم لا، فمن يدري ما الذي يدور في دماغه؟)… على أي حال، كان يتغذى على السفح بالنباتات الخيمية (أو البقولية، لا يُعرف).

كيف تصرّف السائح؟

كان يعرف أن الوحش قريب في مكان ما، ولذلك ظل يقظًا. جهّز قاذف «إشارة الصياد»، وأبقى في متناول يده عدة صواريخ إشارات «نجمية»، فكانت جاهزيته القتالية في أعلى درجاتها. كان صارمًا، وكان بوسعه أن يصدّ الخطر إن هدّده. لكنه في الوقت نفسه كان يأمل بصدق أن يُظهر الود، إذا ظل الدب يرعى في منخفضه، أو، وهذا أفضل شيء، انصرف بهدوء إلى مكان أبعد. وهكذا جلس على التل يتأمل، في هدوء لا ينفذ إليه شيء.

فمن المعروف أن لاو تسي قال في زمانه: «كمال المحارب في اليقظة، وفي الاستعداد الدائم للقتال، وفي الصرامة، وفي الصدق، وفي الهُدُوء الذي لا ينفذ إليه شيء».

المصدر: «بايكال»، 2014، العدد 5–6، ص. 41–82. رواية قصيرة. أُعدّ النص اعتمادًا على مسح ضوئي للنص المنشور في المجلة.