16 px

في بلاد جميلة بعيدة يعيش إنسان رائع. لم أره قطّ، لكنني أعرف أنه موجود. فهو قريني الذهني. رجل ممتاز، ليس شابًا بالطبع، لكنه في لياقة جيّدة. مثقّف متوسّط المستوى، يعرف قليلًا عن كلّ شيء. وهو، فوق ذلك، خبير كبير في مجال ضيّق ما. مثمّن تحف، مثلًا؛ أو خطّاط؛ أو متخصّص في تربية الحلزون. لا يُجهد نفسه كثيرًا في العمل، ويعيش أساسًا من الريع. لديه بيت عتيق في عمق حديقة مهملة ورثه عن أسلافه؛ ومن حوله، في كلّ الاتجاهات، تمتدّ كروم العنب. بحذاء ذي نعل من الحبال على قدمين بلا جوارب، وقميص كتّاني بسيط، يركب درّاجته البخارية إلى القرية المجاورة، إلى صانع نبيذ يعرفه. معه رفيقته (من الكروم)، ومعهما قارورة مغلّفة بضفائر من أغصان الكرمة. يندفعان مسرعَين، والريح تنشر شعر الفتاة، وقميص الرجل مفتوح، وشمس الغروب تلعب بومضات برونزية على صدره المفتول. ها قد وصلا إلى صانع النبيذ، وقضيا جلسة ممتازة، وتحدّثا في هذا وذاك، وتذوّقا النبيذ، وملآ قارورتهما، ثم عادا أدراجهما.

يحبّ قريني هذا أن يسترسل في الكلام عن مختلف مزايا النبيذ. آه، المذاق المتـبقّي! — آه، الملمس المخملي! — آه، مسحة قشرة خبز الجاودار! يجلس في الحديقة إلى طاولة اسودّت بفعل الزمن، وتتساقط بتلات أشجار التفّاح المزهرة. وهنا أيضًا، تحت الأشجار، حوض استحمام عتيق مملوء بالماء. الفتاة مستلقية فيه، وسط غيوم الرغوة. ما تنفكّ تطلب منه أن يصبّ عليها من الإبريق ماءً كهذا (ساخنًا) أو كذاك (أبرد قليلًا). تارةً أن يفرك ظهرها، وتارةً أن يتأمّل بإعجاب ساقها. أمّا الرجل فمستغرق في تركيزه. يتصفّح دليل معرض للتحف؛ أو يخطّ حروفًا بالريشة والحبر على ورقة؛ أو يراقب حياة حلزون التصق بنصلة عشب. يدير بين يديه كأس نبيذ أحمر جاف، ويرتشف على مهل. تنكسر أشعّة الشمس في أوجه الزجاج، وتتفرّق كأسلاك عجلة تدور — بألوان الياقوت والعقيق والكهرمان الدافئة. يأخذ رشفة، ويقول للفتاة إن في النبيذ إيحاءات حَـنيـنيّـة. «آه… — تومئ برأسها (ولا تسمع أصلًا). — أحضر حليبًا مع الثلج». يذهب ليأتي بالحليب، ويحضر كوبًا كبيرًا. يعود إلى الطاولة، وتدفأ الكأس في راحتيه، وينضج الشذا. شجرة تفّاح مزهرة، وقليل من العسل، وورود. و— رائحة ثلج لا تكاد تُدرك. من أين الثلج؟ أسلاك ياقوتية تتفرّق من أوجه الزجاج، وبتلات عديمة الوزن، وألياف خشب سطح الطاولة… كأنه بالأبيض والأسود

شريط وثائقي

أرض بعيدة يغمرها الثلج، متنزّه بأشجار سوداء معوجّة، وعلى الممرّ المتجمّد يمشي إنسان

هذه موسيقى سوداء ما

يردّد في سرّه أبيات غريغوري إيفانوف

هذه موسيقى بلوك السوداء على الثلج المتألّق تسقط

هيه، يا رجل! — فأنا الذي يردّد الأبيات التي لفحتها الريح، في الريح الجليدية. أنا الذي أهيم عبر المتنزّه. على بُعد آلاف الكيلومترات، في أولان أوده المتجمّدة حتى الصميم. ما أطيب جلستك هناك، تتنعّم تحت أشجار التفّاح! أمّا أنا فحالي زفت.

تارةً أستند إلى الأشجار، وتارةً أدفع نفسي عنها، كرائد فضاء، فأطفو عبر الهاوية الزرقاء التي تخطّها الأغصان. لا معنى لوصف مشكلة واحدة، أو عشر، أو أيّ عدد آخر… قطيع ذئاب من اليأس — يطاردني.

القرين في الحديقة يشدّ على الكأس، كأنه يمسك إنسانًا زجاجيًا مملوءًا بدم دافئ. لا تدعه يسقط، ينكسر، يتطاير شظايا! يحرّك الكأس قليلًا إلى الأمام… خطوة أخرى، وأخرى.

صعودًا، على الممرّ المكسوّ بالجليد. هالة صفراء فوق لافتة المتجر. فودكا — ٢٥٠ — ستدفّئ كعادتها. جئت إلى مدينتي، مسقط رأسي (منذ نصف سنة بالفعل)، لأمسك بأبي ولو عند الحافّة. لكن الحافّة كانت قريبة أكثر مما ينبغي. وهبّات الريح — من هناك — لا تحمل أيّ نغمات حَـنيـنيّـة، بل تجمّد قلوبنا. لا يفهم أحدنا الآخر. الأدوية غالية غلاءً فاحشًا، ولا عمل يُعثر عليه في المدينة. قروض، وأجرة الشقّة. اكتئاب. ضيق

نقطة

فجأة يرنّ الهاتف المحمول. شيء من أريج شجرة تفّاح مزهرة. قليل من العسل، وورود. هذه هي روسيا

خارج حدود الحياة والعالم

في مهاوي الأثير الجليدي

لن أفارقك مهما يكن

عام ٢٠١٧

المصدر: «بايكال»، ٢٠١٧، العدد ٤، ص ١٠٤–١٠٥. أُعدّ النص اعتمادًا على نسخة ممسوحة ضوئيًا من النص المنشور في المجلة.