16 px

وقعت الحكاية في إحدى مناطق جمهوريتنا. ذهبت أسرة شابة، الأب والأم وابنتهما الصغيرة ذات السنوات الخمس، إلى الغابة لقطف التوت. توقفت في فسحة جميلة. أخذ الأب دلواً وتوغل نحو أماكن يعرفها، وأوصى زوجته بأن تنتبه إلى الطفلة والسيارة.

كانت الصغيرة تلهو في الفسحة، وبعد أن ركضت أمها ولعبت معها قررت أن تستريح. جلست قرب السيارة تتأمل ألعاب ابنتها بإعجاب. وفجأة تغير شيء ما. رأت الأم صغيرتها تتجه إلى الغابة وهي تقفز وتضحك.

كأن أحداً يقودها إلى هناك ويستدرجها. أرادت الأم أن تصرخ وتوقفها، لكن صوتها لم يطعها. أرادت أن تنهض وتلحق بها، فإذا بساقيها أيضاً تكفان عن طاعتها… وظلت جالسة صامتة تنظر برعب إلى ابنتها وهي تبتعد أكثر فأكثر داخل التايغا. ثم لم يعد فستانها الصغير يلوح بين الأشجار.

حين أفاقت الأم من ذهولها وصرخت، لم تسمع صوت ابنتها يجيبها. ركضت المرأة، وقد كادت تفقد عقلها من الحزن، نحو الجهة التي لمحت فيها فستان طفلتها للمرة الأخيرة. صرخت وبكت، لكن الغابة بقيت صامتة. وأخيراً عاد الزوج.

ألقى الدلو، وأوصى زوجته ألا تبتعد عن السيارة، وركض في الاتجاه الذي أشارت إليه. ظل يبحث وينادي ابنته حتى أظلمت الدنيا. ثم أدخل زوجته التي لم تعد تعي ما حولها إلى السيارة، وذهب إلى القرية وجمع الناس. وخرجوا بالسيارات والمصابيح للبحث عن الطفلة.

بحثوا حتى الفجر، لكن الصغيرة كأن الأرض ابتلعتها. بحثوا يوماً ثم يوماً آخر. وكان كثيرون قد «دفنوا» الطفلة في أذهانهم: «هل تستطيع صغيرة كهذه أن تبقى وحدها كل هذا الوقت حية في التايغا؟»

«لا بد أن الوحوش افترستها، أو أنها سقطت في حفرة ما، أو ماتت من الخوف فحسب». في اليوم الثالث وجدها أبوها. كانت مستلقية تحت شجرة على فراش من الطحلب، ينهشها البعوض، منهكة، لكنها حية. حين رأت أباها مدت إليه ذراعيها الصغيرتين وتمتمت: «بابا، كنت أعرف أنك ستجدني.

أريد شايًا». سألوها لاحقاً: «وماذا كنت تأكلين؟» فأجابت: «التوت». «وهل شعرت بالبرد ليلاً؟» «نعم، كان البرد شديداً.

لكنني كنت أقتلع الطحلب وأنام في حفرة صغيرة تحت شجرة». «ألم تخافي؟» «بلى، لكنني كنت أعرف أن بابا سيجدني مهما حدث». هكذا كانت الحكاية. وأذكر حادثة بحثوا فيها خمسة أيام في شوريا الجبلية عن صبي في الحادية عشرة. خرج بنفسه مع مجرى جدول، حياً معافى.

لعل كثيراً من أهل أولان أودي يذكرون المأساة التي وقعت عند الكيلومتر العشرين من طريق بارغوزين. في يوليو مات رجل من البرد غير بعيد عن الطريق. دخل الغابة في جو صافٍ حار، بقميصه ومن دون أعواد ثقاب. وبعد ساعتين أو ثلاث هجمت الغيوم وهبت ريح باردة وتساقط الثلج.

يبدو أن الرجل أصابه الذعر، فتاه وابتلّ وأنهكته قواه. جلس ليستريح، فنام ولم يستيقظ. فما الذي ساعد الطفلين على النجاة؟ أظنه غياب الخوف الذي يشل الإرادة. والأهم، تقبل الوضع كما هو.

لم يكونا يصارعان، بل كانا يعودان إلى البيت فحسب، واثقين بأنهما سيخرجان في النهاية وبأن الناس سيجدونهما على كل حال. في أغسطس ضاع رجل في الستين في تايغا غوسينووزيورسك. ذهب بسيارته لقطف التوت وتوقف في وادي أرداسان.

خرج يستطلع المكان. وحين عاد تجاوز موضع سيارته ودخل الوادي المجاور. بدأ الظلام يحل. ووصل إلى طريق لنقل الأخشاب.

مشى حتى منطقة قطع أشجار قديمة. انتهى الطريق فعاد أدراجه. وهكذا ظل يومين يجوب طرق نقل الأخشاب محاولاً العثور على طريقه. وأخيراً صادف مركزاً لحراس الغابات يبعد خمسين كيلومتراً عن مكان سيارته.

بات هناك، ثم عاد إلى البيت بسيارة عابرة. وينبغي أن نذكر أن الثلج كان قد تساقط على السلسلة الجبلية خلال رحلته القسرية. وكانت الحرارة ليلاً دون الصفر.

ومع ذلك نجا، لأنه لم يستسلم لليأس. فماذا تفعل إذا ضللت الطريق رغم كل شيء؟ ما إن تدرك ذلك حتى تجلس وتقدر الوقت الذي مضى منذ أول شعور بأنك تائه.

سيساعدك ذلك على تقدير المسافة التي ربما ابتعدتها عن مكان انطلاقك. والأعقل أن تحاول العودة مستعيناً بالعلامات التي تتذكرها. إن لم تتذكر أية علامة، فالأفضل أن تبقى في مكانك وتستعد للمبيت، وأن تشغل نفسك بالعمل. فهذا يساعد على مقاومة الذعر الذي بدأ يتكون.

تذكر أن رفاقك سينظمون البحث بالتأكيد حين يلاحظون غيابك. إن لم تكن بعيداً عن المخيم فسيجدونك حتماً. كما أن الصياح يُسمع مساءً على مسافات بعيدة. ومن موضع مرتفع، شجرة أو تل، قد ترى نار المخيم.

أما إذا كانت لديك خبرة بالتايغا وتتذكر بعض المعالم، فحاول الخروج بنفسك. ولكن عليك أولاً أن تجلس وتهدأ. ثم عد في ذهنك، خطوة خطوة، إلى اللحظة التي انحرفت فيها عن الطريق الصحيح. حلل: لماذا وكيف ومتى يمكن أن يكون ذلك قد حدث؟

جرب أن تنادي، ثم أنصت بدقة. أحياناً يتخيل من يقع في هذا الموقف أصوات بشر أو صوت محرك سيارة تعمل أو قطار. لذلك فإن أول ما ينبغي فعله وأهمه هو أن تهدأ. تقبل الموقف على أنه أمر طبيعي تماماً.

ففي الحقيقة لم يقع شيء فظيع. ستبيت وحدك ليلة في التايغا، بلا وسائل راحة ولا رفاق، لكنك ستجد الطريق الصحيح صباحاً بالتأكيد. وإن لم تجده فوراً فلا بأس، سيجدك الآخرون حتماً. وكلما توقفت مبكراً، كنت أقرب إلى المخيم.

أما حين يبدأ المرء بالتخبط من جهة إلى أخرى والركض بلا تفكير في الاتجاه «الصحيح»، فيمكن الجزم بأنه سيبتعد كثيراً عن المخيم ويصعب العثور عليه جداً. لذلك، إذا ضعت، فتوقف وانتظر وفكر. والأفضل أن تعمل: جهز مكان المبيت، حتى لو لم تحتج إليه. جميع النصائح السابقة اختبرتها تجربتي المريرة وتجارب الأشخاص الذين شاركت في البحث عنهم.

وهذا، مثلاً، ما ينصح به أناتولي غوستيوشين في «موسوعة المواقف القصوى»: «إذا ضللت الطريق في الغابة فتوقف فوراً واجلس. ولا تخطُ خطوة أخرى من دون تفكير. لا تفكر إلا في شيء واحد: استرجاع آخر علامة في الجزء المألوف من الطريق ومحاولة تتبع المسار المؤدي إليها».

«إن لم تستطع، فتذكر المعالم المألوفة. وأفضلها الممتدة والصاخبة: خط سكة حديد، نهر صالح للملاحة، طريق عام. أنصت. وإذا لم تجد معالم مألوفة ولا دروباً ولا طرقاً، فاتجه إلى الماء وسر مع التيار إلى أسفل.

فالجدول يقود إلى النهر، والنهر إلى الناس. إن لم توجد معالم فحاول تسلق أعلى شجرة… وتساعد الأصوات على الوصول إلى الناس: جرار يعمل، كلب ينبح، وتساعد أيضاً رائحة الدخان».